الرومانسية في زمن الغلاء
بقلم: محمود جاب الله
يقولون إن أول ما يموت في زمن الغلاء هو الحب. يقولون إن الفلوس إذا ضاقت، ضاقت معها القلوب. وإن الوردة صارت ترف، والخروجة صارت حلم، والكلمة الحلوة بقت "مش وقتها".
لكن الحقيقة غير ذلك تماماً.
الرومانسية في زمن الغلاء لم تمت، هي فقط غيرت فستانها. خلعت فستان السهرة الغالي، ولبست عباية البيت البسيطة. بطلت تسأل "هنروح فين" وبقت تسأل "تاكل إيه".
زمان كانت الرومانسية مطعم غالي وكافيه على النيل. النهاردة الرومانسية كيس بطاطس محمرة يتعمل في البيت ونتحكى ونضحك. زمان كانت هدية غالية، النهاردة الرومانسية أنك تقول "أنا هشيل عنك الشهر ده".
الغلاء كشف لنا حقيقة مهمة: أن أغلب ما كنا نسميه رومانسية كان استهلاك. كنا بنشتري الحب بالفلوس. فلما الفلوس قلت، خفنا أن الحب يقل.
ولكن البيوت المصرية الأصيلة قالت كلمتها.
الرومانسية أن الزوج يرجع آخر اليوم ويقول لزوجته "متشيليش هم".
الرومانسية أن الزوجة توفر من مصروف البيت وتجيب لجوزها القميص اللي عينه عليه.
الرومانسية أن أب يشتغل شغلانتين ويرجع يهزر مع ولاده عشان ما يحسهمش بالنقص.
الرومانسية أن أم تقسم الرغيف نصين وتقول "أنا شبعانة".
هذه هي الرومانسية التي لا يهزمها الدولار ولا سعر البنزين. رومانسية الصمود. رومانسية "احنا سوا في المركب دي".
نعم، لم نعد نملك رفاهية السفر والمطاعم. ولكننا نملك ما هو أغلى: الوقت لبعض. نملك القعدة على السطح، والشاي على البلكونة، والضحكة من القلب بعد يوم طويل.
الغلاء علم الناس أن الحب ليس فيما تملك، ولكن فيمن تملك. ليس في الهدية، ولكن في النية.
فلا تحزنوا على زمن الورد. ازرعوا ورد في البلكونة. ولا تبكوا على الخروجات. اعملوا "سينما البيت". الرومانسية لم تغلى، هي فقط أصبحت أرخص وأصدق.
طالما هناك اثنين متمسكين ببعض، فالرومانسية لم ولن تنتهي.. حتى لو ارتفع سعر كل شيء.
التعليقات الأخيرة