هل اصبحت الاخلاق تهمة؟
بقلم : محمود جاب الله
من أخطر ما نواجهه في حياتنا اليومية أن نُفهم خطأ. أن تبتسم فيُقال لك "ساذج"، وأن تسامح فيُقال لك "جبان"، وأن تتنازل فيُقال لك "ضعيف".
هناك نوع من الناس لا يفهم لغة الأخلاق. يفهم فقط لغة الصوت العالي، والرد القاسي، والموقف الحاد. فإذا عاملته بطيبتك قال في نفسه: "هذا لا يعرف أن يدافع عن نفسه". وإذا أحسنت إليه قال: "هذا محتاج لي".
المشكلة ليست فيك. المشكلة في الميزان الذي يقيسون به. ميزانهم مختل. يرون أن القوة هي أن تؤذي، وأن الحكمة هي أن تخادع، وأن الاحترام ضعف. نسوا أو تناسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
الإنسان الخلوق ليس ضعيفاً. هو اختار أن يكون قوياً بطريقة مختلفة. اختار أن يتحكم في غضبه لا أن يطلقه. اختار أن يرد بالإحسان لا بالإساءة. اختار أن يكسب الناس لا أن يخسرهم. هذا يحتاج إلى شجاعة أكبر بكثير من شجاعة الشتيمة والخناق.
لكن انتبه. الطيبة ليست سذاجة. والأخلاق ليست باباً مفتوحاً لكل من هب ودب. هناك فرق كبير بين أن تكون ليناً وبين أن تكون مطية. بين أن تسامح وبين أن تسمح بالإهانة.
الحكيم هو من يعرف متى يبتسم ومتى يرد. متى يعطي ومتى يمنع. متى يقترب ومتى ينسحب. لأن بعض الناس لا يفهمون إلا بعد أن يروا منك جانباً آخر. جانب يقول: "أنا محترم لا مهان".
لا تغير أخلاقك بسببهم. لا تتحول إلى نسخة منهم فقط لأنهم لم يفهموك. الدنيا لا تزال بخير بسبب أمثالك. البيوت التي تربت على الاحترام، والمواقف التي حُلت بالكلمة الطيبة، والقلوب التي انجبرت باللين.. كلها شاهدة أن الأخلاق لم تمت.
تذكر دائماً: البحر لا يتسخ إذا ألقيت فيه حجراً. والشجرة لا تنحني لأن الريح هبت. وأنت لا تصبح ضعيفاً لأنك اخترت أن تكون محترماً.
عامل الناس بأخلاقك أنت.. لا بأخلاقهم هم. فالطبع غلاب، والأصل أصيل.
التعليقات الأخيرة