news-details
مقالات

حين يصبح الكتاب قطعة أثاث . أمّة تقرأ العناوين ... وتخاف من الصفحات

 

 .
بقلم : معز ماني . تونس .
هناك مأساة لا تعرض على خشبات المسارح، ولا تبكى في الأفلام، ولا تخلّدها التراجيديات الإغريقية. إنها مأساة أمة هجرت الكتاب، ثم راحت تبحث عن الحكمة في التعليقات، وعن المعرفة في المقاطع القصيرة، وعن الفلاسفة بين مؤثري المنصات .
لقد كان الكتاب، عبر التاريخ، أكثر من أوراق مجلّدة، كان مختبرا تجرى فيه التجارب الإنسانية قبل أن تجرى في الواقع. فكل كتاب عظيم هو حياة إضافية تمنح للقارئ دون أن يدفع ثمنها من عمره. إنك حين تقرأ سيرة بطل مهزوم، أو مفكر مطارد، أو عالم أفنى عمره في البحث، فإنك تعيش مأساته دون أن تكسر عظامك، وتتعلم حكمته دون أن تدفع فاتورة أخطائه،كان الكتاب يوما نافذة، فأصبح اليوم مزهرية.
كان يفتح ليقرأ، فأصبح يشترى ليصوّر، صار لون الغلاف أهمّ من لون الفكرة، وصارت رفوف المكتبات تنسّق بعناية لتناسب لون الأريكة، لا لتناسب جوع العقل. لقد انتقل الكتاب، في زمن قياسي، من كونه غذاء للرأس إلى قطعة ديكور تجمّل الصالون، تماما كما تزيّن الساعة الجدار دون أن يعرف أحد توقيتها .
المأساة ليست في أنّ الناس لا يقرأون، بل في أنّهم يعتقدون أنّهم لم يعودوا بحاجة إلى القراءة. لقد استبدلوا ألف صفحة بفيديو لا يتجاوز دقيقة، واستبدلوا حكمة قرن كامل بعنوان مثير، ثم أعلنوا، بكلّ ثقة، أنّهم أصبحوا أكثر ثقافة من سقراط نفسه .
لقد أصبح العقل اليوم يتغذّى كما تتغذّى الوجبات السريعة، كثير من النكهات، قليل من القيمة، وانتهاء الصلاحية أسرع من انتهاء المشاهدة .
كان الأبطال قديما يولدون من رحم المآسي. فكلّ مأساة كانت مدرسة، وكلّ سقوط كان سلّما، وكلّ كتاب كان مرآة نرى فيها عيوبنا قبل أن نرى عيوب الآخرين. أمّا اليوم، فقد تحوّلت المأساة إلى موسم تلفزيوني، وأصبح الحزن مؤثرا صوتيا، وصارت الدموع تقاس بعدد المشاهدات، لا بعمق الألم .
ننهي الحلقة، ونبحث عن الحلقة التالية، ثم نتساءل بكلّ براءة، لماذا لم تعد الحياة تعلّمنا شيئا ؟لأنّ الدرس لا يسكن الشاشة،بل يسكن الصفحة .
الكتاب لا يمنحك الإجابة، بل يدرّبك على احتمال السؤال. أمّا الترفيه الرخيص، فيمنحك ألف إجابة جاهزة، ويمنعك من طرح سؤال واحد .ولذلك أصبحنا نعرف كلّ شيء عن حياة المشاهير، ولا نعرف شيئا عن حياتنا. نحفظ أسماء الممثلين أكثر ممّا نحفظ أسماء الفلاسفة، ونناقش نهاية مسلسل بحرارة تعجز عنها مناقشة مستقبل وطن كامل .
صرنا نطالب المدارس بصناعة المفكرين، بينما البيوت تحتفل بالجهل على مدار الساعة. نلوم المعلّم لأنّ أبناءنا لا يقرؤون، ثم نكافئهم كلّ مساء بمزيد من الشاشات، كأنّ الكتاب هو المذنب الوحيد في هذه الجريمة الجماعية .
لقد اخترعنا جيلا يملك أسرع أصابع في التاريخ، وأبطأ عقول في التأمل.جيل يستطيع أن يمرّر ألف صورة في دقيقة، لكنه يعجز عن عبور عشر صفحات دون أن يشعر بالاختناق .
ولم يعد الجهل يخجل من نفسه، لقد ارتدى بدلة أنيقة، وصنع حسابات على كلّ المنصات، وصار يلقي المحاضرات، ويمنح النصائح، ويجمع التصفيق أكثر ممّن أفنوا أعمارهم بين الكتب.ويسمّي نفسه صاحب محتوى .
في الماضي، كان الجاهل يبحث عن العالم،أمّا اليوم،فقد أصبح العالم يبحث عن زاوية يختبئ فيها من ضجيج الجاهل.والمفارقة الأكثر سخرية أنّنا نعيش العصر الذي لم يكن الوصول فيه إلى المعرفة أسهل ممّا هو عليه الآن، لكنّ الهروب منها لم يكن أسهل أيضا. العالم كلّه يستقرّ في هاتف صغير، ومع ذلك نستعمله لنلاحق التفاهة من قارّة إلى أخرى، ونمنحها تأشيرة إقامة دائمة في عقولنا.
لم تعد المشكلة في قلّة الكتب، بل في قلّة الرغبة في فتحها.فالكتاب لا يزال ينتظر على الرف، هادئا، متواضعا، لا يرسل إشعارات، ولا يطلب إعجابا، ولا يتسوّل مشاركة. يعرف أنّ الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، وأنّ الأفكار العظيمة تمشي ببطء، لأنّها لا تبحث عن الانتشار، بل عن البقاء .
وحين تموت عادة القراءة، لا يموت الكتاب.الذي يموت هو الإنسان القادر على محاورة نفسه،وعندما يفقد الإنسان هذه القدرة، يصبح مستعدا لتصديق أيّ شيء، والتصفيق لأيّ شيء، والدفاع عن أيّ شيء، لأنّه لم يعد يملك مناعة اسمها الفكر .
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية،لا حين نهجر الكتب،بل حين تهجرنا الكتب، لأنّها لم تعد تجد فينا قارئا، بل مستهلكا يطلب من المعرفة أن تختصر، ومن الحكمة أن ترقص، ومن الحقيقة أن تقال في خمس عشرة ثانية.وحين تبلغ أمّة هذه المرحلة، فإنّ أخطر ما تخسره ليس مكتباتها،بل قدرتها على التمييز بين النور والشاشة، وبين الثقافة والمعلومة، وبين الإنسان وظلّه الإلكتروني .

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا