"سلسلة الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان" المقال السابع: "الصبر... زادُ المصلحين، وطريقُ التمكين
"
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[سورة لقمان: 17]
حين أوصى لقمان الحكيم ابنه، لم يكتفِ بغرس العقيدة، ولم يقتصر على الدعوة إلى الصلاة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ختم هذه المنظومة التربوية العظيمة بوصية جامعة هي الصبر؛ لأن الصبر هو الوقود الذي يحفظ الإيمان من الانطفاء، ويحمي الرسالة من الانكسار، ويمنح الإنسان القدرة على مواصلة الطريق مهما اشتدت العواصف.
إن كل مشروع إصلاحي، وكل دعوة صادقة، وكل نهضة حضارية، لا يمكن أن تستمر إلا إذا كان أصحابها يملكون رصيدًا عظيمًا من الصبر. ولهذا جعل القرآن الكريم الصبر قرينًا للإيمان، وسببًا للفلاح، ومفتاحًا للتمكين.
أولًا: لماذا جاء الصبر بعد الأمر بالمعروف؟:
لأن من يدعو إلى الحق سيواجه حتمًا صورًا من الأذى والمقاومة وسوء الفهم. وقد يتعرض للسخرية أو التشويه أو الإقصاء، ولذلك جاء التوجيه الإلهي: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾.
إنها رسالة لكل داعية، ولكل معلم، ولكل مربٍّ، ولكل مصلح: لا تتوقف عند أول عقبة، ولا تترك رسالتك بسبب قلة الأنصار أو كثرة المعارضين.
ثانيًا: الصبر قوة وليس ضعفًا:
يظن بعض الناس أن الصبر يعني الاستسلام، بينما الصبر في الإسلام هو أعظم صور القوة؛ فهو ثبات على المبادئ، وسيطرة على الانفعالات، واستمرار في العمل رغم الصعوبات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
فأي قوة أعظم من معية الله لعباده الصابرين؟
ثالثًا: أنواع الصبر في حياة المسلم:
يبين علماء الإسلام أن الصبر ثلاثة أنواع:
١)الصبر على طاعة الله حتى تؤدى بإتقان.
٢)الصبر عن المعصية حتى لا يستجيب الإنسان لشهواته.
٣)الصبر على أقدار الله المؤلمة بالرضا، والاحتساب.
وهذه الأنواع الثلاثة تبني شخصية متوازنة، قوية الإرادة، ثابتة أمام الفتن والمتغيرات.
رابعًا: الصبر في بناء الأمم:
الأمم العظيمة لم تُبنَ في يوم واحد، وإنما بُنيت بعد سنوات طويلة من العمل والتضحية والصبر.
فالمعلم يصبر حتى يرى ثمرة تلاميذه، والداعية يصبر حتى تؤتي دعوته أكلها، والباحث يصبر حتى يبلغ الحقيقة، والمصلح يصبر حتى يغير واقع المجتمع.
إن الحضارات لا يصنعها المتعجلون، وإنما يصنعها أصحاب النفس الطويل.
خامسًا: الصبر في زمن السرعة:
نعيش اليوم عصر النتائج الفورية، فأصبح كثير من الناس يريد النجاح بلا تعب، والثروة بلا جهد، والشهرة بلا استحقاق.
غير أن القرآن يربي الإنسان على أن الإنجازات العظيمة تحتاج إلى صبر، وأن الثمار لا تُقطف قبل أوانها.
ومن هنا فإن تربية الأبناء على الصبر أصبحت ضرورة تربوية في مواجهة ثقافة الاستعجال.
سادسًا: كيف نغرس الصبر في نفوس الأبناء؟:
من أهم الوسائل:
١)ربطهم بالقرآن الكريم وقصص الأنبياء.
٢)تعويدهم على تحمل المسؤولية.
٣)تعليمهم أن الفشل خطوة نحو النجاح.
٤)مكافأة المثابرة لا النتائج فقط.
٥)تقديم القدوة العملية في الصبر والثبات.
فالطفل يتعلم الصبر مما يراه في والديه ومعلميه أكثر مما يسمعه من كلماتهم.
سابعًا: نماذج قرآنية خالدة:
تتجلى قيمة الصبر في سير الأنبياء:
١)صبر نوح على دعوته قرونًا طويلة.
٢)وصبر إبراهيم على الابتلاء.
٣)وصبر يعقوب حتى رد الله إليه يوسف.
٤)وصبر أيوب على المرض.
٥)وكان نبينا محمد ﷺ أعظم الناس صبرًا وثباتًا حتى أتم الله به الدين.
إن هذه النماذج تؤكد أن طريق الإصلاح محفوف بالابتلاء، وأن العاقبة للصابرين.
ثامنا:رسائل تربوية:
لا نجاح بلا صبر.
ولا قيادة بلا احتمال للمشاق.
ولا دعوة بلا ابتلاء.
ولا نهضة بلا مثابرة.
ومن استعجل الثمرة قبل أوانها حُرم بركتها.
خاتمة:
إن وصية لقمان ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي قانون من قوانين بناء الإنسان والأمة. فالصبر هو الجسر الذي نعبر به من الأحلام إلى الإنجازات، ومن المحن إلى المنح، ومن الضعف إلى القوة.
فلنجعل الصبر منهج حياة، ولنوقن أن كل خطوة تُبذل في سبيل الحق محفوظة عند الله، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن النصر يولد من رحم الصبر.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
إنها بشارة ربانية خالدة لكل من حمل رسالة الإصلاح، وصبر عليها حتى يلقى الله.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
٣)الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
٤)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
٥)السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
٦)ابن عاشور، التحرير والتنوير.
٧)البخاري، صحيح البخاري.
٨)مسلم، صحيح مسلم.
التعليقات الأخيرة