سلسلة الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان" " "برُّ الوالدين... أساسُ تماسك الأسرة وبناء المجتمع
"
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي:
المقدمة:
جعل الإسلام الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وأقامها على أسسٍ من الإيمان والرحمة والوفاء. ومن أجل أن تبقى الأسرة متماسكة وقادرة على أداء رسالتها، جاءت وصايا سورة لقمان لترسخ منظومة من القيم التي تحفظ العلاقات الإنسانية وتغرس الأخلاق الرفيعة في النفوس.
ومن أعظم تلك الوصايا وصية الله تعالى ببر الوالدين، بعد الأمر بتوحيده سبحانه، في دلالة واضحة على عظمة مكانتهما، وأن الإحسان إليهما ليس مجرد واجب أخلاقي، بل عبادة يتقرب بها المؤمن إلى ربه، وأساس لاستقرار الأسرة ونهضة المجتمع.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
أولا:بر الوالدين وصية ربانية خالدة:
جاءت الوصية بالوالدين مباشرة بعد الحديث عن التوحيد، مما يدل على أن برهما من أعظم القربات. فالوالدان هما سبب الوجود بعد الله، وقد تحملا المشقة في التربية والرعاية، حتى يبلغ الإنسان أشده.
ولم يقتصر القرآن على الأمر بالبر، بل ذكّر الإنسان بسنوات التضحية، وخاصة ما تحملته الأم من حمل وولادة وإرضاع، ليبقى شعور الامتنان حيًا في قلب الأبناء.
قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
ثانيا :بر الوالدين أساس تماسك الأسرة:
الأسرة التي يسودها الاحترام المتبادل والوفاء بين الأجيال تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
فبر الأبناء لآبائهم يغرس الرحمة، ويقوي روابط المحبة، ويحقق الأمن النفسي داخل الأسرة، ويمنع كثيرًا من النزاعات التي أصبحت تهدد البيوت في عصرنا.
كما أن الأبناء الذين يشاهدون آباءهم يبرون أجدادهم، يكتسبون هذا السلوك تلقائيًا، فينشأ جيل يحفظ الجميل ويرد المعروف.
ثالثا:صور بر الوالدين في الحياة المعاصرة:
لا يقتصر البر على النفقة، بل يشمل صورًا كثيرة، منها:
حسن الكلام ولين الخطاب.
طاعتهما في المعروف.
الدعاء لهما أحياءً وأمواتًا.
رعايتهما عند الكبر.
إدخال السرور إلى قلبيهما.
الصبر على ما يصدر منهما.
قضاء حوائجهما قبل طلبها.
صلة أرحامهما وإكرام أصدقائهما بعد وفاتهما.
إن وسائل الاتصال الحديثة ينبغي أن تكون وسيلة لصلة الوالدين لا سببًا في الانشغال عنهما.
رابعا:آثار العقوق على الفرد والمجتمع:
العقوق من أكبر الكبائر، وآثاره لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع.
ومن أخطر آثاره:
فقدان البركة في العمر والعمل.
انتشار القطيعة بين أفراد الأسرة.
ضعف الترابط الاجتماعي.
فقدان القدوة للأجيال الجديدة.
ازدياد دور الرعاية بسبب تخلي الأبناء عن مسؤولياتهم.
تفكك البناء الأخلاقي للمجتمع.
عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه "قال :قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...».
(رواه البخاري ومسلم في صخيحهما).
خامسا:كيف نعيد ثقافة البر إلى بيوتنا؟:
إن إعادة بناء الأسرة تبدأ بإحياء هذه القيمة العظيمة من خلال:
التربية العملية داخل المنزل.
إدراج قيمة بر الوالدين في المناهج التعليمية.
دور المساجد والخطباء في التوعية.
تقديم القدوات الصالحة في الإعلام.
تشجيع الأبناء على خدمة الوالدين منذ الصغر.
نشر ثقافة الامتنان والوفاء داخل الأسرة.
فالأمم العظيمة تبدأ من أسر عظيمة، والأسر العظيمة تبدأ بأبناء يبرون آباءهم وأمهاتهم.
ساسا:الدروس المستفادة:
بر الوالدين عبادة عظيمة قرنها الله بتوحيده.
الأسرة المتماسكة تبدأ باحترام الوالدين.
القدوة العملية هي أفضل وسائل التربية.
العقوق سبب في ضعف المجتمعات وتفككها.
الوفاء للوالدين يغرس الوفاء بين الأجيال.
بر الوالدين طريق إلى رضا الله والجنة.
نهضة الأمة تبدأ من بيت يسوده البر والرحمة.
الخاتمة:
إن وصية الله تعالى ببر الوالدين ليست توجيهًا فرديًا فحسب، بل مشروع حضاري لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع. وكلما تعمقت هذه القيمة في النفوس، ازداد المجتمع قوة وتماسكًا، وانتشرت الرحمة بين الناس، وحلت البركة في البيوت.
فلنجعل من بر الوالدين منهج حياة، نربي عليه أبناءنا، ونغرسه في مؤسساتنا التعليمية والدعوية، حتى تبقى الأسرة المسلمة منارة للمودة والوفاء، ويظل المجتمع متماسكًا بقيمه وأخلاقه.
﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)تفسير ابن كثير.
٣)تفسير الطبري.
٤)تفسير القرطبي.
٥)صحيح البخاري.
٦)صحيح مسلم.
٧)رياض الصالحين.
٨)الأدب المفرد.
التعليقات الأخيرة