سلسلة «عيادة القلوب: المقال التاسع عشر : "الشحُّ والبخلُ... أسرُ القلوبِ بقيودِ المال
".
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة:
خلق الله المال وسيلةً لعمارة الأرض، ولم يجعله غايةً تُعبد أو صنمًا يُقدَّس. فإذا استولى حب المال على القلب، تحول من نعمة إلى فتنة، ومن وسيلة إلى قيد، ومن سببٍ للعطاء إلى سببٍ للشقاء. ومن أخطر أمراض القلوب التي تفسد الإيمان، وتقطع أواصر المحبة، وتزرع القسوة في النفوس: مرض الشح ،والبخل.
فالبخيل يملك المال، لكن المال يملكه، والشحيح يخشى الفقر ،ولو كان بين يديه كنوز الأرض، فيعيش أسير الخوف، والحرص، محرومًا من لذة البذل، فاقدًا لبركة العطاء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾،[الحشر: 9].
إن الآية تشير إلى أن الانتصار الحقيقي ليس في كثرة المال، بل في التحرر من عبودية المال.
أولًا: ما الفرق بين البخل،والشح؟:
البخل: هو منع الإنسان ما يجب عليه من مال، أو معروف.
أما الشح: فهو أشد من البخل، لأنه بخلٌ ممزوج بالحرص ،والطمع والخوف والحسد، فيبخل بما عنده، ويتمنى ألا ينال غيره خيرًا.
قال الإمام القرطبي: "الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على منع الحقوق ،والطمع فيما ليس له."
ثانيًا: لماذا كان الشح من أخطر أمراض القلوب؟:
لأنه يجمع عدة أمراض في قلب واحد:
حب الدنيا.
ضعف اليقين برزق الله.
سوء الظن بالله.
الأنانية.
قسوة القلب.
قطع صلة الرحم.
تعطيل التكافل الاجتماعي.
ولذلك قال النبي ﷺ:
«اتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.»( رواه مسلم،حديث صحيح)
ثالثًا: صور الشح ،والبخل في حياتنا:
ليس الشح مقصورًا على المال، بل له صور كثيرة، منها:
البخل بالصدقة والزكاة.
البخل على الزوجة والأولاد.
البخل على الوالدين.
البخل بالعلم.
البخل بالوقت.
البخل بالكلمة الطيبة.
البخل بالمشاعر والرحمة.
احتكار الخير عن الناس.
فقد يكون الإنسان غنيًا بالمال، لكنه فقير في العطاء.
رابعًا: الأسباب النفسية للشح:
ينشأ الشح غالبًا من:
الخوف من المستقبل.
ضعف التوكل على الله.
حب التملك.
التربية القائمة على الحرمان.
المقارنة المستمرة بالآخرين.
الإيمان بأن المال مصدر الأمان الوحيد.
والحقيقة أن الأمان في الثقة بالله، لا في كثرة الأرصدة.
خامسًا: آثار الشح على الفرد:
الشحيح يعيش دائم القلق.
فهو:
يخاف الفقر.
يحسب كل نفقة خسارة.
يفقد لذة الإنفاق.
يعيش في توتر دائم.
يقل شكره لله.
يضيق صدره مهما كثرت أمواله.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ [آل عمران: 180].
سادسًا: آثار الشح على الأسرة:
الشح يهدم البيوت.
فالزوج البخيل يفقد احترام أسرته.
والأب البخيل يزرع الحرمان في نفوس أبنائه.
والزوجة البخيلة تفسد روح المودة.
والأبناء يتعلمون الأنانية بدل الكرم.
فتتحول الأسرة إلى مؤسسة مالية لا بيت رحمة.
سابعًا: آثار الشح على المجتمع:
إذا انتشر الشح:
ضعفت الصدقات.
زاد الفقر.
انتشر الحسد.
ضعفت روح التعاون.
كثرت الجرائم الناتجة عن الحاجة.
انهارت قيم التكافل.
ولهذا جعل الإسلام الزكاة ركنًا من أركانه؛ لتطهير المال والنفس معًا.
ثامنًا: كيف عالج الإسلام الشح؟
ترسيخ الإيمان بأن الرزق من الله.
فرض الزكاة.
الحث على الصدقة.
الترغيب في الوقف والإنفاق.
تربية النفس على الإيثار.
تذكير الإنسان بفناء الدنيا.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39].
وقال سبحانه:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].
تاسعًا: نماذج مشرقة في الكرم:
أبو بكر الصديق رضي الله عنه جاء بماله كله.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء بنصف ماله.
عثمان بن عفان رضي الله عنه جهز جيش العسرة.
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان ينفق بسخاء ويقول: "إنما المال مال الله."
هؤلاء فهموا أن المال يبقى أثره بالإنفاق لا بالاكتناز.
عاشرًا:خطوات عملية لعلاج الشح،والبخل:
خصص صدقة يومية ولو قليلة.
عود نفسك على الهدايا.
أنفق على والديك وأهلك بسخاء معتدل.
شارك في أعمال الخير.
أكثر من الدعاء.
تذكر أن الكفن بلا جيوب.
اجعل لك صدقة جارية.
صاحب الكرماء.
الحادي عشر: وقفة إيمانية:
ليس الغني من كثرت أمواله، وإنما الغني من امتلأ قلبه بالقناعة، وليس الكريم من يعطي الكثير فقط، بل من يعطي بقلب راضٍ، ويوقن أن خزائن الله لا تنفد.
إن المال الذي لا يخرج في الخير قد يكون حجة على صاحبه يوم القيامة، أما المال الذي يُنفق ابتغاء وجه الله فيتحول إلى نور وأجر باقٍ.
خاتمة:
إذا شعرت أن يدك تثقل عن الصدقة، وأن قلبك يخاف من النفقة، فاعلم أن القلب يحتاج إلى علاج.
فداوِه بالإيمان، وحرره من عبودية المال، واجعل يدك العليا بالعطاء، فإن الكرم حياة للقلوب، والشح سجن للنفوس، ومن وقاه الله شح نفسه فقد نال الفلاح في الدنيا والآخرة.
همسة الختام:
قال الحسن البصري رحمه الله: "ما رأيت يقينًا أشبه بالشك من يقين الناس بالرزق، ثم تراهم يحرصون حرصًا شديدًا."
وقال ابن القيم رحمه الله: "السخاء شجرة في الجنة، من تعلق بغصن منها قاده إلى الجنة، والشح شجرة في النار، من تعلق بغصن منها قاده إلى النار."
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح مسلم.
٣)صحيح البخاري.
٤)الإمام النووي، شرح صحيح مسلم.
٥)الإمام القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
٦)إحياء علوم الدين.
٧)مدارج السالكين.
٨)رياض الصالحين.
التعليقات الأخيرة