كيف ولد الأدب الحقيقي الحر في المغرب
بقلم عبد المجيد عبوبي
لم يولد الأدب في صالونات الرباط. ولم يُكتب في فيلات الدار البيضاء. الأدب الحقيقي الحر في المغرب ولد في مكانين: من حي قصديري، وقرب المزابل.
من هناك خرج رجلان. واحد اسمه عبد الله زريقة، والثاني اسمه محمد شكري. أحدهما التقط قصائده من رائحة الزفت والعرق، والآخر كتب روايته وهو يتذوق طعم الجوع حرفياً. لم يكونا كاتبين عاديين. كانا جريمتين أدبيتين في جسد المجتمع المغربي.
عبد الله زريقة لم يولد في حيٍّ.راقي بل ولد في عشوائيات بن مسيك بالدار البيضاء، حيث لا شمس تدخل ولا هواء نقي. محمد شكري لم يولد في بيت. ولد في قرية بني شيكر بالريف، حيث الجوع كان أباً أوّلاً، ثم جاء الأب العنيف ليكمل المهمة.
زريقة كتب قصائده وهو يشمُّ رائحة الفقر. شكري كتب ذكرياته وهو يأكل من زبالة الأوروبيين في طنجة لأنها كانت "أغنى" من زبالة المغاربة. هكذا يبدأ الأدب الحقيقي: ليس من الإلهام، بل من الامتلاء بالقرف.
يقول شكري، ببرودة من يصف حقيقة:
"عندما وصلت، كانت هناك طنجتان: طنجة المستعمر والدولية، وطنجة العربية المصنوعة من البؤس والجهل. في تلك الأوقات، لآكل، كنت أتنافس على الزبالة. زبالة الأوروبيين بالأفضل، لأنها كانت أغنى."
السجن: المدرسة الحقيقية
في عام 1978، ألقي القبض على عبد الله زريقة. لم يكن قد سرق. لم يكن قد قتل. كان قد نشر ديواناً. ديوان "رقصة الرأس والورد" كان جريمته. الحكم: سنتان. التهمة: "الجرائم ضد القيم المقدسة" و"إثارة الفوضى". لم يكن زريقة إرهابياً. كان شاعراً خطيراً.
محمد شكري دخل السجن قبل أن يتعلم القراءة. في السجن، في سن الواحد والعشرين، كتب أول حرف. لم يكن السجن مدرسة له. كان الكتابة هي الهروب من السجن. لكن السجن علّمه شيئاً واحداً: أن الصمت أشدُّ قسوةً من الجوع.
كلاهما عرفا السجن. لكن السجن لم يُسكتهما. السجن جعلهما يصرخان بأعلى صوت.
الجسد: ما يخاف الناس من قوله
عبد الله زريقة كتب شعراً وُصف بأنه "وحشي، مبعثر، كافر، قبيح متعمد". كأن بيكاسو قرر أن يكتب بالعربية. شعره لم يكن جميلاً بالمعنى التقليدي. كان جارحاً. يدخل فيك كالسكين.
يقول زريقة في قصيدته "أكتب الشعر الآن في جسدي":
"ولدت في عصر الثورة فقير، فقير، فقير حتى كاحلي ولدت حافياً ومريضاً وجائعاً وغاضباً حتى رغوة المحيط كانت في فمي وفي فمي حديد وصخر وكلمات في حداد وأطفال جائعون وجراء صغيرة قتلها البرد والمطر والخوف وناس بملابس ممزقة، حفاة القدمين وفي يدي أسنان بلور وغضب وبكاء الأطفال والمرضى واللوم وها أنا غاضب منفعل ألوم المقتولين وأفتح قلبي ألوم من يستحق اللوم فالجرح فينا عميق والخيانة عميقة والمقتولون بينا يتألمون"
محمد شكري كتب "الخبز الحافي". رواية لم تكن مجرد فقر. كانت جسداً عارياً: الجوع، الجنس، الدعارة، السرقة، العنف الأبوي. الكتاب مُنع في المغرب من 1983 إلى 2000. لماذا؟ لأن شكري قال إن الأب ليس مقدساً. في مجتمع يعبد الأب قبل الله، هذا كان كفراً.
يقول شكري، بجرأة من يعرف الثمن:
"هناك، في المجتمع المغربي، فصيل أكثر تحفظاً. هؤلاء الناس يحكمون على أعمالي بأنها منحلة. في كتبي، لا شيء ضد النظام. أنا لا أتحدث عن السياسة أو الدين. لكن ما يضايق المحافظين، هو ملاحظتي أنني أنتقد أبي. الأب مقدس في المجتمع العربي-المسلم."
ويقول أيضاً:
"حتى هنا في المقبرة هناك أغنياء وفقراء."
ويقول عن طفولته المسروقة:
"لقد نسيت كيف ألعب."
كلاهما كتب الجسد بلا خجل. ذلك الجسد الذي يُخبّئه المثقفون خلف "الأدب الرفيع". زريقة وشكري قالا: الجسد ليس قذراً. القذارة هي أن تتظاهر بأن الجسد غير موجود.
الهامش: حيث تُكتب الحقيقة
زريقة كان صوت عشوائيات بن مسيك. شكري كان صوت شوارع طنجة. لم يكونا يكتبان "عن" الفقراء. كانا منهم. الفرق دقيق وقاتل: الكاتب البرجوازي ينظر إلى الفقير من النافذة. زريقة وشكري كانا ينظران من الداخل.
يقول شكري عن الكتابة:
"أنا لا أستطيع أن أكتب عن لبن الطيور، والخنق اللطيف للجمال الملائكي، وقبضات الندى، وشلال الأسود، والثدي الثقيل للإناث. أنا لا أستطيع أن أكتب بفرشاة الكريستال. بالنسبة لي، الكتابة احتجاج، وليست استعراضاً."
هذا هو السر: الأدب المغربي الحقيقي لم يأتِ من الجامعة. جاء من الزنقة. من السجن. من الزبالة. من الجوع. من الجسد. من الممنوع.
الشجاعة: أن تكون وحيداً
زريقة وشكري لم يكونا جزءاً من أي حركة. لم يكونا ينتظران إذناً من أحد. زريقة نشر ديوانه على نفقته الخاصة. شكري كتب "الخبز الحافي" وهو يملك لا شيء. كلاهما واجها وحدة مطلقة.
يقول زريقة، بصوت من يعرف الوحدة:
"حيث البئر، لأرمي فيها رأسي وأبقي بقية جسدي في بئر أخرى، مليئة بصراخ فراغي؟"
ويقول أيضاً:
"النمل سيأتي إلى جنازتي وسأترك قبراً لمن لم يجد مكاناً ينام."
لكن هذه الوحدة كانت قوتهما. لأن من لا يملك شيئاً، لا يخاف أن يخسر شيئاً.
ذكرى وشكر
في الختام، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى أستاذي الفاضل أعمور محمد، أستاذ مادة الفلسفة، الذي أتاح لي فرصة الجلوس مع محمد شكري بمقهى لاكميدي بالدار البيضاء. تلك الجلسة لم تكن مجرد لقاء. كانت درساً في الحياة من رجل عاشها بكل قسوتها وجمالها.
الأول خرج من حي قصديري، ذلك الحي الشعبي الذي لا يعرفه إلا من عاش فيه. والثاني خرج من قرية بني شيكر. ولم يكتبا في فيلات الدار البيضاء ولا في قصورها. كتبا من القاع، ليعلّما العالم أن الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى حرير، بل إلى جرأة.
الخاتمة: الأدب الحقيقي
اليوم، يُدرَّس محمد شكري في الجامعات. ويُقرأ عبد الله زريقة".
لكن الحقيقة تبقى: هذان الرجلان لم يكونا كاتبين. كانا صرختين. صرخة من قمامة بن مسيك، وأخرى من زبالة طنجة. وما دام الفقر والقمع موجودين، فهاتان الصرختان لم تنتهيا بعد.
رحم الله الشاعر عبد الله زريقة، ومحمد شكري. وأسكنهما فسيح جناتك
التعليقات الأخيرة