سِلْسِلَةُ: «سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: مِيلَادُ أُمَّةٍ وَبِنَاءُ إِنْسَانٍ». قِرَاءَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ فِي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ المقال التاسع: "العِلْمُ فِي الرِّسَالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِنْ أُمَّةِ «اقْرَأْ» إِلَى أُمَّةِ المَعْرِفَةِ
".
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: حين بدأت النهضة بكلمة «اقرأ»:
لم تبدأ الرسالة المحمدية ببناء القصور، ولا بتأسيس الإمبراطوريات، ولا بجمع الأموال، وإنما بدأت ببناء الإنسان، وكان أول مفتاح لهذا البناء كلمةً تهزُّ التاريخ كله:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[العلق: 1].
إنها ليست مجرد دعوة إلى القراءة بمعناها الضيق، وإنما إعلان عن ميلاد مشروع حضاري يجعل العلم طريقًا إلى معرفة الله، وبناء الإنسان، وإعمار الأرض، وصناعة الأمة.
ومن هنا يمكن القول: إن الإسلام لم يصنع أمةً قارئةً فحسب، بل أراد أن يصنع أمةً واعيةً عالمةً ناقدةً عابدةً عاملةً؛ أمةً تتحول فيها المعرفة إلى أخلاق، والعلم إلى مسؤولية، والفهم إلى إصلاح.
ولهذا كان التعليم في الرسالة المحمدية ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما عبادة ورسالة وضرورة حضارية.
أولًا: «اقرأ»... أول نداء لبناء الحضارة:
حين نزل الوحي على النبي ﷺ، كان أول خطاب إلهي:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾،[العلق: 1-5].
والتأمل في هذه الآيات يكشف منظومة معرفية متكاملة:
القراءة، العلم، القلم،المعرفة ،الإنسان.
فالإنسان في التصور القرآني لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالعلم الذي يهدي القوة، والأخلاق التي تضبط العلم، والإيمان الذي يمنح المعرفة غايتها.
وهنا تظهر عظمة المنهج الإسلامي؛ فالمشكلة ليست أن يمتلك الإنسان المعرفة فقط، وإنما أن يعرف كيف يستخدمها ولأي غاية.
ثانيًا: العلم في الإسلام معرفةٌ تقود إلى الإيمان والعمل:
لم يكن العلم في الرسالة المحمدية منفصلًا عن السلوك.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[فاطر: 28].
فالآية تربط العلم الحقيقي بخشية الله، مما يعني أن العلم الذي لا يصنع في الإنسان تواضعًا ومسؤوليةً وأمانةً قد يتحول إلى أداةٍ للغرور أو الإفساد.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان منزلة العلم:
«العلم إمام العمل، والعمل تابعه».
فالعلم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل تحول في الوعي والسلوك والقرار.
ثالثًا: النبي ﷺ معلّمًا وصانعًا للإنسان:
كان رسول الله ﷺ أعظم معلّم عرفته البشرية؛ فلم يكن يلقن المعلومات فقط، وإنما كان يبني العقول والقلوب والشخصيات.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾،[الجمعة: 2].
والآية تقدم نموذجًا تربويًا بالغ العمق:
تلاوة → تزكية → تعليم → حكمة.
فالتعليم النبوي لم يكن منفصلًا عن التربية، والتربية لم تكن منفصلة عن الأخلاق، والأخلاق لم تكن منفصلة عن المعرفة.
وهذه إحدى أعظم القضايا التي يحتاج إليها التعليم المعاصر:
أن ننتقل من صناعة الطالب الذي يحفظ إلى صناعة الإنسان الذي يفهم ويفكر ويبدع ويتحمل المسؤولية.
رابعًا: «طلب العلم» مشروع حياة:
قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
(رواه مسلم في صحيحه).
إن الحديث يحول طلب العلم إلى طريق من طرق العبادة، ويؤكد أن الرحلة العلمية ليست مجرد تحصيل شهادة، وإنما رحلة ارتقاء للإنسان.
ومن هنا ينبغي أن نربي أبناءنا على أن التعلم ليس مرتبطًا بسن الدراسة، ولا ينتهي بالحصول على شهادة؛ بل إن الإنسان المسلم يتعلم ما دام حيًّا.
خامسًا: النبي ﷺ أسس مجتمع المعرفة:
من أعظم الشواهد على عبقرية المنهج النبوي أن قضية التعليم لم تبقَ خطابًا نظريًا، بل تحولت إلى ممارسة اجتماعية.
ففي المدينة المنورة أصبحت المساجد مراكز للعلم والتربية، وبرز أهل الصُّفَّة نموذجًا لمجتمع يتعلم ويعيش قيم التكافل.
وفي أعقاب غزوة بدر، استُفيد من تعليم بعض الأسرى للكتابة في مقابل الفداء، كما تذكر كتب السيرة؛ وهو موقف يكشف بوضوح أن المعرفة قيمة إنسانية تتجاوز الظروف والصراعات.
وهكذا لم يكن القلم في الحضارة الإسلامية أداةً للكتابة فقط، بل كان أداةً للتحرر من الجهل وبناء الإنسان.
سادسًا: المرأة في المشروع المعرفي النبوي:
من الأخطاء التاريخية اختزال التعليم في الرجال وحدهم.
لقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كبار علماء الصحابة، ورجع إليها الصحابة والتابعون في مسائل العلم والفقه والحديث.
وهذا يؤكد أن المشروع المحمدي لم يكن مشروعًا لإقصاء المرأة عن المعرفة، بل مشروعًا لتحرير الإنسان من الجهل.
فالأسرة التي تتعلم فيها الأم والأب، ويكبر فيها الأبناء وهم يرون العلم قيمةً يومية، هي أسرة أكثر قدرة على صناعة جيل واعٍ ومتوازن.
سابعًا: من أمة القراءة إلى أمة المعرفة:
هناك فرق كبير بين:
أمة تقرأ
و
أمة تعرف.
فالقراءة قد تكون جمعًا للمعلومات، أما المعرفة فهي فهم وتحليل وربط ونقد وتطبيق.
وقد يقرأ الإنسان عشرات الكتب، لكنه لا يستطيع اتخاذ قرار حكيم.
وقد يحمل شهادات كثيرة، لكنه يفتقر إلى الأخلاق.
وقد يمتلك معلومات هائلة، لكنه لا يعرف كيف يوظفها لخدمة الإنسان.
ولهذا فإن النموذج المحمدي يريد:
علمًا يهدي،
وعقلًا يفكر،
وقلبًا يخشى الله،
وخلقًا يحكم السلوك،
وعملًا ينهض بالمجتمع.
ثامنًا: خطورة العلم بلا أخلاق:
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه البشرية هو علمٌ بلا ضمير.
فالعلم يستطيع أن يبني المستشفيات، لكنه يستطيع أيضًا أن يصنع أدوات الدمار.
والتكنولوجيا تستطيع أن تقرب المسافات، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للعزلة والتضليل.
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم. البشرية، لكنه يحتاج إلى ضوابط أخلاقية وقانونية وإنسانية.
ولهذا جاء الإسلام ليؤسس العلاقة بين المعرفة والقيمة.
قال تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: 114].
ولم يقل: زدني مالًا أو قوة، وإنما جاء الدعاء بالزيادة في العلم؛ لأن العلم إذا ارتبط بالهداية أصبح قوةً في البناء لا أداةً في الإفساد.
تاسعًا: التربية النبوية تصنع «العالِم العامل»:
إن الأمة لا تحتاج فقط إلى علماء يمتلكون المعلومات، وإنما تحتاج إلى العالِم الذي يعيش علمه.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾،[الصف: 2-3].
وهنا تتضح القاعدة:
المعرفة بلا تطبيق = معلومات.
والمعرفة مع الأخلاق = حكمة.
والمعرفة مع العمل = نهضة.
عاشرًا: ماذا يعني «مجتمع المعرفة» اليوم؟:
إذا أردنا استعادة روح الرسالة المحمدية في عصرنا، فعلينا أن نعيد بناء علاقتنا بالعلم.
1) في الأسرة:
أن يتحول البيت إلى بيئة قراءة وحوار وسؤال، لا إلى مجرد مكان للنوم والطعام.
2) في المدرسة:
أن ننتقل من التعليم القائم على الحفظ وحده إلى الفهم والتفكير والإبداع وحل المشكلات.
3) في الجامعة:
أن يصبح البحث العلمي وسيلة لمعالجة مشكلات المجتمع، لا مجرد طريق للحصول على الشهادة.
4) في الإعلام:
أن نواجه الشائعات والمعلومات المضللة بالتثبت والتحقق والتفكير النقدي.
قال تعالى:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾[الحجرات: 6].
5) في العالم الرقمي:
أن نربي أبناءنا على أن كل ما يُنشر على الإنترنت ليس حقيقة، وأن الوعي الرقمي جزء من الأمانة العلمية والأخلاقية.
6) في المجتمع:
أن نحترم المعلم والباحث والمفكر، ونستثمر في الإنسان قبل الحجر.
الحادي عشر: العلم وبناء الأمة:
إن قوة الأمة لا تقاس بعدد سكانها فقط، ولا بثرواتها الطبيعية، وإنما تقاس كذلك بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها.
ولهذا فإن مشروع النهضة الحقيقي يبدأ من سؤال:
ماذا نعلّم أبناءنا؟ وكيف نعلمهم؟ ولماذا نعلمهم؟
فالهدف ليس أن نخرج ملايين الحاصلين على شهادات، وإنما أن نخرج:
باحثًا يفكر،
ومعلمًا يربي،
وطبيبًا يرحم،
ومهندسًا يتقن،
وقائدًا يعدل،
وصانع قرار يملك الرؤية،
وشابًا يؤمن أن العلم مسؤولية.
وهذه هي الروح التي صنعت الجيل الأول من الصحابة؛ جيلًا جمع بين الإيمان والعلم والعمل والتضحية.
الثاني عشر: الرسالة التربوية للآباء والمربين:
أيها الأب، حين تسأل ابنك: «كم حصلت في الامتحان؟» لا تجعل هذا هو السؤال الوحيد.
اسأله أيضًا:
ماذا تعلمت؟
ماذا فهمت؟
ماذا قرأت؟
ماذا اكتشفت؟
كيف يمكن أن تنفع غيرك بما تعلمت؟
فهنا ينتقل الطفل من ثقافة الدرجة إلى ثقافة المعرفة.
ولا تقل لابنك فقط: «ذاكر لتنجح»، بل قل له:
«تعلّم لتفهم، وافهم لتبني، وابنِ لتنفع، وانفع ابتغاء مرضاة الله.»
خاتمة: أمة بدأت بالقراءة لا ينبغي أن تستسلم للجهل:
لقد كان أول الطريق المحمدي:
﴿اقْرَأْ﴾
وكان من أعظم الدعاء:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
وكان من منهج الرسول ﷺ أن يربي الإنسان على العلم والتزكية والحكمة والعمل.
ولهذا فإن العودة إلى الرسالة المحمدية ليست عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة للمبادئ التي تستطيع أن تصنع المستقبل.
فأمة «اقرأ» مطالبة اليوم بأن تصبح أمة:
تقرأ بوعي،
وتتعلم بجد،
وتبحث بإخلاص،
وتفكر بعمق،
وتختلف بأدب،
وتبدع بمسؤولية،
وتوظف العلم لخدمة الإنسان،
وتربط المعرفة بالأخلاق والإيمان.
إن معركة الأمم في القرن الحادي والعشرين ليست معركة السلاح وحده، وإنما هي قبل ذلك معركة العقل والمعرفة والوعي.
ومن يملك المعرفة يملك القدرة على صناعة المستقبل، ومن يفقدها يصبح تابعًا لمن يملكها.
ولهذا فإن أعظم وفاء للرسالة المحمدية أن نعيد إلى العلم مكانته، وإلى المعلم رسالته، وإلى الباحث كرامته، وإلى المدرسة دورها، وإلى الأسرة مسؤوليتها، وإلى الإنسان غايته.
لقد بدأت الرسالة بكلمة «اقرأ»؛ فلنصنع من القراءة وعيًا، ومن الوعي معرفة، ومن المعرفة عملًا، ومن العمل نهضة، ومن النهضة إنسانًا يعرف ربه، ويحترم الإنسان، ويعمر الأرض.
وهنا تتجلى عظمة محمد ﷺ:
لم يبنِ أمةً بالسيف وحده، وإنما بنى إنسانًا بالوحي، والعلم، والتزكية، والأخلاق؛ فلما بُني الإنسان، استطاع أن يبني أمة.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري.
٣)مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم.
٤)ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية.
٥)ابن سعد، محمد بن سعد. الطبقات الكبرى.
٦)ابن القيم، محمد بن أبي بكر. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.
٧)ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري.
٨)النووي، يحيى بن شرف. شرح صحيح مسلم.
٩)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم.
١٠)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
١١)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن.
١٢)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير.
التعليقات الأخيرة