أخبار عاجلة
news-details
أدب

حين اختلف السيف والقلم.. وبقي التاريخ شاهداً

 


 بقلم 
أحمد سامى جودة  
الخلاف بين الأمير والزعيم والسجال الأدبي السياسي لأحمد شوقي 

لم يكن الخلاف بين الزعيم أحمد عرابي وأمير الشعراء أحمد شوقي مجرد خصومة عابرة بين رجلين من رجال مصر، وإنما كان انعكاساً لصراع أوسع شهدته البلاد في أواخر القرن التاسع عشر: صراع بين مشروع عرابي الذي حمل راية المطالبة بالعدل والمساواة والحد من نفوذ الخديوي والتدخل الأجنبي، وبين البيئة السياسية والاجتماعية التي كان ينتمي إليها شوقي في بدايات حياته، بحكم قربه من القصر الخديوي.
وقد أصبح اسم الرجلين مرتبطاً في الذاكرة المصرية بقصة مثيرة: الزعيم الذي حمل هموم الجيش والوطن، والشاعر الذي حمل همومه وأفكاره إلى قصائد كانت لها قوة الكلمة وسلطانها.

عرابي والثورة

برز أحمد عرابي في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر بوصفه أحد أبرز قادة الحركة العسكرية والسياسية التي عُرفت بالثورة العرابية. وكان عرابي يرفع مطالب تتعلق بالمساواة داخل الجيش، وتوسيع المشاركة السياسية، ومواجهة مظاهر الاستبداد والتدخل الأجنبي.
وانتهت الثورة بهزيمة القوات العرابية أمام الاحتلال البريطاني في معركة التل الكبير سنة 1882، ثم نُفي عرابي إلى جزيرة سيلان، حيث عاش سنوات طويلة بعيداً عن وطنه. وتصف المصادر التاريخية حياة العرابيين في المنفى بأنها كانت قاسية، امتزج فيها الألم بالغربة والحنين إلى مصر.

أين يقف شوقي من عرابي؟

كان أحمد شوقي في شبابه قريباً من الخديوي عباس حلمي الثاني، ونشأ في بيئة مرتبطة بالقصر. ولذلك كان موقفه من الثورة العرابية مختلفاً تماماً عن موقف كثير من الوطنيين الذين رأوا في عرابي رمزاً للمقاومة والمطالبة بالإصلاح.
وتشير روايات تاريخية إلى أن شوقي كتب قصائد هاجم فيها عرابي، ولا سيما عندما عاد الزعيم من منفاه إلى مصر سنة 1901. ومن أشهر ما ارتبط بهذه المرحلة قصيدة «عرابي وما جنى» التي نشرتها جريدة «اللواء» في سبتمبر 1901، وفيها وجّه شوقي انتقادات حادة إلى عرابي.
كما نُشرت له قصيدة أخرى بعنوان «عاد لها عرابي» سنة 1901، وهو ما يكشف أن موقف الشاعر من الزعيم لم يكن مجرد عبارة عابرة، وإنما ظهر في أكثر من نص شعري.

هل كان الخلاف شخصياً؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة في القصة.
فبعض الروايات ترى أن شوقي كان متأثراً بموقف القصر من عرابي، وأن قربه من الخديوي كان عاملاً أساسياً في موقفه. ويرى بعض المؤرخين أن الشاعر كتب ضد عرابي في سياق سياسي كان القصر فيه ينظر إلى الثورة العرابية باعتبارها تمرداً على سلطته.
وقد نُقل عن المؤرخ محمود الخفيف تفسير قريب من ذلك، إذ ربط موقف شوقي بالبيئة السياسية المحيطة بالخديوي عباس حلمي الثاني وبالموقف الذي كانت تتبناه جريدة «اللواء» تجاه عرابي عند عودته من المنفى.
لكن من المهم ألا نحول هذه الرواية إلى حقيقة وحيدة لا تقبل النقاش؛ فالتاريخ أكثر تعقيداً من اختزال موقف شاعر كبير في مجرد «التزلف إلى القصر». فشوقي نفسه مر بتحولات فكرية وسياسية كبيرة، وأصبح بعد سنوات منفى الأندلس شاعراً وطنياً له حضور قوي في قضايا الحرية والاستقلال ومقاومة الاحتلال.

عرابي يرد على شوقي

لم يكن عرابي، بطبيعة شخصيته، ممن يسهل عليه أن يتقبل الهجوم عليه، خصوصاً من شاعر مرتبط بالقصر الذي كان يرى أنه كان أحد أطراف الصراع الذي انتهى بسقوط الثورة ونفي قادتها.
وتذكر بعض الروايات أن عرابي واجه شوقي بكلمات قاسية، وأن الخصومة بين الرجلين ازدادت حدة بسبب ما كتبه الشاعر عنه.
وهنا تتحول القصة من مجرد خلاف في الرأي إلى سجال بين رجلين، أحدهما كان يرى نفسه صاحب قضية وطنية دفع ثمنها النفي، والآخر كان يكتب من موقع سياسي وفكري مختلف تماماً.

لكن شوقي لم يبقَ هو شوقي القديم

وهذه هي المفارقة الكبرى في الحكاية.
فمن الظلم أن نحاكم أحمد شوقي كله من خلال موقفه المبكر من عرابي وحده.
لقد تغير شوقي مع مرور السنوات، وتبدلت تجربته السياسية والشعرية. وعندما نُفي إلى إسبانيا، ثم عاد إلى مصر، أصبح شعره أكثر التصاقاً بالوطن وقضايا الأمة العربية، وتحول تدريجياً إلى شاعر الجماهير والحرية والوطنية، حتى بايعه الشعراء أميراً للشعراء سنة 1927.
ومن هنا فإن شخصية شوقي التاريخية لا يمكن أن تُختزل في موقفه من عرابي؛ كما أن شخصية عرابي لا يمكن اختزالها في الهزيمة العسكرية في التل الكبير.

خلاف الرجلين.. درس في قراءة التاريخ

إن قصة أحمد عرابي وأحمد شوقي تعلمنا أن التاريخ لا يُقرأ بالأبيض والأسود.
فعرابي كان زعيماً عسكرياً وسياسياً دخل مواجهة هائلة مع الخديوي والقوى الأجنبية، وانتهت تجربته بالهزيمة والنفي. وشوقي كان شاعراً كبيراً نشأ قريباً من القصر، واتخذ في مرحلة من حياته موقفاً معادياً لعرابي، ثم تغيرت رؤيته السياسية والوطنية مع الزمن.
ولذلك ينبغي أن نفرق بين موقف الإنسان في لحظة تاريخية معينة وبين مجمل حياته وتراثه.
لقد اختلف عرابي وشوقي، واشتد الخلاف حتى تحول إلى سجال شعري وسياسي، لكن الزمن وضع كلاً منهما في مكانه.
ظل أحمد عرابي في الذاكرة المصرية رمزاً من رموز المقاومة والحركة الوطنية، وظل أحمد شوقي واحداً من أعظم شعراء العربية في العصر الحديث.
وهكذا بقي السيف والقلم مختلفين في الموقف، متفقين في شيء واحد: أن كلاً منهما ترك أثراً لا يستطيع التاريخ المصري أن يتجاهله.
وربما كانت أعظم مفارقة في القصة أن الشاعر الذي هجا عرابي في بداياته أصبح لاحقاً شاعر الوطن والحرية، وأن الزعيم الذي هُزم عسكرياً وظل سنوات في المنفى بقي اسمه حاضراً في صفحات التاريخ.
فالتاريخ لا ينسى الخلافات، لكنه أيضاً لا ينسى التحولات.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا