الشرق الأوسط أمام اختبار إعادة رسم موازين القوة والنفوذ بالمنطقة
بقلم : محمد فاروق
أحداث اليوم من أحكام دمشق القضائية على رموز النظام السابق إلى معركة هرمز وصراع النفوذ الدولي بالمنطقة للاستحواذ علي خيراتها
لم يعد المشهد السياسي في الشرق الأوسط يتحرك وفق أزمات منفصلة، بل باتت التطورات المتلاحقة في سوريا وإيران ومضيق هرمز والخليج، وصولاً إلى المواقف الدولية من الجولان المحتل، أجزاءً من لوحة جيوسياسية واحدة تتشكل ملامحها بسرعة شديدة.
ففي دمشق، تتزامن الأحكام القضائية الصادرة بحق عدد من رموز النظام السوري السابق، وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، مع تحركات سورية جديدة على المستوى الدبلوماسي والنووي، بينما تتصاعد في الإقليم معركة أخرى حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تحاول فيه واشنطن الضغط على طهران اقتصادياً وسياسياً دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مفتوحة.
وبين الملف السوري والملف الإيراني، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية عنوانها الأبرز: من يملك القدرة على فرض قواعد اللعبة الجديدة؟
سوريا.. العدالة في مواجهة اختبار السيادة
تمثل الأحكام التي نسبت إلى محكمة الجنايات في دمشق بإعدام عدد من رموز النظام السابق تطوراً بالغ الحساسية في المسار السوري الجديد، ليس فقط باعتبارها أحكاماً قضائية بحق شخصيات ارتبط اسمها لعقود بأحداث دامية، وإنما لأنها تضع الدولة السورية أمام اختبار تاريخي يتعلق بمفهوم العدالة الانتقالية.
فإصدار حكم بالإعدام على شخصية بحجم الرئيس السابق بشار الأسد، إذا ما تأكدت تفاصيل الحكم وإجراءاته بصورة نهائية، لا يعني بالضرورة أن العدالة قد اكتملت؛ إذ إن الفارق كبير بين إصدار الحكم وتنفيذه.
وهنا تظهر القضية الأكثر تعقيداً: هل تستطيع دمشق الوصول إلى المحكوم عليهم الموجودين خارج الأراضي السورية؟ وهل يمكن أن تتحول الأحكام إلى أوراق ضغط سياسية وقانونية ودبلوماسية في مواجهة الدول التي قد تستضيف أو تحمي بعض رموز النظام السابق؟
إن العدالة في مرحلة ما بعد الصراعات لا تقاس فقط بقسوة العقوبة، وإنما بقدرة المؤسسات على إقامة محاكمات موثوقة، وضمان حقوق الضحايا، وتثبيت المسؤولية الفردية، ومنع تحول القضاء إلى أداة للثأر السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن ملف الأسد ورموز النظام السابق سيكون أحد أهم الاختبارات أمام قدرة سوريا الجديدة على بناء دولة مؤسسات لا دولة انتقام.
عاطف نجيب.. درعا تستعيد واحدة من أكثر صفحاتها حساسية
يحمل الحكم على عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، دلالة رمزية خاصة، نظراً إلى ارتباط اسمه بمرحلة مبكرة وحاسمة من الأحداث السورية.
ولهذا فإن مشاهد الاحتفال الشعبي في درعا بالحكم، إذا صحت، تكشف أن القضية بالنسبة إلى قطاعات من السوريين لا تتعلق بشخص واحد فقط، وإنما بذاكرة جماعية من القمع والضحايا والدمار.
لكن الدولة السورية الجديدة تواجه هنا معادلة دقيقة: كيف تحقق العدالة للضحايا دون أن تسمح بتحويل العدالة إلى دورة جديدة من الانتقام؟
الإجابة لن تكون في الأحكام وحدها، بل في بناء منظومة قضائية قادرة على محاكمة المتهمين وفق قواعد واضحة، وإتاحة الأدلة، وتوثيق الجرائم، وإغلاق الباب أمام العدالة الانتقائية.
الجولان.. عودة الصراع على الشرعية الدولية
في المقابل، أعادت المواقف المنسوبة إلى الحكومة الكولومبية بشأن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل فتح ملف شديد الحساسية في السياسة السورية والعربية.
رفض دمشق والرياض لهذا الموقف يعكس تمسكاً بالموقف العربي التقليدي الرافض للاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل.
وهنا تتجاوز القضية حدود سوريا وإسرائيل، لتلامس مبدأ أساسياً في النظام الدولي: هل يمكن تغيير حدود دولة بالقوة ثم تحويل الأمر الواقع إلى اعتراف سياسي؟
بالنسبة إلى دمشق، فإن الجولان ليس مجرد أرض محتلة، وإنما قضية سيادة وطنية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تثبيت الاعتراف الدولي بالسيادة على الجولان يمثل هدفاً استراتيجياً يتجاوز البعد الجغرافي، لأنه يرتبط بموقع الجولان في منظومة الأمن الإسرائيلي.
ومن ثم فإن أي تحول في مواقف الدول تجاه الجولان يمكن أن تكون له انعكاسات أكبر من حدود القضية السورية نفسها.
الملف النووي السوري.. صفحة جديدة بعد سقوط النظام السابق
الإعلان عن تعاون هيئة الطاقة الذرية السورية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في معالجة ما وُصف بـ"إرث النظام السابق" يفتح بدوره ملفاً شديد الحساسية.
فالانخراط مع الوكالة الدولية لا يحمل بعداً تقنياً فقط، وإنما يمثل رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي بأن دمشق تسعى إلى التعامل مع الملفات الحساسة من خلال المؤسسات الدولية.
وإذا تطور هذا التعاون بصورة شفافة، فقد يتحول إلى أحد عناصر إعادة بناء الثقة بين سوريا والمجتمع الدولي، خصوصاً أن أي ملف نووي أو مواد ومواقع ذات صلة بالأنشطة النووية يمكن أن يتحول سريعاً إلى قضية أمن دولي.
إيران.. هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض استراتيجية
على الجانب الآخر من المشهد، تبدو إيران أمام اختبار مختلف تماماً.
فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي، وإنما تحول إلى ورقة تفاوض استراتيجية تجمع بين الأمن والطاقة والتجارة العالمية.
والحديث عن مفاوضات إيرانية ـ عُمانية متقدمة بشأن مستقبل الملاحة في المضيق، إلى جانب إعلان قطر تلقي ردود إيجابية من الطرفين، يعكس محاولة خليجية لفتح نافذة سياسية بعيداً عن خيار المواجهة العسكرية المباشرة.
وتكمن أهمية الدور العُماني تحديداً في أن مسقط تمتلك تاريخاً طويلاً في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما يمنحها قدرة على نقل الرسائل في أكثر الملفات تعقيداً.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف نقطة الانطلاق بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة تريد حرية الملاحة دون شروط سياسية، بينما تربط إيران تأمين المضيق وإعادة فتحه بالكامل بجملة من المطالب، بينها رفع العقوبات والحصار والضمانات المتعلقة بالتهديدات العسكرية.
وهنا يصبح هرمز عملياً ساحة تفاوض غير مباشرة.
النفط هو نقطة الضعف الإيرانية
تواجه إيران في الوقت نفسه ضغوطاً اقتصادية متزايدة.
فبحسب المعطيات المتداولة، تراجعت كميات النفط الإيراني التي تذهب إلى المصافي الصينية، بالتزامن مع ارتفاع كبير في معدلات التضخم وأسعار الغذاء.
وهذه الأرقام، إذا تأكدت من مصادرها النهائية، تكشف جوهر الاستراتيجية الأميركية الحالية: الضغط على قدرة إيران الاقتصادية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوة العسكرية.
فالاقتصاد الإيراني يعتمد بصورة كبيرة على قدرة البلاد على تصدير النفط وتوفير العملات الأجنبية، وأي تضييق على هذه التدفقات ينعكس على سعر العملة والتضخم وأسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطن.
لكن واشنطن تواجه بدورها مشكلة معاكسة.
ترمب بين ضغط هرمز وضغط الداخل الأميركي
إذا نجحت طهران في إبقاء مضيق هرمز في دائرة التوتر، فإن أسعار الطاقة العالمية تصبح سلاحاً ذا حدين.
ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يرفع تكلفة الطاقة على المستهلك الأميركي.
وهنا يدخل العامل الانتخابي إلى الحسابات الاستراتيجية.
فأي ارتفاع طويل في أسعار البنزين والطاقة يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي على الإدارة الأميركية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وبالتالي فإن المعركة لم تعد فقط:
إيران في مواجهة الولايات المتحدة.
بل أصبحت أيضاً:
من يستطيع تحمل التكلفة الاقتصادية والسياسية للصراع لفترة أطول؟
إيران تراهن على أن الضغط على أسعار الطاقة سيصيب الإدارة الأميركية في الداخل، بينما تراهن واشنطن على أن استمرار الضغط الاقتصادي سيجبر طهران في النهاية على تقديم تنازلات.
إنها حرب أعصاب اقتصادية أكثر منها مواجهة عسكرية تقليدية.
التعيينات العسكرية الإيرانية.. رسالة إلى واشنطن
في هذا السياق، فإن صعود قيادات عسكرية أكثر تشدداً إلى مواقع عليا داخل المنظومة الإيرانية يمكن قراءته باعتباره رسالة مزدوجة.
الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل الإيراني، ومضمونها أن الدولة لا تنوي التراجع تحت الضغط.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الولايات المتحدة: أي محاولة لفرض شروط أحادية بالقوة قد تواجه برد إيراني محسوب.
لكن التشدد العسكري لا يعني بالضرورة أن طهران تريد الحرب.
فالدول التي تستخدم أدوات القوة أحياناً تكون في الوقت نفسه أكثر استعداداً للتفاوض، عندما ترى أن التفاوض يمكن أن يحقق لها مكاسب أكبر من الحرب.
وهذا ربما يفسر أهمية الدور العُماني والقطري في هذه المرحلة.
باكستان تدخل على خط طهران
وصول وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران في ظل هذه التطورات يكتسب أهمية إضافية، خصوصاً أن باكستان تمتلك علاقات معقدة ومتوازنة مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة.
ولا ينبغي التعامل مع الزيارة باعتبارها مجرد تحرك ثنائي؛ فالتحولات الأمنية في الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا مترابطة بصورة متزايدة.
أي توتر طويل في الخليج ينعكس على أسعار الطاقة، وعلى حركة التجارة، وعلى أمن الممرات البحرية، وهو ما يجعل الدول الآسيوية المستوردة للطاقة معنية مباشرة بأي تصعيد حول هرمز.
تركيا.. إعادة ترتيب العلاقة مع الملف الكردي
في الوقت نفسه، يأتي إقرار البرلمان التركي ما يعرف بـ"القانون الإطاري للسلام" أو التشريع المرتبط بتعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي، في سياق محاولة أنقرة تنظيم المسار القانوني المتعلق بحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه.
وهذا التطور لا يمكن فصله عن المشهد السوري.
فأي إعادة ترتيب للملف الكردي داخل تركيا ستنعكس بصورة مباشرة على شمال سوريا، وعلى علاقة أنقرة بالقوى الكردية هناك، وعلى مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة.
ومن هنا فإن سوريا لا تواجه فقط سؤال إعادة بناء الدولة في الداخل، وإنما تواجه أيضاً سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بموقعها في شبكة الأمن الإقليمي.
ليبيا.. هشاشة أمن الطاقة
أما حادث استهداف خزانات الوقود في مصفاة الزاوية بليبيا، إذا تأكدت تفاصيله، فإنه يعيد التأكيد على أن أمن الطاقة في المنطقة أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بالأمن العسكري.
فالمنشآت النفطية وخزانات الوقود لم تعد مجرد منشآت اقتصادية، وإنما أصبحت أهدافاً يمكن أن تؤثر في الأسعار والإمدادات والاستقرار المحلي.
وهذا يجعل ليبيا، مثل سوريا والعراق واليمن، جزءاً من معادلة إقليمية أكبر عنوانها: من يسيطر على الطاقة يملك جزءاً من القدرة على التأثير السياسي.
