اختفاء
اتى من طريق ريفي ترابي ، يسير ببطء يحمل على كاهله عبء سبع عقود او يزيد ... هي سنوات عمره الشاقة ، يرتدي جلبابا بنيا كالح اللون تحته صديري متهالك ، يدفع امامه عربة يد صغيرة على شكل صندوق له عجلتان ، يضع فيها برطمانات بلاستيك ، في كل برطمان كيس به صنف من التوابل واعشاب وبخور ... كان عم عبد الله نحيل الجسد محني الظهر ورغم ذلك لا يتوقف عن الضحك والهزار مع الزبائن والمارة ورفاعي صبي القهوة التي يقف ببضاعته بجوارها ، لم يغب قط عن السوق ، لا يرد احد مهما كان الثمن الذي يدفعه زهيدا ! ساله رفاعي وهو يناوله كوب الشاي " ازاي بتبيع بالثمن القليل كدة ؟ فرد يابني الناس غلابة وانا محبش اكسر خاطرهم ! فساله " طب هو انت معندكش ولاد يريحوك من الشغل ... فزفر زفرة يملاها حزن دفين وقال " انا مش همد ايدي لاولادي ومش هبطل شغل لحد ما اموت .
لم يكن احد يعلم من اين ياتي لكنه دوما اول من ياتي من الباعة ، يشرب الشاي ويدخن الشيشة ، وعند اذان الظهر يترك عربته ويؤمن رفاعة عليها ويذهب للجامع ، يصلي ويعود بسندوتشات الفول بالطعمية يتقاسمها مع رفاعي ، وذات يوم غاب عم عبد الله ولم يات للسوق ، الجميع يفتقده ويتسائل هل يعلم احد بلده او احد من اهله ، ياترى مريض ولا اصابه مكروه ، العلم عند الله !
وهناك في احدى القرى البعيدة جاء رجل يطرق باب بيت متهالك من طابق واحد ، يطرق ولا احد يجيب ، طلت واحدة من الجيران من شباكها ، سالها الرجل ... هو ابا عبد الله مش هنا ؟ ... ابوك مش باين بقاله شهور ! احنا فاكرينه عندك ! تذكر ابن عم عبد الله ان معه مفتاح للبيت ، اخرج سلسلة مفاتيح واختار مفتاح يغطيه الصدا ، وضعه في ثقب الباب وفتح بجهد ومشقة ، دخل البيت وخلفه بعض الجيران بفضول ، وفي ركن الصالة ... سجادة صلاة مفروشى وعليها شيء بني مكوم ... هيكل عظمي متدثر بجلباب بني كالح اللون !!!
بقلمي صفاء سيف الدين عبد المقصود/ الباحثة الجغرافية
التعليقات الأخيرة