كتب رياض الفرطوسي
تصل المجتمعات إلى ذروة اغترابها القيمي وتفككها البنيوي حين تشرع خطوط دفاعها الأخلاقية الأخيرة بالانهيار؛ وأخطر تلك الخطوط هي الرموز التاريخية التي تشكل الضمير الجمعي. ما يمر عبر قنوات "الفرجة والتسويق السياسي" الهابطة هذه الأيام، من تداول مفرط ومبتذل للقسم بأبي الفضل العباس، مصحوباً بقهقهات ونكات سمجة، ليس انفلاتاً خطابياً عابراً، بل هو تعبير فج عن عقلية مأزومة تسعى جاهدة لتقزيم الهامات الإنسانية الكبرى، وإعادة تفصيلها على مقاس وعيها الصغير لتبدو مجرد "أدوات بطش فوري" وانفعال مفرط، مجردة من كل عمق قيمي.
إن مقاربة شخصية الامام العباس بن علي من منظور الفروسية والأخلاق تفكك هذا الوهم الإعلامي؛ فالرجل في ملحمة الطف لم يكن مجرد مقاتل يبحث عن انتصار عسكري أو استعراض قوة عارية، بل كان يمثل "الموقف المبدئي" في تلاحمه المطلق مع حركة أخيه الإمام الحسين. لقد تجلت فصاحته البليغة وثباته العقائدي في اللحظات التي تتزلزل فيها حصون الرجال؛ عند ضفاف الفرات، حيث تراجع الخصوم أمام هيبته الصارمة، لم تكن تحركه غريزة السيف، بل رقّت روحه لنداءات العطش الصادرة من مخيمات النساء والأطفال. وحين تكالبت عليه السهام وظل مثخناً بالجراح، بقي محتفظاً بتوازنه الداخلي ورباطة جأشه الأسطورية، رافضاً أن تنحني روحه أو تهتز قناعته. هذا الامتداد الروحي الواعي لرسالة الحسين هو المعنى الحقيقي المُراد طمسه اليوم.
على الضفة المقابلة، يكمن التشويه في إسقاط "سيكولوجية الاستبداد" على هذا الرمز النبيل. لقد أنتجت عقود الدكتاتورية الطويلة في الوجدان الشعبي نزوعاً مرضياً نحو تمجيد "القوة الغاشمة". هي ذاتها الثقافة التي أسستها خطابات الطاغية تاريخياً وهو يتوعد بـ "قطع الأعناق وحصد الرؤوس"، متلذذاً بإنتاج الرعب الصامت؛ حيث يُباد الإنسان وتُمحى آثار أقدامه من الحياة، ويمر الوجدان العام فوق فاجعته صامتاً، خائفاً، ومتظاهراً بالنسيان كتماثيل في متاحف الشمع. هذا الخوف المتأصل حوّل مفهوم الهيبة في المخيالة الشعبية من "احترام الحق والعدالة" إلى "الرهبة من سيف الجلاد"؛ ومن هنا تولدت عقلية الاستخفاف بكل رمز سلام، تماماً كما يُستهزأ اليوم بإرث المتصوف والفقيه الجليل الشيخ عبد القادر الكيلاني بهتافات سوقية تقلل من شأنه لمجرد أن منهجه الروحي قائم على المحبة والزهد لا على الترهيب، معتبرين أن الرمز الذي لا يبطش صاعقاً هو رمز مستضعف لا يستحق الزيارة.
هذا الانحدار النفسي لا يلبث أن يتحول إلى ممارسة سلوكية مدمرة داخل المجتمع، تتشابك هذه التفاصيل مع الحياة اليومية ، بمن يحلفون بالعباس زوراً نهاراً جهاراً من خلال معاملات السندات والأوراق الرسمية وحتى في الفصول العشائرية وجلسات فض النزاعات .
إن سياسة التجهيل المنظم ومحاولات غسيل الأدمغة التي تقودها الماكينات الإعلامية والسياسية اليوم، تهدف إلى اغتيال المثل العليا لجعل المجتمع بلا بوصلة وبلا مناعة أخلاقية. غير أن القراءة الواعية لحركة التاريخ تؤكد أن الطغيان ومرتزقته من المهرجين ليسوا سوى زبد عابر في عمر الحضارات. المستقبل ليس معجزة غيبية، بل هو الفكرة الرصينة والوعي الأخلاقي الذي يُزرع الآن في عقول الأجيال الحية. سينقشع هذا الركام والابتذال حتماً، لتبقى هيبة الرموز الحقيقية ناصعة وثابتة في ضمير الأحرار، فالأصل في الوجود هو النور، والتفاهة مهما دُعمت تظل زبداً يذهب جفاءً.
هيبة العباس (ع) وسيكولوجية الإله الباطش
التعليقات الأخيرة