حبة القمح والقبر عن الحضارات التي أكلها النسيان
الكاتبة والإعلامية ندين نبيل عبدالله أبو صالحه.
من هنا نبدأ حكاية شعوبٍ انقرضت، وعاداتٍ لم تُسجّل في التاريخ.
نتذكر فيها ما بُذر ولم يُسجّل، ولم يُكتب له الحياة.
إن العصور تتغير، ومراحل الحياة تتبدل، حتى في الموت وفي طرقه. وعلمها عند الله.
ولكن انظر إلى طرق تخزين المطعومات هناك فترات كانوا يدفنون الطعام مع الموتى، لأنه أغلى ما يملك الإنسان. فالإنسان هو طعامه، وهو متاعه.
لكن طرق التخزين تختلف، تماماً كما تختلف الحضارات.
هناك حضارات وصلت إلى القمم، ثم اندثرت.
وكما يقال في الأمثال: "بعد الصعود، العودة إلى المنحدر".
فكن حريصاً أن لا تقع.
التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل تكتبه أيضاً حبة القمح المدفونة، والجرة المكسورة، والعادات التي ماتت في صمت.
ما لم يُكتب، عاش في الذاكرة. وما لم يُدوّن، روته الأرض.
واليوم، ونحن في عصرٍ تتسارع فيه الحياة، ننسى أن لكل صعودٍ نهاية.
فلا تغتر بالقمة، وجهّز زادك ليس في القبور، بل في العقول وفي القيم، فهي وحدها التي لا تندثر.
ولكن حتى الجينات تتغير جودتها وقيمتها في الاختلاط، وحتى الأرض تنهك من كثرة زرعها. فالأرزاق على الله، ولكل شيءٍ مصدر.
وربما أراد مقسّم الأرزاق أن يُرينا ما في قبورهم من الحكمة، والتدبير، والعقل المدبّر.
ولكن الله هو المتحكم، المسيطر عليهم. بيده البدايات والنهايات، وبيده أن يُحي ذكرى قومٍ بعد أن ظننا أنهم أُنسوا.
فإذا مررت يوماً بمقبرة قديمة، أو بإناءٍ فخاري مدفون، تذكّر:
أن أعظم ما نخزّنه ليس في الطين، بل فيما نورّثه من وعي.
وأن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نملأ به أهراءنا، بل بما نزرعه في أرواحنا.
فازرع اليوم ما لا يموت غداً.
دمتم بخير
التعليقات الأخيرة