من هنا نبدأ... 30 يونيو... عبور فارق في مسار الدولة المصرية
بقلم: د.م. مدحت يوسف
التاريخ: 29 يونيو 2026
في خضم المتغيرات العالمية المتسارعة وما يشهده العالم من صراعات وحروب وانهيار لمؤسسات دول في محيطنا الإقليمي والدولي تتجدد الحاجة إلى التوقف أمام المحطات الوطنية الفاصلة التي غيرت مسار التاريخ ليس من باب استدعاء الذكريات وإنما من أجل قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.
ومع اقتراب ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو يبرز سؤال لا بد أن يطرحه كل مصري على نفسه
ماذا لو لم تحدث ثورة 30 يونيو؟
إنه سؤال لا يهدف إلى إعادة كتابة التاريخ وإنما إلى إدراك قيمة الدولة وثمن الحفاظ عليها ومعنى أن يبقى الوطن موحداً آمناً مستقراً في زمن تتهاوى فيه دول وتتمزق فيه شعوب.
لقد جاءت ثورة الثلاثين من يونيو في نظر الشعب المصري استجابة لإرادة شعبية واسعة رأت أن الوطن يواجه مرحلة بالغة الخطورة وأن الحفاظ على الدولة المصرية أصبح مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل. ولم تكن تلك الثورة لفئة أو حزب أو تيار بل ستظل في وجدان المصريين جميعاً ثورة لكل المصريين بمختلف انتماءاتهم وفئاتهم مسلميهم ومسيحييهم رجالهم ونسائهم شبابهم وشيوخهم لأنها ارتبطت بفكرة بقاء الدولة المصرية واستمرار مؤسساتها.
لقد خرج ملايين المصريين مطالبين بمستقبل مختلف وكانت القوات المسلحة المصرية أمام اختبار تاريخي شديد الصعوبة بين مسؤولية حماية الوطن واحترام إرادة الشعب والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.
وفي تلك اللحظة التاريخية برز دور الفريق أول آنذاك عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة الذي تحمل مسؤولية وطنية بالغة الخطورة وهو يدرك تماماً حجم التحديات الداخلية والخارجية وما قد يترتب على أي قرار يتخذه في تلك المرحلة.
لقد وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي بكل شجاعة وثبات ليلقي بيان الثالث من يوليو 2013 بعد لقاءات ومشاورات ضمت ممثلين عن مختلف القوى الوطنية والدينية والسياسية والشبابية معلناً خارطة طريق رأت فيها قطاعات واسعة من الشعب المصري تعبيراً عن إرادتها في تلك اللحظة التاريخية. وكان يعلم أن ذلك القرار قد يكلفه حياته وأنه يتحمل مسؤولية قيادة أخطر مرحلة مرت بها الدولة المصرية الحديثة واضعاً أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار.
ولعل من أكثر كلماته تعبيراً عن طبيعة تلك المرحلة قوله
"الجيش المصري لا يمكن أن يتآمر على شعبه ولم ولن يطلق رصاصة على المصريين."
كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي
"ثمن الحفاظ على الدولة كبير لكن ثمن ضياعها أكبر بكثير."
وهذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات بل كانت تلخيصاً لحجم المسؤولية التي تحملها هو ورجال القوات المسلحة ومؤسسات الدولة وهم يخوضون معركة الحفاظ على الدولة المصرية في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها.
لقد حمل رجال القوات المسلحة أرواحهم على أكفهم ولم يكن أحد يعلم إلى أين ستصل الأحداث أو كيف ستكون النهاية لكن الجميع كان يدرك أن الوطن يستحق التضحية وأن مصر لا يمكن أن تترك للفوضى أو الانقسام.
لقد كان العبور في الثلاثين من يونيو عبوراً من نوع آخر.
فعندما عبر الجيش المصري خط بارليف في السادس من أكتوبر عام 1973 كان العدو معروفاً وكانت الجبهة واضحة وكانت مواقع القتال محددة.
أما في الثلاثين من يونيو فكان العبور إلى المستقبل وسط ظروف غاية في التعقيد وكان التحدي أخطر لأن العدو لم يكن جيشاً يقف على الحدود وإنما تحديات داخلية وإقليمية وحالة من عدم اليقين جعلت الحفاظ على الدولة مهمة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لقد كان عبوراً نحو بقاء الوطن ولذلك يرى كثير من المصريين أن قيمة ذلك العبور لا تقل أهمية عن أعظم محطات التاريخ العسكري المصري لأنه كان عبوراً لإنقاذ الدولة نفسها وحماية مؤسساتها والحفاظ على هويتها.
ولم تكن شجاعة القرار مقتصرة على القيادة السياسية والعسكرية بل امتدت إلى رجال القوات المسلحة والشرطة المصرية الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن أمن الوطن واستقراره وخاضوا معركة طويلة ضد الإرهاب حتى استعادت مصر أمنها وأمانها وعادت مؤسسات الدولة إلى أداء دورها بكل قوة.
وخلال السنوات التالية شهدت مصر مرحلة واسعة من إعادة بناء الدولة شملت إنشاء شبكة قومية من الطرق والكباري والمدن الجديدة وتطوير قطاع الكهرباء والطاقة والموانئ ووسائل النقل والمشروعات القومية العملاقة إلى جانب تطوير الخدمات وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة ومواجهة الإرهاب وتحقيق قدر كبير من الاستقرار.
وقد تختلف وجهات النظر حول بعض السياسات أو أولويات التنفيذ لكن يبقى أن مصر استطاعت الحفاظ على مؤسساتها واستقرارها في وقت كانت فيه دول عديدة تعاني من الانهيار والصراعات.
إن ثورة الثلاثين من يونيو ستظل ملكاً لجميع المصريين لأنها ارتبطت بفكرة الوطن قبل أي انتماء آخر وستظل رمزاً لوحدة الشعب المصري عندما شعر أن وطنه يواجه تحدياً مصيرياً فوقف صفاً واحداً خلف دولته ومؤسساتها وقواته المسلحة.
إن الأمم العظيمة لا تبنى فقط بالمشروعات والإنجازات وإنما تبنى أيضاً بالإرادة والوعي والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات المصيرية وبشعب يلتف حول وطنه وجيش يحمي أرضه وقيادة تتحمل المسؤولية مهما كانت التضحيات.
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو نستحضر بكل فخر تضحيات أبناء القوات المسلحة والشرطة ونقدر كل من تحمل مسؤولية الحفاظ على الوطن في واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها مصر الحديثة مؤمنين بأن قوة مصر كانت وستظل في وحدة شعبها وقوة جيشها وصلابة مؤسساتها.
عاشت مصر عزيزة قوية آمنة مستقرة وعاش شعبها العظيم وعاشت قواتها المسلحة والشرطة المصرية درعاً وسيفاً للوطن وستظل راية مصر خفاقة بإذن الله بقيادتها وشعبها ماضية نحو مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها بين الأمم.
تحيا مصر... تحيا مصر... تحيا مصر.
DrEng Medhat Youssef Moischool خطى الوعي AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman for the Egyptian Presidency
التعليقات الأخيرة