السلطان قايتباي... حين يصنع الرجالُ تاريخَ الأوطان
إعداد: مصطفى صبحي
هناك رجالٌ يمرون في التاريخ كما تمر الغيوم؛ يراهم الناس لحظة ثم يتوارون. وهناك رجالٌ آخرون لا يغيبون، لأنهم لا يودعون الدنيا بألقابهم، بل بما تركوه من أثر. هؤلاء لا تُعرِّفهم القصور التي سكنوها، وإنما الحجارة التي نطقت بأعمالهم، والأوطان التي ازدادت بهم قوة، والأجيال التي ما زالت تتعلم من سيرتهم بعد قرون.
ومن بين أولئك يقف السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي (1416م – 8 أغسطس 1496م)، لا بوصفه سلطانًا من سلاطين المماليك فحسب، بل بوصفه أحد الرجال الذين فهموا المعنى الحقيقي للسلطة؛ فالسلطة عنده لم تكن تاجًا يُزَيِّن الرأس، وإنما أمانةٌ تحفظ الأرض، وتصون الإنسان، وتبني الحضارة.
لقد أدرك قايتباي أن الوطن الذي لا يحمي حدوده، ولا يعمر أرضه، ولا يحفظ ذاكرته، يصبح فريسةً لأطماع الآخرين. لذلك لم يكتف بإدارة الدولة، بل شرع في بناء مشروع حضاري متكامل، امتدت آثاره في مصر والشام والحجاز، فشيد القلاع، وأقام المساجد، وأنشأ المدارس والوكالات والسبل، حتى صار عصره من أكثر العصور المملوكية ازدهارًا في العمارة والإدارة.
أما الإسكندرية، تلك المدينة التي تعلّمت من البحر الصمود، فقد كانت في قلب اهتمامه. كانت ثغر مصر الأول، وعينها المفتوحة على البحر المتوسط، فآمن أن حمايتها ليست واجبًا عسكريًا فحسب، بل واجبٌ حضاري أيضًا. ومن هنا ارتفعت قلعة قايتباي فوق الموقع الذي احتضن يومًا منارة الإسكندرية العظيمة، في مشهدٍ بديعٍ تتعانق فيه ذاكرة الحضارات؛ فإذا كانت المنارة قد هدت السفن إلى المرافئ، فإن القلعة أعلنت أن مصر تعرف كيف تحمي موانئها، وتصون كرامتها، وتحفظ سيادتها.
ولم تكن القلعة كتلًا من الأحجار، بل كانت فكرةً متجسدة؛ فالحجر إذا حمل رسالةً أصبح تاريخًا، وإذا صاغته يدٌ مخلصة تحول إلى شاهدٍ لا يكذب. ولهذا بقيت القلعة شامخةً أمام الرياح والأمواج، لا تتحدى الطبيعة وحدها، بل تتحدى النسيان أيضًا، لتقول لكل زائر: هنا مر رجلٌ آمن بأن بناء الوطن عبادة، وأن الدفاع عنه شرف، وأن العمران لغةٌ تتحدث بها الأمم العظيمة.
ولم يكن قايتباي قائدًا يعرف كيف يبني القلاع فقط، بل كان يدرك أن الإنسان هو أعظم بناء. فازدهرت في عهده مؤسسات العلم، ورُعيت دور العبادة، وامتدت يد العمران إلى ما ينفع الناس. وهكذا أصبحت الدولة في نظره منظومةً متكاملة، لا ينهض فيها الحجر إلا إذا نهض الإنسان، ولا يزدهر فيها الاقتصاد إلا إذا استقر الأمن، ولا تستقر الحضارة إلا إذا ساد العدل.
وفي الثامن من أغسطس سنة 1496م، رحل السلطان قايتباي عن الدنيا، لكن التاريخ لم يودعه، لأن التاريخ لا يحفظ أسماء من جلسوا على العروش، بل أسماء من جعلوا العروش وسيلةً لخدمة أوطانهم. ولذلك بقي اسمه حيًا في كل حجرٍ وضعه، وفي كل محرابٍ شيده، وفي كل صفحةٍ أنصفت سيرته.
إن الوقوف أمام قلعة قايتباي ليس نزهةً بين الآثار، بل لقاءٌ مع فكرةٍ خالدة؛ فكرة أن الوطن لا يحرسه الكلام، وإنما الرجال. وأن الحضارة لا تولد صدفة، وإنما تصنعها عقولٌ واعية، وسواعد مخلصة، وقلوبٌ لا تعرف إلا الانتماء.
ومن هنا، فإن أعظم وفاءٍ لقايتباي ليس أن نصفق لإنجازاته، بل أن نقتدي بمنهجه؛ أن نبني أكثر مما نهدم، وأن نحفظ أكثر مما نهمل، وأن نضيف إلى هذا الوطن ما يجعل أبناء الغد يفخرون بنا كما نفخر اليوم بمن سبقونا.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، بل على رجالٍ يجعلون من الماضي وقودًا للمستقبل. ومن يقرأ سيرة قايتباي قراءةً واعية، يدرك أن التاريخ ليس صفحاتٍ صفراء، وإنما مدرسةٌ مفتوحة، لا يتخرج فيها إلا من أحب وطنه، وأخلص لعمله، وآمن بأن أعظم ميراثٍ يتركه الإنسان بعد رحيله هو أثرٌ طيب، وعلمٌ نافع، وعمرانٌ يبقى، وذكرٌ حسن.
سلامٌ على السلطان قايتباي في ذكرى رحيله، وسلامٌ على الإسكندرية التي ما زالت قلعتها ترفع رأسها بين البحر والسماء، شاهدةً على أن الحضارات قد تتعاقب، لكن الأعمال العظيمة وحدها هي التي تستحق الخلود. وسلامٌ على مصر، التي كلما أنصفت رجالها، أنصفت نفسها، وكلما حفظت تاريخها، ازدادت قدرةً على صناعة مستقبلها.
التعليقات الأخيرة