كولومبيا.. زلزال طبيعي وسط زلازل سياسية
وفي الوقت الذي تعصف فيه المنطقة بأزمات سياسية وأمنية، يأتي الزلزال المدمر في كولومبيا، وما أسفر عنه من ضحايا ومصابين وأضرار واسعة وفق الأرقام المتداولة، ليذكر بأن الأزمات الإنسانية لا تتوقف عند حدود الصراعات السياسية.
كما أن تزامن الكارثة الطبيعية مع الجدل السياسي بشأن الجولان يسلط الضوء على مدى اتساع الأجندة الدولية التي تتعامل معها الحكومات في وقت واحد.
"ترمب ميديا".. السياسة تتحول إلى اقتصاد
وفي الولايات المتحدة، تكشف خسائر شركة "ترمب ميديا" عن جانب آخر من العلاقة بين السياسة والاقتصاد والإعلام.
فالشركة، التي ترتبط بصورة مباشرة بالعلامة السياسية للرئيس دونالد ترمب، تحاول البحث عن مصادر دخل جديدة، من بينها بيع خدمات مرتبطة بالمعلومات والمنشورات المؤثرة في الأسواق.
وهذا النموذج يطرح سؤالاً أكبر: إلى أي مدى يمكن تحويل النفوذ السياسي والشهرة السياسية إلى نموذج اقتصادي قابل للاستمرار؟
فإذا أصبح المحتوى السياسي نفسه منتجاً تجارياً، فإن الحدود بين الإعلام والسياسة والأسواق تصبح أكثر ضبابية.
سيارة كليمسون.. الاقتصاد الجديد يبحث عن الطاقة الزائدة
وفي اتجاه مختلف تماماً، يمثل تطوير جامعة كليمسون لسيارة كهربائية قادرة، وفق المعطيات المتداولة، على توليد طاقة تفوق استهلاكها اليومي نموذجاً لما قد يحمله المستقبل من تحولات في قطاع النقل.
ورغم أن مثل هذه التقنيات ما زالت بحاجة إلى اختبارات عملية واسعة قبل الحديث عن تحولها إلى منتج تجاري واسع الانتشار، فإن الاتجاه نفسه مهم؛ لأن معركة الطاقة العالمية لم تعد تدور فقط حول النفط والغاز.
المستقبل سيكون أيضاً لمن يستطيع إنتاج الطاقة بكفاءة أعلى، وتخزينها، وإعادة استخدامها.
الخلاصة.. الشرق الأوسط ينتقل من مرحلة الصراع إلى مرحلة إعادة تشكيل القواعد
ما يجري حالياً في المنطقة لا يبدو مجرد سلسلة من الأخبار المتفرقة.
ففي سوريا هناك محاولة لإعادة بناء الدولة والعدالة والشرعية.
وفي إيران هناك محاولة للصمود أمام الضغط الاقتصادي والحفاظ على أوراق القوة.
وفي الخليج هناك محاولة لمنع تحول مضيق هرمز إلى شرارة حرب واسعة.
وفي تركيا هناك إعادة صياغة للملف الكردي.
وفي ليبيا ما زالت منشآت الطاقة رهينة الهشاشة الأمنية.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة: الضغط على إيران دون إشعال حرب تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة وتزيد من التكلفة السياسية داخلياً.
ولهذا يمكن القول إن مضيق هرمز هو اليوم أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه مقياس لموازين القوة في الشرق الأوسط.
أما سوريا، فإن أحكامها القضائية على رموز النظام السابق قد تكون بداية لمسار طويل، لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد أحكام الإعدام، وإنما بقدرة الدولة على تحويل العدالة من أداة للانتقام إلى مؤسسة لبناء المستقبل.
وفي النهاية، فإن المنطقة تدخل مرحلة جديدة لا يحسمها السلاح وحده، وإنما تتداخل فيها الشرعية الدولية، والاقتصاد، والطاقة، والممرات البحرية، والقضاء، والتحالفات الإقليمية، والضغط الشعبي، والانتخابات.
إنها معركة على شكل الشرق الأوسط المقبل، ومن ينجح في صياغة قواعده الجديدة لن يكون بالضرورة الطرف الأقوى عسكرياً، وإنما الطرف الأكثر قدرة على تحمل تكلفة الصراع وإدارة أدوات القوة والتفاوض في الوقت نفسه.
التعليقات الأخيرة