الإبستمولوجيا الفلسفية والأكسيولوجيا الأخلاقية في مشروع أحمد سويلم
بقلم : د. محمد جمال الدين
إن الاشتغال بأدب الأطفال ليس ترفاً لغوياً، ولا هو إسترخاء في ظل الحكاية العابرة، بل هو في جوهره الفلسفي العميق، تأسيس للأنطولوجيا الإنسانية في لحظاتها التكوينية الأولى، بوصفه فعل حفري يلامس جذور الوجود، حيث تُبنى الكاثيدرائية الروحية والمعرفية للإنسان قبل أن تتماسك جدرانها الكبرى.
وفي هذا الميدان الرحب المزدحم بالأسئلة، يبرز الشاعر والكاتب الكبير أحمد سويلم، كظاهرة إبداعية فكرية تجاوزت أفق الإنتاج الأدبي التقليدي إلى آفاق تكوين الوعي الطفولي، إذ أدرك سويلم بفطنته الفلسفية أن الطفل ليس كائناً ناقصاً ينتظر الإكتمال، بل هو كينونة تامة تعيش الدهشة في أصفى تجلياتها، وأن الأدب الموجه له يجب أن يكون جسراً رصيناً بين براءة الخيال وصلابة القيم الكونية، وعليه استحق عن جدارة أن يُتوج في مؤتمر الطفل العربي الثالث، متزعماً منصات الريادة والتكريم، لا بوصفه كاتباً فحسب، بل كحارس لأخلاقيات الجمال والفضيلة.
ولا يمكن فصل الإبداع عن السيرة الشخصية، فحين يكون المبدع من طراز أحمد سويلم، فالسيرة هنا ليست مجرد تواريخ ومحطات بيوغرافية، بل هي تجسيد عملي للمبادئ العليا التي طالما دافع عنها في نصه الأدبي، فلقد اتسمت مسيرته الممددة بالعطاء بمنظومة أخلاقية صارمة قوامها التواضع الجم، والترفع عن صغائر الأمور، والإخلاص المطلق للرسالة الثقافية والتربوية، وهو في كل تعاملاته الإنسانية يعكس فلسفة السهل الممتنع، فلا تكبر مع النجومية، ولا إسفاف في التواضع.
لقد شكلت أخلاق أحمد سويلم امتداداً طبيعياً لقصائده وأناشيده، فلم يكن يكتب عن الصدق والشجاعة والرحمة إلا وهو متشرب لها في سلوكه اليومي، إذ إن سيرته العطرة تترك أثراً بالغ البهاء في نفوس كل من اقتربوا من محرابه الإبداعي، فقد هذا الرجل الذي نجح في تحويل الصداقة إلى ميثاق وفاء، والزمالة الفكرية إلى حوار إنساني راقٍ يعلي من شأن المحبة والنزاهة الثقافية.
لقد عانى أدب الأطفال عبر التاريخ في الثقافة العربية من التهميش، أو الوصاية الفوقية التي تمارس التعميم والوعظ المباشر، وهنا تبرز العبقرية التأسيسية لأحمد سويلم، حيث استطاع أن يحرر النص الموجه للطفل من أسر التسطيح والتقريرية المباشرة، ليصعد به إلى مصاف الأدب الفلسفي الرفيع الذي يخاطب العقل والوجدان معًا، إذ تعامل سويلم مع لغة الطفل باعتبارها كائناً حياً، يتنفس بالرموز والدلالات الكونية، فصاغ شعراً ونثراً يمزجان بين الإيقاع الموسيقي العذب والعمق المعرفي، مؤسساً بذلك لمدرسة أدبية قائمة بذاتها.
استطاع سويلم أن يزرع في نصوصه أجنحة للتحليق الفلسفي، فهو لا يقدم إجابات جاهزة، بل يحفز الطفل على طرح السؤال، إذ إن نصوصه تشبه مرآة سحرية ترى من خلالها الطفولة ذاتها والطبيعة من حولها في تناغم مذهل، وذلك من خلال إستنطاق عناصر الكون (الشجر، الطيور، الأنهار، النجوم)، فخلق
عالماً إبستمولوجياً يحث الطفل على التأمل والتفكير النقدي، معيداً الإعتبار لدور الخيال في بناء الشخصية السوية القادرة على الإبتكار.
لقدزجاء تكريم أحمد سويلم في مؤتمر الطفل العربي الثالث، الذي يقيمه نادي القصة برئاسة الكاتب الكبير محمد السيد عيد، والكاتب الكبير عبده الزراع أمين المؤتمر، ليُمثل علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، إذ إن هذا التكريم ليس مجرد إحتفاء بروتوكولي أو توزيع للأوسمة التقليدية، بل هو إعترافاً مؤسسياً وفلسفياً بدور الرجل العظيم في إعادة تكوين الوعي الجمالي والأخلاقي للأجيال الناشئة.
وحين تحتفي المنصات الثقافية والأدبية بمبدع بحجم أحمد سويلم، فإنها في الواقع تحتفي بقيم الأصالة، والإخلاص، والعمق الإنساني، إذ يعكس هذا التكريم إدراكاً متنامياً لدى المؤسسات الثقافية بأن الإستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من حماية ورعاية أدب الطفل، وأن تكريم رواده مثل سويلم هو بمثابة تثبيت للمنارة التي تهتدي بها السفن في خضم أمواج التغريب الثقافي والتسطيح المعرفي المعاصر.
َويتجلى البعد الفلسفي لأنطولوجيا الوجدانية في أدب أحمد سويلم عبر بناء الذات الطفولية على أساس الثقة بالوجود، وحب الحياة، والإنتماء العضوي للوطن والطبيعة، وفي الإبستمولوجيا التحفيزية، يعمل سويلم على تحويل الحكاية والنشيد إلى أدوات لإستفزاز الفضول المعرفي وتنمية التفكير النقدي المتسائل، أما على صعيد الأكسيولوجيا الأخلاقية، فتبرز غراسة القيم الإنسانية الكونية (الحق، الخير، الجمال، العدالة)، بأسلوب يبتعد عن الخطابية المباشرة.
إن أحمد سويلم ما زال يبحر في دروب العطاء، يواصل حفر إبداعه في صخر الجمال، فالمبدعون الحقيقيون الذين سكبوا أرواحهم في ينابيع البراءة تظل أطيافهم تضيء الدرب حاضراً ومستقبلا، فلقد ترك لنا وما زال يترك إرثاً إبداعياً ضخماً وسيرة عطرة تظل تتنفس في وجدان كل طفل عربي قرأ حرفاً من نصوصه، وفي كل معلم وباحث وجد في دروبه مرشداً وموجهاً.
وتكريمه في مؤتمر الطفل العربي الثالث، سوف يظل شاهداً حياً على أن الأمانة التي حملها طوال مسيرته المتجددة قد وجدت من يثمنها ويحفظ عهدها، وسيبقى اسم أحمد سويلم أطال الله عمره محفوراً في ذاكرة الأمة، كرمز شامخ للريادة والنزاهة والجمال، ومشعلًا تنويرياً ينير عتمات الطريق أمام أجيال الغد المشرق.
التعليقات الأخيرة