news-details
مقالات

المقوّمات الإلهية والمخرجات الرسالية لولاية أمير المؤمنين ​(قراءة في فلسفة الاصطفاء والضرورة المعرفية للالتزام النبوي) أعدها/عدنان صگر الخليفه

أولاً: كونيّة الرسالة وحتميّة التجريد المعصوم
​تتأسس الرسالة المحمدية الخاتمة، في جوهرها الوجودي البنيوي، على شمولية الخطاب وعالمية الامتداد؛ فهي تمثل الإرادة الإلهية العليا الرامية إلى صياغة الوجود الإنساني وفق قيم العدالة الحقة والتسليم المطلق لمصدر التشريع. وإن من أعمق الانحرافات المعرفية التي أصابت الفكر التاريخي للأمة الإسلامية، هو محاولة إسقاط البنى الاصطلاحية الحادثة، والتخندقات المذهبية الوليدة (كالشيعة والسنة)، على النواة المعصومة الأولى للرسالة.
​إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة (عليهم السلام) لم يكونوا يوماً ظاهرة مذهبية فرعية، بل هم "العلة الغائية" والركيزة الوجودية والخط المستقيم الأول الذي استوت به دعائم الدين. وحين نقارب مقام أمير المؤمنين من هذا الأفق الفلسفي المتعالي، فإننا نتجاوز مفهوم الرأي الفقهي أو الاجتهاد البشري، لنقف أمام "المحور الكوني" الذي صاغه الوحي الإلهي بصيغة الإلزام الصارم لا الاختيار العاطفي، ليكون البوصلة الجامعة للأمة قاطبة تحت هويتها المبدئية الأولى: "المسلمون لا أكثر".
​ثانياً: جدلية "المقدمات والمخرجات" في التكوين العلوي
​لم تكن المقامات الإلهية والتشريعية التي حازها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حدثاً طارئاً أو منقطعاً عن سياقه التكويني والتاريخي، بل كانت تجسيداً لمخرجات حتمية، ونهاية منطقية لسلسلة من المقدمات التمهيدية المعجزة التي صاغها الوحي على مدار ثلاثة وعشرين عاماً أمام مرأى ومسمع الأمة:
​أ- مقدمة الإعداد والتربية اللدنية: إن نشأته في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن مجرد آصرة قربى عائلية، بل كانت محضناً وفضاءً إلهياً لتهيئة وعاء معرفي فريد يتلقى فيوضات النبوة غضة، ويتحمل أعباء صيانة الرسالة وحمايتها من التيه والتلاشي بعد غياب القائد.
ب- مقدمة السبق والفداء الوجودي: ابتداءً من "يوم الإنذار" الذي أسس للمرجعية المستقبلية مع بزوغ فجر الدعوة، مروراً بـ "ليلة المبيت" التي تجسد فيها الفداء الكوني بأبهى صوره اللامتناهية لتأمين استمرار الكيان الإسلامي، وصولاً إلى محطات الحسم الوجودي في بدر وأحد والأحزاب؛ حيث تجلى علي بن أبي طالب بوصفه الذات التي تذوب كينونتها تماماً لحساب صيانة العقيدة والدولة.
​هذه الصيرورة المتواصلة من العطاء المعرفي والجهادي فرضت على الأمة أن تعيش تفاصيل الولاية والاصطفاء واقعاً سلوكياً مشهوداً، قبل أن يُعلن عنها كحقيقة رسمية وملزمة في المحطات الكبرى.
​ثالثاً: الاستفراد بالتزكية النبوية وقطع الندية البشرية
​إن إثبات هذا المقام التأسيسي للأمة يستند بالضرورة المطلقة إلى الكلمات القدسية الصادرة من فم النبوة، الحائزة على العصمة التامة بنص التنزيل:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾
​إن هذه النصوص النبوية المتواترة تمثل شهادات وجودية صادرة من عالم الغيب، وقد انطوت على تعيين علني انفرد به أمير المؤمنين دون سائر الأمة، مما يبطل فلسفياً وثنائياً أي محاولة لافتعال "ندية" بشرية أو موازنة مقامية معه:
​أ- دلالة خيبر وصك المحبة الإلهية المتبادلة: حين وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خيبر معلناً: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فإنه لم يكن يصيغ مديحاً عابراً، بل كان يقرر حكماً حاصراً واستثنائياً. فرغم أن المسلمين جميعاً مأمورون بالمحبة، إلا أن التخصيص والتعيين بالاسم من لسان الوحي بأن الله ورسوله يحبان علياً، يمثل فرزاً وتزكية لمرتبة اصطفائية مطلقة انفرد بها عن سائر معاصري الرسالة، وهي منزلة ثابتة بالذات قبل الغدير وبعده.
ب- دلالة المنزلة والامتداد الهاروني المعصوم: وفي قوله المجمع عليه: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، نقل الوحي الإلهي لعلي بن أبي طالب كل مقامات هارون الوجودية والتشريعية: الوزارة, وشد الأزر، والشراكة المعرفية والقيادية لإدارة الأمة، مستثنياً النبوة لعلة الختم التشريعي والزمني. هذا الاستفراد المطلق بالمقام يثبت أن المرجعية والقيادة بعد غياب النبي ليست خاضعة للتوانت الذاتية أو التوافقات البشرية، بل هي جعل إلهي محض.
​رابعاً: تهافت "الهوى القبلي" أمام صرامة النص الإلهي
​إن التشويه المعرفي الذي طرأ على الفكر التاريخي لاحقاً تحت ذرائع وتبريرات سياسية بشرية — كالادعاء بأن "قريشاً كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد" — يمثل تصادماً بنيوياً حاداً مع منطق السماء وصراط الحق.
​إن هذا القول باطل لغوياً، وغير لائق ذاتياً وتشريعياً؛ لأنه يجرؤ على تقديم رضا المخلوق (بأهوائه ومنافساته القبلية وتاريخه الجاهلي) على مراد الخالق والأمر الملزم والدعامات الثابتة التي وضعها نبي الرحمة. فالقرآن الكريم يذم صراحةً تقديم الكراهية والهوى البشري على التشريع الإلهي:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
​وكان الواجب العقائدي يحتم تقويم قريش وإلزامها بالنص، لا التضحية بمخرجات التعيين والمقدمات الكبرى لترضية الحسابات السياسية الآنية، والالتفاف على بيت أذن الله أن تُرفع قواعده وتكون له الطاعة والولاية الملزمة للأمة.
​خامساً: الخلاصة والحتمية التشريعية
​تخلص هذه القراءة الفلسفية المعرفية إلى النتيجة القطعية التالية:
​إن الثبات على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والاعتصام بمقامه ليس ترفاً فكرياً، ولا رأياً مستحدثاً خاضعاً لآليات الاجتهاد المعاصر، بل هو تطبيق أمين ومباشر لأوامر النبوة الملزمة وصيغها التشريعية القاطعة. وحيث إن نبي الرحمة قد وضع القواعد والدعامات الأساسية الكلية التي أسس عليها أمر الله ورسالته، فإن كل زيادة، أو التواء، أو اجتهاد بشرّي (سواء كان قديماً أو حديثاً) يصطدم مع تلك الثوابت النبوية، هو قطعاً اجتهاد باطل وخاطئ وجانف عن الصواب.
​إن القبول المطلق بهذا الخط النقي والالتزام بمحورية بيت النبوة هو التكليف الوجودي الواجب على كل مسلم يستشعر حقيقة الاستسلام لرب العالمين، وهو البوابة الفكرية الوحيدة والراقية لتحرير العقل الإسلامي من تفرقه، وإعادة صياغة وحدة الأمة على أسس الحق والعدالة واليقين الذي لا تزيحه الأهواء ولا تبدله العصور.

 

المقوّمات الإلهية والمخرجات الرسالية لولاية أمير المؤمنين
​(قراءة في فلسفة الاصطفاء والضرورة المعرفية للالتزام النبوي)

أعدها/عدنان صگر الخليفه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا