كسر منطق الاستنزاف ونهاية عصر الحروب الشطرنجية الرخيصة في غرب آسيا..!!
غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.
◼ تمهيد: سقوط نظرية الدم بلا كلفة.
لعقدين كاملين إعتمدت واشنطن على عقيدة الحرب الشطرنجية الرخيصة في غرب آسيا.
قواعدها بسيطة ومجربة، وتقوم على تحريك البيادق في ساحات محور المقاومة، وتقص أطرافهم قطعة قطعة، بدون أن يراق لها دم، ولا أزمات إقتصادية في الداخل، ولا ثمن سياسي باهض تدفعه لغيرها.
كانت اللعبة تدور في ملعب واحد، في العراق وسوريا واليمن ولبنان وإيران. والمحور الوحيد هو من يدفع ثمن اللعبة.
لكن ما جرى منذ السابع من أكتوبر 2023 أعلن نهاية هذا العهد. وأن زمن "الحرب بلا ثمن" قد أنتهى إلى غير رجعة، ومنطق الأستنزاف الذي صممته واشنطن قد أنقلب عليها.
???? أولاً: تفكيك "الحرب الشطرنجية الرخيصة.
قامت هذه الإستراتيجية على ثلاثة محرمات أمريكية:
1️⃣. المحرم الأول: تفكيك التزامن وعزل الساحات. فاليمن يضرب وحده، والعراق يحاصر وحده، ولبنان يبتز وحده، حتى لا يتحول الرد الموضعي إلى زلزال إقليمي.
2️⃣. المحرم الثاني: الكلفة البشرية والإقتصادية والمعنوية تدفع أثمانها في بيروت وبغداد وصنعاء وطهران، بينما تجلس واشنطن خلف الطاولة تراقب وتراهن على عامل الوقت.
3️⃣. المحرم الثالث: قتل الشرعية وتحويل المقاومة إلى ميليشيا، والدولة إلى نظام مارق، والصمود إلى إرهاب. حتى تفقد الحاضنة الشعبية قبل أن تفقد السلاح.
بهذه المعادلة ظنت واشنطن أنها أمتلكت ناصية اللعبة، فالضغط لعشر سنوات يكسبها الأنتصار دون أن تخسر جندياً واحداً.
???? ثانياً: لحظة الكسر والتحول من الدفاع إلى فرض الكلفة الباهضة لم تبدأ بسلاح جديد، وأنما بدأت بعقيدة جديدة، عقيدة تقول إن لم تستطع منع الضربة، فأجعل ثمنها فادحاً.
وهنا تم نقل المعركة من خانة الدفاع عن الوجود، إلى خانة تهديد المصالح الحيوية لواشنطن في عموم غرب آسيا وكما يلي..
1️⃣. ضرب الشريان الإقتصادي العالمي، فأستهدف البحر الأحمر، ومضيق هرمز، لم تعد الحرب في اليمن وأيران، أصبحت في موانئ لندن وروتردام وحيفا. وصار كل صاروخ يطلق، ثمنه تأمين عالم وأنهيار سلاسل إمداد كبيرة، وتضخم يضرب الناخب الأمريكي في عقر داره.
2️⃣. استهداف العمق العسكري الأمريكي، وأستهداف القواعد الأمريكية، فلم يعد العراق ساحة نفوذ، بل ساحة خطر، 900 جندي محاصرون يدافعون عن أنفسهم، ويستنزفون المليارات على القباب والدفاعات، فتحول الاحتلال من أداة هيمنة إلى عبء إستراتيجي.
3️⃣. كسر معادلة الأمن الإسرائيلي وأشتعال الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني، فلم يعد الأمن الإسرائيلي. حالة مسلم بها، وتهجير المستوطنين وتعطيل الإقتصاد وكسر هيبة "الجيش الذي لا يقهر" جعل واشنطن هي من تتوسل لوقف الحرب لا من تفرض الشروط.
???? ثالثاً: أنهيار حروب الشطرنج.
أنهارت حروب الشطرنج الأمريكية، لأنها قامت على وهمين سقطا تباعاً..
• الوهم الأول: وهم الفصل، حيث ظنت أمريكا أنها تستطيع ضرب اي جزء من المحور، دون أن تتحرك باقي الجبهات، فأكتشفت أن وحدة الساحات لم تعد شعاراً إعلامياً، بل أصبحت فعلاً عسكرياً، فأي ضربة في مكان ما، تشعل أربع جبهات دفعة واحدة وقص أي مخلب يعني حرباً شاملة.
• الوهم الثاني: وهم الزمن، حيث راهنت واشنطن وتل أبيب على أن شعوب المقاومة سيتعب قبلها، لكنها لم تحسب أن الرأي العام الأمريكي هو من سيتعب أولاً، فالجامعات أشتعلت، والاقتصاد يئن، والانتخابات تقترب، والجنود في الخيام، فجأة أصبح الوقت سلاحاً في يد المحور لا في يدها.
???? رابعاً: ملامح ما بعد حروب الشطرنج الرخيصة.
نحن الآن أمام مرحلة جديدة، يمكن تسميتها عصر فرض الكلفة ودفع الثمن.
فلم تعد المعركة على من يملك ترسانة أكبر، بل على من يملك قدرة إيلام أكبر، ولم تعد على من يصمد أكثر، بل على من ينهار إقتصاده ومعنوياته أكثر.
ولم تعد أمريكا هي من تختار مكان المعركة، بل صارت ترد على أماكن اختارتها المقاومة.
التطبيع توقف، لأن لا أحد يطبع مع كيان عاجز عن حماية نفسة، وهيبة الردع تآكلت، لأن الصواريخ وصلت والمسيرات أخترقت والسفن غرقت، والسردية الأمريكية أنهارت، لأن العالم رأى من هو المعتدي ومن هو الضحية، وعرف من وضع الأشياء في غير موضعها، ومن تعدى على حقوق ليست له، وكشف من فرض ظلمة بالقوة، ومن أستقوى بضعف غيره.
◼ الخاتمة: ولادة قواعد جديدة.
بانتهاء الحروب الشطرنجية الرخيصة أنتهى زمن تستطيع فيه أي قوة عظمى مهما كانت أن تعتدي دون أن تدفع الثمن، والقاعدة الجديدة التي كتبها الميدان هي أن السيادة لا تُمنح في طاولات التفاوض، بل تُنتزع حين تجعل العدو يدفع ثمن عدوانه في عقر داره.
صح أن محور المقاومة لم يكسر الحصار على طهران وصنعاء بالكامل، بل كسر الأهم من ذلك وهو الحصار النفسي الذي أوهمنا لعقود من الزمن بأن أمريكا لا تمس وإسرائيل لا تقهر.
وبكيف الله.
التعليقات الأخيرة