من الفراعنة إلى المماليك والعثمانيين.. صراع الكرسي الذي لم ينتهِ
بقلم: محمود سعيد برغش
منذ أن عرف الإنسان معنى الدولة والسلطة، عرف معها شيئًا آخر لا يكاد يفارق تاريخ البشرية: الصراع على الحكم.
تغيّرت العصور، وتبدلت الدول، وسقطت أسر حاكمة وجاءت أسر أخرى، لكن الكرسي ظل هدفًا تتصارع حوله القوى والنخب والأمراء. ومن مصر القديمة إلى العصور الإسلامية، ثم إلى عصر المماليك والعثمانيين، تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة، لكن جوهرها واحد: من يملك السلطة؟ ومن يجلس على العرش؟ ومن يستطيع الاحتفاظ به؟
في مصر القديمة، تعاقبت الأسر والملوك، وشهدت البلاد فترات من الصراع والانقسام، ثم جاءت قوى خارجية كالفُرس والبطالمة والرومان، ولكل مرحلة صراعاتها على النفوذ والسيطرة.
ومع دخول مصر في الحضارة الإسلامية، لم تختفِ الصراعات السياسية؛ بل أخذت أشكالًا جديدة. فقد شهد العصر الأموي صراعات سياسية كبرى، ثم جاءت الثورة العباسية التي أنهت الحكم الأموي وأقامت دولة جديدة، ثم ظهرت داخل الدولة العباسية نفسها صراعات بين الأمراء والقادة وأصحاب النفوذ.
حتى بعض أكثر الشخصيات عدلًا وتقوى لم تستطع أن تمنع صراع أصحاب المصالح من حولها. ويُذكر عمر بن عبد العزيز بوصفه نموذجًا للحاكم العادل، وقد توفي سنة 101هـ/720م، وتوجد روايات تاريخية تتحدث عن تسميمه، لكن لا يصح الجزم بأنه قُتل سياسيًا كحقيقة قطعية.
ثم تعاقبت على مصر دول وسلالات: الطولونيون، والإخشيديون، والفاطميون، والأيوبيون، وكل دولة حملت معها مرحلة جديدة من تاريخ السلطة والصراع عليها.
لكن ربما كانت دولة المماليك من أوضح الأمثلة على خطورة تحول الحكم إلى صراع مفتوح بين أصحاب القوة.
بعد وفاة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب، دخلت مصر مرحلة شديدة الاضطراب. وقُتل ابنه توران شاه سنة 1250م، وانتهى بذلك الحكم الأيوبي في مصر، وبدأ عصر المماليك.
تولى عز الدين أيبك السلطنة، لكنه دخل في صراعات مع كبار المماليك، وكان من أبرزهم فارس الدين أقطاي، الذي أصبح نفوذه خطرًا على السلطان، فدُبر قتله سنة 1254م.
ثم جاءت شجرة الدر، المرأة التي جلست على عرش مصر في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ الإسلامي، قبل أن تنتهي حياتها أيضًا نهاية مأساوية بعد صراعها مع أيبك.
وبعد ذلك ظهر سيف الدين قطز.
لم يكن قطز أمام مهمة عادية. كانت جيوش المغول قد اجتاحت بغداد وبلاد الشام، وبدت مصر نفسها مهددة. فجمع قطز جيشه واتجه إلى الشام، وهناك وقعت معركة عين جالوت سنة 1260م، التي انتصر فيها المماليك على المغول، وأصبح ذلك الانتصار نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة.
لكن المفارقة المؤلمة أن السلطان الذي عاد منتصرًا لم يستمر طويلًا في الحكم.
فبعد عين جالوت تصاعد الخلاف بين قطز وبعض الأمراء، وكان الأمير بيبرس في مقدمة المتآمرين عليه. وفي طريق العودة إلى مصر، قُتل قطز، وتولى بيبرس السلطنة سنة 1260م.
هنا يطرح التاريخ سؤالًا قاسيًا:
كيف يمكن لرجلين أن يقاتلا جنبًا إلى جنب في معركة لإنقاذ البلاد، ثم ينتهي الأمر بأن يكون أحدهما سببًا في قتل الآخر؟
إنها واحدة من أكثر مفارقات التاريخ إيلامًا.
والإنصاف يقتضي أن نقول إن بيبرس لم يكن مجرد قاتل لقطز؛ فقد أصبح بعد ذلك واحدًا من أعظم سلاطين المماليك، وقاد الدولة في حروب ضد المغول والصليبيين، وقوى الجيش والإدارة، وأقام العديد من المنشآت والمساجد، ورسخ مكانة الدولة المملوكية.
لكن الإنجازات لا تمحو الجريمة، كما أن الجريمة لا تعني أن كل إنجازات صاحبها كانت باطلة.
فالإنسان قد يجمع بين المجد والخطأ، وبين البطولة والطموح، وبين البناء والصراع.
ثم استمر صراع المماليك على السلطنة بعد بيبرس، وتوالت الانقلابات والصراعات بين الأمراء، حتى أصبح الوصول إلى العرش في بعض المراحل مرتبطًا بالقوة العسكرية والتحالفات والمؤامرات.
وبعد قرون، جاء العثمانيون.
وفي عهد السلطان سليم الأول هُزمت الدولة المملوكية في معارك حاسمة، وسقطت القاهرة سنة 1517م، وانتقلت مصر من الحكم المملوكي إلى الحكم العثماني.
لكن حتى الدولة العثمانية لم تكن بعيدة عن مأساة الصراع على السلطة؛ فقد عُرف في تاريخها نظام سياسي سمح في فترات معينة بقتل الإخوة الذكور من الأسرة الحاكمة لتجنب النزاع على العرش، وهي سياسة ارتبطت خصوصًا بمرحلة تثبيت السلطنة في عهد بعض السلاطين.
ثم جاء محمد علي باشا إلى مصر في بداية القرن التاسع عشر. ارتفع نفوذه تدريجيًا وسط صراع القوى المحلية والعثمانية، واختاره الأعيان والعلماء واليًا على مصر سنة 1805م، ثم نجح في تثبيت حكمه والقضاء على خصومه، وصولًا إلى مذبحة القلعة الشهيرة ضد المماليك سنة 1811م.
وهكذا نجد أن التاريخ لم يتوقف عن تكرار السؤال نفسه:
من يحكم؟ ومن يملك القوة؟ ومن يجلس على الكرسي؟
قد تتغير الأسماء من قطز إلى بيبرس، ومن سلاطين المماليك إلى سلاطين العثمانيين، ثم إلى حكام العصر الحديث، لكن خطرًا واحدًا يظل قائمًا عندما تتحول السلطة من أمانة إلى غنيمة.
ولذلك جاءت السنة النبوية محذرة من طلب الإمارة لمجرد الرغبة فيها، فقال النبي ﷺ:
«لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها».
فالسلطة ليست تشريفًا فقط، وإنما تكليف ومسؤولية وحساب.
والعبرة الكبرى من كل هذه الصفحات ليست أن نقول إن كل حاكم كان ظالمًا، أو إن كل من وصل إلى الحكم كان خائنًا؛ فهذا ظلم للتاريخ وتبسيط له.
لكن العبرة أن السلطة حين تصبح غاية في ذاتها، يمكن أن يتحول الصديق إلى خصم، والحليف إلى قاتل، والجيش إلى أداة للصراع، والدولة نفسها إلى ساحة للمؤامرات.
قطز هزم المغول في عين جالوت، لكنه لم ينتصر في معركة الصراع على السلطان.
وبيبرس بنى دولة قوية وحقق انتصارات عظيمة، لكنه حمل معه إلى العرش قصة دم صديقه وسلطانه.
وهكذا يظل التاريخ يردد أمامنا درسًا لا ينبغي أن ننساه:
قد تنتصر على عدوك في ميدان الحرب، لكن أخطر الهزائم تبدأ عندما يتحول أبناء الدولة الواحدة إلى أعداء بسبب الكرسي.
فالكرسي الذي يتقاتل الناس من أجله يبقى في النهاية كرسيًا، أما الإنسان الذي يضحي بالعدل والوفاء من أجله، فقد يخسر شيئًا لا يستطيع أي عرش أن يعيده إليه.
تتغير الدول، وتسقط الأسر الحاكمة، وتتبدل الرايات، لكن السؤال يبقى واحدًا:
هل نحكم من أجل الناس، أم نجعل الناس وقودًا من أجل أن نحكم؟
التعليقات الأخيرة