news-details
مقالات

حين يتراجع البحر… هل يهرب الماء أم يحذّرنا 

 


بقلم : أزهار عبد الكريم 

عندما تتحدث الطبيعة لا تستخدم الكلمات و لكنها تعطي لنا إشارات وعلينا أن نتعلم كيف نقرأها.
فمنذ أيام، انتشرت صور ومقاطع من الأرجنتين تظهر البحر وقد تراجع بصورة لافتة، وانكشفت مساحات من الصخور كانت مغمورة بالمياه، حتى ظن البعض أن البحر اختفى .لكن الحقيقة أكثر هدوءاً أو أكثر غموضاً
من العنوان المثير…
البحر لم يختفِي، وإنما انحسر ماؤه مؤقتًا نتيجة تداخل عوامل طبيعية، من بينها حركة المد والجزر والرياح وطبيعة قاع البحر.
والأغرب أن ما ظهر أمام الناس لم يكن أرضا جديدة خرجت من باطن البحر وإنما تكوينات صخرية طبيعية موجودة أصلًا تحت الماء لكنها ظهرت إلى السطح عندما انخفض مستوى المياه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية .
لماذا يتراجع البحر؟
نحن نعرف أن البحر يرتفع وينخفض باستمرار.
القمر يجذب مياه المحيطات، والشمس تشارك أيضاً في هذه اللعبة الكونية، والرياح والضغط الجوي وشكل الساحل وقاع البحر كلها عوامل تستطيع أن تجعل مستوى المياه يتغير.
لذلك، ليس كل انحسار للبحر نذير خطر. لكن هناك أوقات يتراجع الماء قليلًا… ثم يعود.
و لكن عندما تحدث تلك الظاهرة فلا  ينبغي أن نقف أمامها لالتقاط الصور.
فهنا  يظهر الوجه الآخر لانحسار المياه فعندما نشاهد البحر  يتراجع فجأة وبصورة غير معتادة، وكأنه ينسحب بعيداً عن الشاطئ. هنا يجب أن نتوقف. أمام تلك الرسالة القادمة من الأعماق .
لأنها بنسبة كبيرة جداً يكون انسحاب مياه البحر نذيراً بالخطر. فعند حدوث   التسونامي ..  فى بعض الأحيان يمكن أن يسبق الموجة المدمرة انحسار مفاجئ لمياه البحر.
ويرجع السبب فى ذلك إلى حدوث الزلازل القوية تحت قاع البحر التي تؤدي إلى إزاحة مفاجئة لقاع المحيط، فتحرك كميات هائلة من المياه. ومن ثم تبدأ الطاقة في الانتشار عبر البحر.
وقد تصل إلى الساحل في صورة تغير مفاجئ في مستوى المياه، ثم تأتي الموجة التي تحمل معها طاقة هائلة. ولهذا فإن منظر البحر وهو يتراجع لمسافة كبيرة وبسرعة، خصوصاً بعد زلزال قوي، ليس مشهداً يستحق الاقتراب منه… بل يستحق الابتعاد عنه.
قد يخطئ الإنسان في تفسير اللحظة. يقول
انظروا… البحر اختفى 
بينما الطبيعة تقول
ابتعدوا عن البحر. 
فأخطر ما يمكن أن نفعله
أن نقترب. أو نقف على الشاطئ نصور. أو أن ننتظر حتى نرى ماذا سيحدث.
فإذا كان الانحسار بالفعل مقدمة لتسونامي، فإن الوقت بين ظهور العلامة ووصول الموجة قد يكون قصيراً.
ولهذا فإن القاعدة البسيطة في المناطق الساحلية هي
إذا حدث انحسار مفاجئ وغير معتاد للبحر، خصوصاً بعد زلزال أو هزة قوية، فلا تنتظر التحذير… ابتعد عن الساحل واتجه إلى مكان مرتفع وآمن.
 لكن ماذا عن الأرجنتين؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
المشهد الذي أثار الجدل في الأرجنتين لا يعني أن تسونامي كان يقترب، ولا يعني أن البحر أختفى بصورة دائمة  بينما هو مثال على ظاهرة طبيعية يمكن أن تجعل البحر ينحسر ويكشف أجزاء من القاع الصخري.
لكن المشهد نفسه يمنحنا فرصة لفهم شيء أكبر
أن الطبيعة قد تنتج منظراً واحداً، لكن أسبابه ليست دائماً واحدة. فيمكن أن يكون 
انحسار طبيعي بسبب المد والجزر والرياح وقد يكون 
انحسار مفاجئ مرتبط باضطراب بحري خطير أو شيء آخر تماماً.
والفارق بينهما قد لا يكون واضحاً للعين غير المتخصصة.

ربما أجمل ما في الطبيعة أنها لا تحتاج إلى أن تصرخ حتى نسمعها . ففي عالم الطبيعة ليست كل علامة نذيراً بالخطر…
لكن بعض العلامات، عندما نفهم لغتها، يمكن أن تمنحنا الدقائق التي قد تنقذ حياة.
وهكذا… لا يكون البحر دائماً مجرد ماء أمام أعيننا، بل قد يكون أحياناً رسولا يحمل إلينا تحذيراً.
وحين تتحدث الطبيعة… علينا أن نتعلم كيف نصغي.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا