#بقلم: زكرياء الزاوي.
حين تُذكر الكفاءات المغربية الشابة التي استطاعت أن تصنع لنفسها حضوراً مميزاً داخل الوطن وخارجه، فإن اسم الدكتورة سليمة الشرتي يفرض نفسه باعتباره نموذجاً لشابة مغربية اختارت أن تجعل من العلم طريقاً، ومن الطموح عنواناً، ومن المعرفة جسراً للتألق والعطاء.
فالدكتورة سليمة ليست مجرد حاملة لشهادة أكاديمية عليا، بل هي شخصية علمية شابة راكمت تجربة غنية جمعت بين التكوين الجامعي المتميز، والبحث العلمي، والخبرة المهنية، والانفتاح على القضايا الاقتصادية والبيئية، والحضور في الندوات والمؤتمرات العلمية.
ما يميز هذه الشخصية أكثر هو أن مسيرتها لم تكن وليدة الصدفة، وإنما ثمرة سنوات من الاجتهاد والمثابرة والإصرار على بلوغ الأهداف. فقد استطاعت أن تنتقل من مقاعد الدراسة بمدينة العرائش إلى رحاب الجامعات الفرنسية، وأن تبني لنفسها مساراً أكاديمياً ومهنياً يبعث على الاعتزاز.
وتوجت هذه المسيرة بحصولها على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة بيربينيان الفرنسية، من خلال أطروحة علمية باللغة الإنجليزية تناولت موضوع الابتكار الإيكولوجي والنمو الاقتصادي وتدهور البيئة، وهو موضوع بالغ الأهمية يعكس اهتمامها بقضايا المستقبل، وبالبحث عن السبل الكفيلة بتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
ولم تكن أطروحة الدكتوراه مجرد تتويج لسنوات الدراسة، بل كانت ثمرة شخصية علمية اختارت أن تجعل من البحث والابتكار وسيلة لفهم التحولات الاقتصادية والبيئية، والمساهمة في النقاش العلمي حول بناء نماذج تنموية أكثر استدامة.
وتعود بدايات هذه الرحلة العلمية إلى مدينة العرائش، حيث حصلت الدكتورة سليمة سنة 2013 على شهادة البكالوريا، شعبة العلوم الفيزيائية، بميزة جيد جداً من الثانوية التقنية، قبل أن تنتقل إلى فرنسا لمواصلة دراستها العليا.
وفي مسار أكاديمي حافل، حصلت سنة 2019 على شهادة الماستر في الإدارة الدولية للنقل الجوي من جامعة تولوز بميزة جيدة جداً، ثم تابعت تكوينها في مجال الإدارة والخدمات اللوجستيكية بجامعة بيربينيان سنة 2020، قبل أن تواصل طريقها نحو البحث العلمي وتحصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية.
لكن شخصية الدكتورة سليمة لا تختزل في الجانب الأكاديمي وحده، فقد حرصت على أن تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وخاضت تجارب مهنية متنوعة في فرنسا، من بينها تجربة في مجال الطيران باعتبارها مرحلًا جوياً (Flight Dispatcher)، وهي مهمة تتطلب قدراً كبيراً من الدقة والمسؤولية والقدرة على التواصل واتخاذ القرار، إلى جانب تجارب في المجال الإداري والجامعي بجامعة بيربينيان.
كما راكمت تجربة في تدبير الملفات الجامعية والتعامل مع الأنظمة والبرامج المعلوماتية، الأمر الذي منح مسيرتها بعداً عملياً موازياً لمسارها الأكاديمي.
وبروح الباحثة الطموحة، لم تتوقف الدكتورة سليمة عند حدود الحصول على الدكتوراه، بل واصلت انخراطها في مجال البحث العلمي، وشاركت في عدد من الندوات والمؤتمرات العلمية، مساهمةً في النقاشات المرتبطة بالاقتصاد والابتكار والبيئة والاستدامة.
ومن أبرز محطات حضورها العلمي مشاركتها في المؤتمر الدولي حول الحوكمة والابتكار والاستدامة بمدينة طنجة سنة 2024، حيث قدمت أبحاثاً مرتبطة بديناميات الابتكار البيئي، وأبرزت أهمية بناء علاقة متوازنة بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وتشجيع الابتكار.
وفي 5 دجنبر 2024، سجلت الدكتورة سليمة حضوراً علمياً لافتاً من خلال مشاركتها في الندوة الدولية التي نظمتها جمعية تنمية المرأة والطفل التضامن الإنساني بكلية مولاي إسماعيل بمكناس حول "البيئة والرقمنة: أفق 2030".
وشكلت هذه المشاركة محطة مهمة في مسيرتها، باعتبارها أتاحت لها فرصة المساهمة بخبرتها ومعرفتها في نقاش علمي ومجتمعي يرتبط بموضوعين من أبرز رهانات المستقبل، وهما التحول الرقمي وحماية البيئة، وما يفرضانه من تحديات وما يفتحانه من فرص أمام التنمية والابتكار.
كما عكست مشاركتها في هذه الندوة حضور الكفاءات المغربية الشابة في القضايا الوطنية والدولية ذات الصلة بمستقبل التنمية، وأكدت أن المعرفة والخبرة التي يكتسبها الشباب المغربي في الجامعات والمؤسسات الدولية يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة للنقاش العلمي داخل الوطن.
إن حضور الدكتورة سليمة في مثل هذه المحافل العلمية يؤكد أن الشباب المغربي قادر على أن يكون حاضراً في قلب النقاشات العلمية والفكرية المرتبطة بالمستقبل، وأن الكفاءات المغربية التي اكتسبت خبرة داخل الجامعات الدولية تستطيع أن تساهم بخبرتها في إثراء الحوار حول قضايا البيئة والاقتصاد والرقمنة والابتكار.
إنها صورة مشرقة للشابة المغربية الطموحة التي لم تجعل من النجاح غاية شخصية فقط، بل جعلت من العلم وسيلة للتواصل والعطاء وخدمة القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع.
وإذا كان النجاح الأكاديمي يقاس بالشهادات والإنجازات، فإن نجاح الدكتورة سليمة يقاس أيضاً بما راكمته من تجربة وما تركته من حضور في مجالات البحث والتكوين والمشاركة العلمية. فهي شخصية استطاعت أن تجمع في مسيرتها بين التميز العلمي، والطموح المهني، والفضول المعرفي، والانفتاح على التجارب الدولية، والإيمان بأهمية الابتكار في صناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن الحديث عن الدكتورة سليمة الشرتي هو حديث عن نموذج شبابي مغربي يستحق التشجيع والتقدير؛ نموذج يؤكد أن الطموح حين يلتقي بالعلم والمثابرة يمكن أن يتحول إلى إنجاز حقيقي، وأن الشابة المغربية قادرة على الوصول إلى مراتب أكاديمية ومهنية متميزة، وحمل اسم وطنها بكل اعتزاز في المحافل العلمية الدولية.
الدكتورة سليمة الشرتي.. مسيرة بدأت من العرائش، وتأَلقت في الجامعات الفرنسية، وتوجت بالدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة بيربينيان الفرنسية، من خلال بحث علمي حول الابتكار الإيكولوجي والنمو الاقتصادي، وامتدت إلى المؤتمرات والندوات والمجالات المهنية، لتقدم بذلك نموذجاً لشابة مغربية اختارت أن تجعل من العلم رسالة، ومن المعرفة قوة، ومن النجاح بداية جديدة لمزيد من العطاء.
الدكتورة سليمة الشرتي.. شخصية مغربية شابة جعلت من العلم والابتكار جسراً للعطاء والتألق
التعليقات الأخيرة