news-details
مقالات

بين الجرأة والخلل القيمي: عندما تتحول الكلمات إلى انحدار أخلاقي

 


بقلم: أشرف عبده

لم تعد أزمة الكلمة الغنائية مجرد مسألة ذوق هابط أو بحث عن الترند، بل تحولت إلى تجاوز صريح للمقدسات والقيم الفطرية. نحن أمام موجة من الكلمات المتطرفة التي تجاوزت حدود الإبداع لتقع في بؤرة الإسفاف، وتأتي عبارات من قبيل "أنا الشيطان السالك" لتجسد ذروة هذا الاضمحلال الفكري، حيث يُقحم اسم الشيطان في سياق التفاخر والتباهي، ويُستغل القاموس العقائدي دون وعي بمحتواه أو تبعاته الإيمانية والتربوية.

أولاً: تزييف المفاهيم والانحدار الجمالي
إن وصف النفس بـ "الشيطان" وتشبيه الآخرين بـ "الملائكة المنافقين" ليس مجرد مجاز شعري أو حيلة فنية ذكية، بل هو انحراف قيمي يستبدل المفاهيم الإنسانية الأصيلة بقاموس قائم على الصراع العبثي.

الفن الحقيقي كان ولا يزال رافعة للذوق العام ووسيلة لتهذيب النفوس، أما السقوط في فخ التفاخر بالشر والتمسح بلغة الابتذال، فهو عجز إبداعي كامل يستسهل اللعب على الشكليات الفجة لتحقيق انتشار وقتي رخيص على حساب وعي الأجيال. إنها جرأة مجانية لا تكلف صاحبها سوى التخلي عن احترامه لجمهوره.

ثانياً: الخطر التربوي الصامت
الكارثة الحقيقية ليست في الكلمة نفسها، بل فيمن يرددها. المراهق الذي يحفظ هذه العبارات ويرددها في الشارع والمدرسة لا يدرك أنه يتم تطبيعه تدريجياً على التصالح مع مفاهيم الشر والتطاول على الطهر. نحن نربي جيلاً يرى أن التمرد على القيم هو طريق الشهرة، وأن التفاخر بالسوء هو دليل القوة.

ثالثاً: بين الرفض المجتمعي والتبرير العاجز
أثارت هذه التجاوزات حالة واسعة من النقاش:

الرفض المجتمعي والمؤسسي: يُجمع المفكرون وأغلبية الجمهور على أن هذه الأعمال تمثل حالة من التردي الغنائي، وتعتمد على دغدغة مشاعر الشباب عبر مفردات شاذة تعزز قيم التمرد والعنف والاستخفاف بالمقدسات.

محاولات التبرير العاجزة: حاول البعض تقديم قراءة تبريرية تدعي أن التعبير جاء بأسلوب "المجاز الاجتماعي" لوصف الشخص الصريح في مواجهة نفاق المحيطين. إلا أن هذا التبرير يسقط تماماً أمام حجم الجهل بالدلالات اللغوية وإساءة استخدام رموز لها قدسيتها العالية في الضمير الإنساني والديني.

رابعاً: الميزان العقائدي.. كلمة الفصل
يُجمع علماء الدين والفكر الروحي على أن استخدام هذه المفردات والتفاخر بصفات الشيطان أو التطاول على مقام الملائكة يُعد خطأً جسيماً وتجاوزاً لكافة الشرائع السماوية.

في القرآن الكريم:
يُحذر الحق سبحانه وتعالى من اتخاذ الشيطان ولياً، حيث يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: 21]
كما يوضح صفة الملائكة في تنزيههم المطلق:
﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

في الكتاب المقدس:
"وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى مَلاَكِ نُورٍ!" (2 كورنثوس 11: 14-15)
"مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ." (1 يوحنا 3: 8)

في التوراة:
"وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَدْعُونَ الشَّرَّ خَيْرًا وَالْخَيْرَ شَرًّا، الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُورًا وَالنُّورَ ظَلاَمًا!" (أشعياء 5: 20)
"قَبْلَ الِاكْتِسَارِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ عَظَمَةُ الرُّوحِ." (أمثال 16: 18)

خامساً: المسؤولية.. ليست مهمة جهة واحدة
إن مواجهة هذا الانحدار لا تقع على عاتق الرقابة والمؤسسات الدينية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية شاملة:

دور نقابة المهن الموسيقية: في تفعيل ميثاق شرف يمنع تداول الكلمات المسيئة للمقدسات.
دور المنصات الرقمية: في عدم الترويج لهذا المحتوى كـ "ترند" وتصنيفه كمحتوى غير لائق.
دور الأسرة والتعليم: في بناء مناعة نقدية لدى الأبناء تجاه القبح المُغلف بغلاف الفن.
الخلاصة:
الفن الذي لا يرتقي بالإنسان، يسقط به. والمعركة اليوم ليست مع أغنية عابرة، بل مع فكرة خطيرة تسعى لتطبيع القبح وتحويل الرذيلة إلى بطولة زائفة. وحين يتحول الفن إلى أداة لترويج المفاهيم الشيطانية والتهوين من شأن المقدسات، وجب التصدّي له بالوعي والمقاطعة والتربية الرشيدة، لأن حماية الكلمة هي حماية للوعي نفسه.

مجدى صبحى @متابعين @إشارة Mohamed Eltagy

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا