الخدش الذي لم يندمل
للأعياد في القرى رائحة لا تشبه سائر الأيام.
رائحة القهوة التي لا تبرد، والبخور المتسلل من المجالس، والخبز الخارج لتوه من التنور، وأصوات الأطفال التي تبدأ مع شروق الشمس ولا تهدأ إلا حين يغلبهم النعاس.
وكان بيت كبير الأسرة، في صباح العيد، يشبه القرية كلها.
بابه مفتوح.
ورجاله يستقبلون الداخلين بابتسامة تعرفهم قبل أن يعرفوا أنفسهم.
---
وصل مع أبيه بعد صلاة العيد بقليل.
كان أبوه يحمل طبقًا من رطب المزرعة وبعض العنب، كما اعتاد كلما زار بيتًا يحبه.
ابتسم كبير الأسرة وهو يستقبلهما عند الباب.
صافحهما بحرارة، ثم قال مازحًا:
ـ أعرف أنك لن تأتي إلا ومعك شيء من خير الأرض.
ضحك الأب وقال:
ـ ومن يزور أهل الفضل خالي اليدين؟
ودخلا المجلس يتبادلان الحديث، بينما أفلت الصبي بهدوء إلى الفناء، حيث كانت مملكة الأطفال.
---
كانت الأشجار ترسم بقعًا من الظل على الأرض.
يتراكض الصغار حول بركة ماء قديمة، ويختلفون على لعبة، ثم يتصالحون قبل أن تنتهي الضحكة.
وسطهم كانت هي.
ترتدي فستانًا أبيض تتناثر عليه زهور زرقاء صغيرة، وقد شدت شعرها بشريط أبيض، فتحرك مع كل خطوة تخطوها.
في يدها دفتر صغير، غلافه أزرق، تتوسطه زهرة مذهبة.
كانت تضمه إلى صدرها كلما اقترب منه أحد.
سمع بنت خالتها تقول:
ـ منذ أحضره لها أبوها من صنعاء وهي لا تفارقه.
ابتسمت وهي تهز رأسها.
ـ لأنه أجمل دفتر في الدنيا.
قالتها بصدق طفلة تؤمن أن الدنيا كلها يمكن أن تسكن بين غلافين.
---
لا أحد يعرف لماذا اقترب.
حتى هو، بعد سنين، لم يجد سببًا مقنعًا.
ربما لأن الصبيان، في تلك السن، يخفون اهتمامهم بالمشاكسة.
وقف أمامها وقال:
ـ أريني الدفتر.
ضمته إلى صدرها أكثر.
ـ لا.
ـ سأعيده.
هزت رأسها بعناد.
ـ لن أعطيه أحدًا.
كانت تلك أول مرة يسمع فيها صوتها عن قرب.
هادئًا...
لكن فيه من الحزم ما لا يتناسب مع عمرها.
مد يده.
وفي غفلة منها، خطف الدفتر.
ضحك بعض الأطفال.
وركض.
بل...
ظن أنه سيركض بعيدًا.
---
لم تمهله.
لحقت به بسرعة أدهشته.
أمسكت بطرف كمه.
ثم جذبت الدفتر بكل قوتها.
تشبث به هو أيضًا.
وفي لحظة واحدة...
انزلقت أصابعها على ظهر كفه.
شعر بوخز حاد.
ترك الدفتر تلقائيًا.
نظر إلى يده.
أربع خدوش رفيعة، بدأ الدم يرشح من أحدها.
ساد الصمت.
اختفت الضحكات.
ورآها تحدق في يده، كأنها هي التي تألمت.
ارتخت أصابعها.
تراجعت خطوة.
ثم همست بصوت مكسور:
ـ أنا... لم...
ولم تكمل.
---
جاءها صوت أمها من داخل البيت:
ـ أين أنتِ؟
التفتت مذعورة.
حملت الدفتر.
ثم عادت تنظر إليه.
كانت عيناها تمتلئان بالندم، أكثر مما تمتلئان بالخوف.
استدارت، ودخلت مسرعة.
أما هو...
فبقي واقفًا يحدق في الخدوش، ولا يشعر بالألم.
---
اقترب أبوه.
أخذ يده بين يديه.
تأملها لحظة، ثم ابتسم.
ـ يبدو أن أحدهم انتصر عليك اليوم.
ابتسم الصبي.
ـ مجرد خدش.
نظر إليه أبوه نظرة قصيرة، ثم قال وهو يربت على كتفه:
ـ بعض الدروس الصغيرة تبقى أطول من الجروح الكبيرة.
لم يفهم قصده.
أو لعله فهمه بعد زمن طويل.
---
بعد صلاة العصر، بدأ الناس يستعدون للمغادرة.
كان يقف إلى جوار سيارة أبيه، يراقب الأطفال يلوحون لبعضهم.
ركضت نحوه طفلة صغيرة من بنات العائلة.
مدت يدها.
فيها قطعة حلوى ملفوفة بورق ذهبي.
قالت:
ـ هذه لك.
ـ ممن؟
ابتسمت، وأشارت برأسها نحو باب النساء.
رفع بصره.
كانت تقف هناك.
نصفها خلف الستارة.
وحين التقت عيناهما...
دفعت الستارة برفق، واختفت.
فتح الحلوى.
لم يكن بداخلها شيء سوى الحلوى نفسها.
لكنه لم يبحث عن رسالة.
كان الاعتذار، هذه المرة، أبلغ من الكلمات.
---
اختفى أثر الخدوش بعد أيام.
لكن كلما نظر إلى ظهر كفه، تذكر وجهها في تلك اللحظة.
لم يتذكر خوفها من أمها...
ولا الدفتر الأزرق...
ولا ضحكات الأطفال.
تذكر فقط تلك العينين، وهما تمتلئان بالأسف.
يومها...
تعلم، للمرة الأولى، أن القلب قد يبدأ من موقف صغير، لا يكاد يلتفت إليه أحد.
إلا الزمن.
#متابعين
#اشارة
التعليقات الأخيرة