الوَصَايَا الخَالِدَةُ: قِرَاءَةٌ مُعَاصِرَةٌ فِي سُورَةِ لُقْمَانَ". المقال :"12". "حِينَ يَرْتَفِعُ الصَّوْتُ, وَيَغِيبُ الحِوَارُ… وَصِيَّةُ لُقْمَانَ لِفَنِّ التَّوَاصُلِ
"
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
تأتي سورة لقمان بمنهج تربوي متكامل، يجمع بين العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والسلوك، ويقدم للإنسان قواعد راسخة لبناء الشخصية المتوازنة،والمجتمع المتماسك. ومن الوصايا البليغة التي ختم بها لقمان حديثه التربوي مع ابنه قوله تعالى:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾،[لقمان: 19].
والآية، وإن كانت توجّه إلى خفض الصوت، فإن دلالتها التربوية تتجاوز مجرد درجة الصوت إلى بناء أدب الحوار، وضبط الانفعال، واحترام الآخرين، والابتعاد عن الصخب والغلظة.
أولًا:الوصية القرآنية، وبناء الإنسان المتزن:
لم تكن وصايا لقمان لابنه مجموعة من النصائح المتفرقة، بل جاءت في سياق بناء شخصية متكاملة؛ تبدأ بالتوحيد، ثم بر الوالدين، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، ثم تهذيب السلوك.
ومن هنا تأتي وصية خفض الصوت باعتبارها جزءًا من منظومة الأخلاق الإسلامية.
فالإنسان المتزن لا يسمح لغضبه أن يتحكم في لغته، ولا لانفعاله أن يفسد علاقاته، ولا لاختلافه مع الآخرين أن يحوله إلى شخص عدواني في حديثه.
إن ضبط الصوت صورة من صور ضبط النفس، وضبط النفس من أهم علامات النضج الأخلاقي.
ثانيًا: خفض الصوت ليس ضعفًا:
قد يظن بعض الناس أن ارتفاع الصوت دليل على القوة، وأن الصراخ وسيلة لإثبات الرأي، بينما التربية القرآنية تقدم مفهومًا مختلفًا تمامًا.
فالقوة الحقيقية ليست في أن تجعل الآخرين يخافون من صوتك، وإنما في أن تجعلهم يحترمون عقلك وأخلاقك.
وقد يستطيع الإنسان أن يفرض صمته بالصوت المرتفع، لكنه لا يستطيع أن يفرض القناعة بالصراخ.
إن الحوار الهادئ يمنح العقل فرصة للتفكير، أما الصراخ فيدفع الإنسان غالبًا إلى الدفاع عن نفسه بدلًا من البحث عن الحقيقة.
ولهذا فإن خفض الصوت ليس تراجعًا عن الحق، وإنما هو أسلوب راقٍ في عرض الحق.
ثالثًا: بين ارتفاع الصوت،وارتفاع مستوى الوعي:
نعيش في عصر تتسارع فيه وسائل الاتصال، وأصبح الإنسان يستطيع أن يعبر عن رأيه خلال ثوانٍ. ومع ذلك، فإن سهولة التعبير لم يصاحبها دائمًا ارتفاع في مستوى الحوار.
ففي مواقع التواصل الاجتماعي نرى أحيانًا الشتائم والسخرية والتجريح بدلًا من النقاش، وتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة شخصية.
وهنا تظهر أهمية وصية لقمان؛ فالقرآن لا يريد منا مجرد الحديث، وإنما يريد حديثًا منضبطًا بأخلاق الإنسان المؤمن.
ليس المهم أن يكون صوتنا مسموعًا فقط، بل المهم أن تكون رسالتنا جديرة بأن تُسمع.
رابعًا: الوصية داخل الأسرة:
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل فن التواصل.
فالطفل الذي ينشأ في بيت يسوده الصراخ قد يتعلم أن رفع الصوت هو الطريق الطبيعي لحل الخلافات، أما الطفل الذي يرى والديه يتحاوران بهدوء، ويختلفان باحترام، ويعتذران عند الخطأ، فإنه يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداوة.
ومن هنا ينبغي للآباء، والمربين أن ينتبهوا إلى أن التربية لا تكون بالكلمات فقط، وإنما بالسلوك الذي يراه الأبناء كل يوم.
ومن أهم التطبيقات العملية للوصية:
ألا يتحول الخطأ الصغير إلى صراخ كبير.
ألا يُهان الطفل عند توجيهه.
أن يستمع الوالدان إلى أبنائهما.
أن يكون الحوار وسيلة للإصلاح لا للإذلال.
أن يتعلم أفراد الأسرة الاعتذار عند الخطأ.
فالبيت الهادئ لا يعني بيتًا بلا خلاف، وإنما يعني بيتًا يعرف كيف يدير الخلاف.
خامسًا: أدب الحوار مع المخالف:
الاختلاف سنة من سنن الحياة، ولا يمكن أن يتفق الناس في كل شيء.
لكن الإسلام لا يجعل الاختلاف مبررًا للإساءة، بل يربي الإنسان على الحكمة وحسن الخطاب.
قال تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾،[البقرة: 83].
وقال سبحانه:﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: 125].
وهذا يعني أن الإنسان يستطيع أن يرفض الفكرة دون أن يهين صاحبها، وأن يناقش الرأي دون أن يحقر قائله، وأن يدافع عن معتقده دون أن يتحول إلى شخص مؤذٍ.
إن حسن الحوار لا يعني التنازل عن المبادئ، وإنما يعني التمسك بالمبدأ مع المحافظة على الأخلاق.
سادسًا: الصراخ في زمن وسائل التواصل:
لم يعد رفع الصوت مرتبطًا بالصوت الحقيقي فقط، بل أصبح له شكل آخر في العالم الرقمي.
فقد يكون الصراخ منشورًا غاضبًا، أو تعليقًا جارحًا، أو سخرية من المخالف، أو نشرًا لكلمات مهينة.
وقد يكتب الإنسان كلمة في لحظة غضب، ثم تنتشر الكلمة في دقائق، بينما يحتاج إصلاح آثارها أحيانًا إلى سنوات.
ولهذا يجب أن نتعلم قبل أن نضغط زر الإرسال أن نسأل أنفسنا:
هل ما أكتبه حق؟
هل هو ضروري؟
هل أسلوبي محترم؟
هل أرضى أن يقرأه الناس عني بعد سنوات؟
وهذه الأسئلة تمثل تطبيقًا معاصرًا عميقًا لوصية لقمان.
سابعًا: فن الإصغاء نصف فن التواصل:
لا يمكن أن يكون الحوار ناجحًا إذا كان كل طرف يريد أن يتحدث ولا يريد أن يستمع.
فالاستماع ليس مجرد السكوت أثناء كلام الآخر، وإنما هو محاولة لفهم ما يريد قوله، ومراعاة مشاعره، وإعطاؤه فرصة للتعبير.
وقد يكون الإنسان بحاجة إلى من يسمعه أكثر من حاجته إلى من يقدم له النصائح.
ومن هنا فإن خفض الصوت ينبغي أن يصاحبه رفع مستوى الإصغاء.
فإذا تعلمنا أن نستمع قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نرد، وأن نتثبت قبل أن نغضب، فسوف نكتشف أن كثيرًا من الخلافات كان يمكن أن تنتهي بكلمة هادئة واستماع صادق.
ثامنا:الوصية العملية:
اجعل وصية لقمان منهجًا في حياتك:
لا ترفع صوتك لتثبت أنك الأقوى، بل ارفع مستوى حجتك.
لا تجعل الغضب يقود لسانك.
لا تجعل الاختلاف سببًا للإهانة.
استمع قبل أن تحكم.
وتكلم حين يكون كلامك نافعًا.
واجعل صوتك هادئًا، وكلمتك طيبة، وحوارك محترمًا.
وتذكر دائمًا أن الإنسان قد ينسى ما قلت، لكنه لن ينسى كيف جعلته يشعر أثناء حديثك معه.
الختام؛
إن وصية لقمان ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ ليست مجرد توجيه متعلق بنبرة الصوت، وإنما هي درس تربوي عظيم في ضبط النفس، واحترام الآخرين، وحسن التواصل، وإدارة الاختلاف.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى صوت الحكمة.
نحتاج إلى آباء يحاورون أبناءهم، وأزواج يديرون خلافاتهم بالحكمة، ومعلمين يوجهون طلابهم بالرحمة، ودعاة يخاطبون الناس بالرفق، ومجتمع يعرف أن الاختلاف يمكن أن يكون وسيلة للتكامل لا سببًا للخصام.
إن الهدوء ليس فراغًا، وإنما هو مساحة للعقل كي يعمل.
والكلمة ليست مجرد صوت يخرج من الفم، وإنما مسؤولية قد تبني إنسانًا أو تهدمه.
وهكذا تبقى وصايا لقمان خالدة؛ لأنها تخاطب جوهر الإنسان في كل زمان ومكان.
فاخفض صوتك، وارفع أخلاقك، واجعل كلماتك جسورًا تصل القلوب، ولا تهدمها.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم، سورة لقمان، الآيات: 18–19.
٢)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. دار طيبة للنشر والتوزيع.
٣)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. دار هجر.
٤*القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية.
٥)السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. مؤسسة الرسالة.
٦)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر.
٧)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دار طوق النجاة.
٨)مسلم، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي.
٩)الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. دار المعرفة.
١٠)ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين. دار الكتاب العربي.
التعليقات الأخيرة