: القول المبين في مولد خير المرسلين
بقلم الدكتور: علي عبد العزيز
كلية الحقوق جامعة المنصورة
*********////////***********
يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاعِ أَعْظُمُهُ
فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ والأَكَمُ
نَفْسِي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ
فِيهِ العَفَافُ وفِيهِ الجُودُ والكَرَمُ
إنَّ من أعظمِ نِعَمِ اللهِ -جلَّ وعلا- على البشرية جمعاء أن أرسلَ إليهم سيِّدَ الكونين والثقلين سيدنا ونبيَّنا محمداً -ﷺ- هادياً ومبشِّراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْــنِ
وَالفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
لقد كانت بعثة النبي -ﷺ- رحمةً للعالمين بنص كلام رب العالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.
ويأتي هذا اليوم من كل عام لتتجدد معه مظاهر فرح المصريين بميلاد النبي الكريم -ﷺ- .
*- وللاحتفال بالمولد النبوي الشريف أصل ثابت في الشريعة الإسلامية الغراء، وليس فيه مخالفة ولا بدعة ولا ضلالة طالما كان الاحتفال على وفق الهدي النبوي الصحيح.
ومن مظاهر احتفال المصريين بميلاد سيد المرسلين سيدنا محمد ﷺ هو الاجتماع والالتفاف حول كلمة شيخ الأزهر وعلماء المسلمين في هذا اليوم المبارك، وتلاوة القرآن، والتذكير بالسيرة النبوية العطرة، والإنشاد الديني المباح، وهذا من باب "الاستحسان" أو "البدعة الحسنة المستحسنة" أصولياً - (كما قسمها العز بن عبد السلام والشافعي الإمام).
*- كذلك صيام هذا اليوم شكراً لله عز وجل على بعثة النبي ﷺ، فقد كانت بعثته ﷺ نعمة عظيمة وفضلاً كبيراً من رب العالمين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾، وهذا الفضل وتلك النعمة تستحق الشكر بصيام ذلك اليوم، بل إن الفرح بفضل الله علينا واجب كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، والنبي ﷺ هو الرحمة المهداة للعالمين والفضل العظيم الذي تفضل به علينا رب العالمين، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويقول: «ذاك يومٌ وُلدتُ فيه».
فإذا كان النبي ﷺ يصوم يوم الاثنين شكراً لله عز وجل فأولى بنا نحن أن نصوم هذا اليوم حباً وفرحاً بالنبي الكريم ﷺ، ولعل هذا يجد أصله أيضاً في قصة صيام يوم عاشوراء؛ لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى شكراً لله، فقال رسول الله ﷺ: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.
وفي هذا دلالة واضحة على مشروعية الاحتفال بالصيام بحسب الأصل العام، ومشروعية الاحتفال بمولد النبي ﷺ بصيام هذا اليوم على وجه الخصوص، فنحن أولى بالاحتفال والفرح بنبينا الكريم- ﷺ - ولقد استنبط الحافظ ابن حجر العسقلاني أصلاً مقاصدياً من حديث صيام يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة موسى عليه السلام، وهو مشروعية فعل الشكر لله في يوم متجدد على نعمة عظيمة.
ولا شك أن يوم مولد النبي ﷺ هو من أعظم أيام الله فضلاً ونعمة على البشرية التي تستحق الشكر المتجدد كل يوم بدلاً من كل عام.
*ـ ومن مظاهر الاحتفال بمولده ﷺ هو كثرة الصلاة عليه في هذه الأيام المباركة، فقد ثبت في الصحيح قوله ﷺ: «مَن صلى عَلَيَّ واحدةً، صلى اللهُ عليه بها عَشْراً».
*ـ ومن مظاهر احتفال المصريين بميلاد سيد المرسلين محمد ﷺ هو صلة الرحم وإطعام الطعام وتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب ابتهاجاً بهذا اليوم وفرحاً وسروراً بميلاد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا أجر عظيم وإحياء لسنته ﷺ من إطعام الطعام، وامتثالاً لأمره بصلة الرحم، واقتداءً بهديه في إدخال السرور على الأهل والأصدقاء والأطفال والجيران.
لقد أقر الاحتفال بالمولد النبوي كبارُ علماء الأمة عبر العصور، منهم:
1- الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني: فقد سُئل عن عمل المولد فأصّل له أصلاً ثابتاً من السنة، واعتبره عملاً صالحاً.
2- الإمام جلال الدين السيوطي: ألف رسالة مستقلة سماها «حسن المقصد في عمل المولد» ضمنها في كتابه [الحاوي للفتاوى] وأفتى باستحبابه.
3- الإمام شمس الدين السخاوي: نقل عنه العلماء إقراره للاحتفال وذكر أنه شهد احتفالات المولد النبوي في مكة المكرمة عدة سنين.
4- الحافظ ابن دحية الأندلسي: ألف كتاباً في المولد النبوي الشريف أسماه «التنوير في مولد السراج المنير».
5- الإمام ابن الجوزي: صنف مولداً نبوياً معروفاً باسم «مولد العروس».
6- الحافظ زين الدين العراقي: ألف مولداً نبوياً سماه «المورد الهني في المولد السني».
7- الإمام شهاب الدين القسطلاني: نص على استحباب إحياء ليلة المولد بالسرور والفرح.
8- الملا علي القاري: أقر عمل المولد ونقل أقوال العلماء المجيزين له في كتابه.
9- الحافظ أبو شامة المقدسي (شيخ الإمام النووي): صرح في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» بأن ما يُفعل كل عام من الصدقات وإظهار الزينة والسرور بمولده ﷺ هو من أحسن ما ابتدع في زماننا.
10- الإمام الحافظ ابن كثير: صاحب التفسير والتاريخ الشهير، صنف مؤلفاً خاصاً في السيرة النبوية والمولد أسماه «مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم».
11- الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: ألف عدة كتب في هذا الباب منها «المورد الصادي في مولد الهادي» و«اللفظ الرائق في مولد سيد الخلائق».
12- الإمام الحافظ ابن الجزري (شيخ القراء): ألف كتاباً أسماه «التعريف بالمولد الشريف» واختصره في «عَرف التعريف».
13- سلطان العلماء العز بن عبد السلام: قسّم البدعة إلى خمسة أقسام وأدرج جمع المحافل لعمل الخير والإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول تحت البدع المندوبة (المستحبة).
14- العلامة ابن عابدين (من فقهاء الحنفية): نص في حاشيته الشهيرة باسم (حاشية ابن عابدين) على أن عمل المولد الشريف من البدع المحمودة والمستحبة.
15- الحافظ ابن حجر الهيثمي: ألف كتاباً سماه «إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم» وأكد فيه أن عمل المولد واجتماع الناس له بدعة حسنة يُندب إليها.
16- الإمام عبد الغني النابلسي: صنف كتاباً بعنوان «تحفة ذوي العرفان في مولد سيد بني عدنان».
17- القاضي أحمد بن محمد العزفي المالكي: ألف كتاباً حافلاً يُدعى «الدر المنظم بمولد النبي الأعظم».
بالإضافة إلى كافة العلماء المعاصرين ودور الإفتاء على مستوى العالم الإسلامي ومشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء ؛ كلهم على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وذلك على النحو الذي ذكرناه من الصيام وتلاوة القرآن وكثرة الصلاة والسلام على النبي العدنان والتذكير بسيرته والاهتداء بهديه والتخلق بأخلاقه وصلة الرحم بتوزيع الهدايا والحلويات على الأقارب والجيران والأصدقاء، وكل هذا له أصل ثابت ومشروع في الدين، وليس كما يدعي البعض أن الاحتفال بدعة وضلالة؛ لأنه يترتب عليه وجود مخالفات شرعية من بعض الناس وبالتالي يجب منعه والإفتاء بعدم مشروعيته، وهذا خطأ في الفهم وجهل بالفقه؛ لأننا إذا وجدنا مثلاً رجلاً يصلي الصلوات الخمس في جماعة ثم يسرق، فهل هذا عيب في الصلاة يجعلنا ندعي أن كل المصلين لصوص، أم أن هذا يرجع إلى سلوك الشخص الفردي الذي لا يقدح في مشروعية العبادة؟
وكذلك إذا وجدنا امرأة تلتزم بالحجاب الشرعي لكنها تسرق أو تزني، فهل هذا عيب في الحجاب يجعلنا ندعو السيدات أن يخلعوه، أم أن هذا خلل في سلوك تلك السيدة تحاسب وحدها عليه وليس هذا عيباً في الحجاب؟ إن ما يفعله بعض الناس من المخالفات الشرعية التي لا يقرها أحد، من الرقص والطبل والسهر في اللهو واللعب غير المباح، فهذا ليس من الاحتفال في شيء ولا يقدح في مشروعية الاحتفال وليس عيباً فيه. كذلك فإن ترك النبي ﷺ أو الصحابة الاحتفال بالمولد النبوي لا يفيد التحريم أو الكراهة كما يدعي البعض؛ لأن الفعل المتروك قد يكون مباحاً إذا دخل تحت أصل عام من الشريعة كفعل الخير والفرح بمولده ﷺ كما بينا، ولقد اتفق علماء المسلمين سلفاً وخلفاً شرقاً وغرباً على أن الترك ليس مسلكاً للاستدلال أو لإثبات حكم شرعي،
وقد ألف الشيخ العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري رسالة سماها: «حسن التفهم والدرك لمسألة الترك»، وقد افتتحها بأبيات جميلة قال فيها:
الترك ليس بحجة في شرعنا
لا يقتضي منعاً ولا إيجابا
فمن ابتغى حظراً بترك نبينا
ورآه حكماً صادقاً وصوابا
قد ضل عن نهج الأدلة كلها
بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتى
متوعِّداً لمخالفيه عذابا
أو ذم فعل مؤذن بعقوبة
أو لفظ تحريم يواكب عابا
فاللهم إنا نسألك أن تصلي على نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم عدد نجوم السماء وعدد حبات الرمل وعدد من يصلي عليه وعدد من لا يصلي عليه.
اللهم آمين يا رب العالمين.
????????????????????????
التعليقات الأخيرة