news-details
العالم

فلسطين: بعد عام من الإضرابات.. الأهالي يطالبون بحماية التعليم ورواتب المعلمين

عبده الشربيني حمام 

 

يترقب طلبة الثانوية العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة إعلان نتائج امتحانات التوجيهي، وسط حالة من القلق المعتاد لدى العائلات الفلسطينية، لكن هذه المرة يترافق الانتظار مع نقاش أوسع حول شكل العام الدراسي المقبل وضرورة ضمان انتظام التعليم الوجاهي في المدارس.

ورغم تداول مواعيد مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعلن وزارة التربية والتعليم العالي حتى الآن موعدًا رسميًا نهائيًا لإصدار النتائج، مؤكدة أن أي إعلان بهذا الشأن سيصدر عبر منصاتها الرسمية.

وبلغ عدد المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة هذا العام أكثر من 91 ألف طالب وطالبة، بينهم أكثر من 51 ألفًا في الضفة الغربية، ونحو 37 ألفًا في قطاع غزة، إضافة إلى طلبة من غزة تقدموا للامتحانات من خارج فلسطين.

وتأتي نتائج هذا العام بعد سنة دراسية صعبة، واجه فيها الطلبة والمعلمون وأولياء الأمور ظروفًا استثنائية، بسبب الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وعدم انتظام صرف رواتب موظفي القطاع العام، وما رافق ذلك من احتجاجات وإضرابات وتعطيل جزئي للتعليم الوجاهي.

وفي الضفة الغربية، يطالب عدد من أولياء الأمور وزراة التربية والتعليم بوضع أوليات للسنة الدراسية المقبلة على رأسها ضمان عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة خمسة أيام أسبوعيًا، بدل الاكتفاء بدوام جزئي أو حلول مؤقتة لا تعالج الفاقد التعليمي.

ويرى الأهالي أن انتظام الدوام المدرسي لم يعد مطلبًا تربويًا فقط، بل أصبح ضرورة اجتماعية ونفسية، بعد عام شهد اضطرابًا في الجداول، واعتمادًا متكررًا على التعليم الإلكتروني أو تقليص أيام الحضور في بعض الفترات.

ويقول أولياء أمور إن أبناءهم دفعوا ثمن الأزمة المالية بشكل مباشر، إذ تأثر التحصيل الدراسي بفعل الإضرابات وتراجع أيام التعليم الوجاهي، بينما لجأت عائلات قادرة إلى الدروس الخصوصية لتعويض النقص، في حين بقيت عائلات أخرى غير قادرة على تحمل هذه الكلفة.

وفي هذا السياق، تبرز قضية رواتب المعلمين كأحد المفاتيح الأساسية لاستقرار العام الدراسي المقبل. فالمعلم، وفق ما يقول تربويون وأهالٍ، لا يمكن أن يُطلب منه الاستمرار في أداء واجبه بصورة كاملة بينما يتقاضى راتبًا جزئيًا ومتأخرًا لا يكفي لتغطية احتياجاته اليومية.

وخلال الأشهر الماضية، أعلنت وزارة المالية الفلسطينية صرف نسب محدودة من رواتب موظفي القطاع العام، وصلت في بعض الأشهر إلى 50% فقط، في ظل استمرار الأزمة المالية واحتجاز إسرائيل لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي.

وتقول الحكومة الفلسطينية إن الأزمة الحالية خارجة عن قدرتها الكاملة، وإنها مرتبطة بالحصار المالي واحتجاز أموال المقاصة، ما جعلها تعمل ضمن موازنة طوارئ وتبحث شهريًا عن الحد الأدنى اللازم لتأمين الرواتب والخدمات الأساسية.

لكن هذه التبريرات لم تمنع تصاعد الدعوات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصًا من قبل أهالٍ يرون أن التعليم يجب أن يكون في مقدمة القطاعات التي تُحمى من آثار الأزمة، لأنه يرتبط بمستقبل جيل كامل.

ويؤكد تربويون أن العام الدراسي المقبل يحتاج إلى خطة واضحة منذ بدايته، تشمل انتظام الدوام، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة، وتعويض الفاقد التعليمي، ودفع رواتب المعلمين في موعدها، حتى لا تتكرر حالة الارتباك التي رافقت العام الماضي.

كما يرى بعضهم أن تمويل التعليم يجب أن يُعامل كأولوية وطنية، حتى لو تطلب الأمر مراجعة بنود إنفاق أخرى داخل الموازنة العامة، خصوصًا في ظل تدهور قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.

وتواجه السلطة الفلسطينية انتقادات عديدة في علاقة بمصاريف السفارات ومخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا إلى النقاش العام، باعتبارها أحد الملفات الحساسة المرتبطة بأولويات الصرف وبالعلاقة بين السلطة الفلسطينية والمانحين.

وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر في عام 2025 قرارًا بتغيير آلية هذه المخصصات ونقلها إلى مؤسسة التمكين الاقتصادي، على أن تصبح المساعدات مرتبطة بالحاجة الاجتماعية والاقتصادية، لا بمدة السجن أو الصفة السياسية للحالة.

وتقول السلطة إن هذه الخطوة جاءت ضمن إصلاحات تهدف إلى تعزيز الشفافية واستعادة الدعم الدولي وفك الحصار المالي، بينما ترى قطاعات فلسطينية واسعة أن دعم عائلات الأسرى والجرحى والضحايا يبقى التزامًا اجتماعيًا ووطنيًا لا يجوز التخلي عنه.

ورغم حساسية الملف، يقول منتقدون إن الأزمة التعليمية تفرض نقاشًا أوسع حول كيفية توزيع الموارد المحدودة، بحيث لا يبقى الطلبة والمعلمون في آخر سلم الأولويات، خاصة عندما يؤدي عدم دفع الرواتب إلى تعطيل المدارس أو تقليص أيام الدوام.

وفي قطاع غزة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، إذ تقدم الطلبة للامتحانات إلكترونيًا للعام الثالث على التوالي عبر منصة “وايز سكول”، في ظل ظروف إنسانية وتعليمية صعبة، ومدارس مدمرة أو غير صالحة للاستخدام، واعتماد واسع على حلول مؤقتة.

ويقول أهالٍ إن نتائج التوجيهي، سواء في الضفة أو غزة، يجب أن تفتح نقاشًا جديًا حول مستقبل التعليم الفلسطيني، لا أن تبقى مناسبة عابرة للاحتفال أو القلق، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بالامتحان فقط، بل بطريقة إدارة السنة الدراسية كاملة.

ويرى مراقبون أن أي خطة ناجحة للعام المقبل يجب أن تبدأ من تأمين رواتب المعلمين، وضمان خمسة أيام دراسية أسبوعيًا، وتوفير برامج تعويض للطلبة الذين تأثروا بالإضرابات والتعليم الإلكتروني، إلى جانب إشراك أولياء الأمور في متابعة انتظام المدارس.

ومع اقتراب إعلان النتائج، ينتظر الفلسطينيون فرحة النجاح، لكنهم ينتظرون أيضًا إجابة أوضح من الحكومة حول ما إذا كان العام الدراسي المقبل سيكون أكثر انتظامًا، أم أن الطلبة سيعودون مرة أخرى إلى دائرة الدوام الجزئي والإضرابات والقلق.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا