من الفولكلور إلى الرقمنة.. ملامح الهوية الإفريقية في مؤتمر المنظمة الدولية للفن الشعبي
كتب : محمد جمال الدين
إن الوجود الإفريقي لم يكن قط مجرد كينونة جغرافية عابرة في خارطة الوجود البشري، بل هو الينبوع الأزلي للروح الإنسانية، حيث تتداخل جذور التاريخ بتبغ الأرض ودفء الإيقاع الكوني، وحين ترتحل الثقافة من دائرة الفولكلور الساكن إلى أفق الوعي الخلاق، فإنها تتحول إلى جوهر الفلسفة الحية التي تعيد صياغة الإنسان الإفريقي، بوصفه صانعاً للمستقبل لا متلقياً له.
إن إدارة الملف الثقافي الإفريقي اليوم هي بمثابة إضاءة لقناديل الوعي في عتمة التحولات الرقمية والعولمة الجامحة، إلتزاماً بأفق أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، لنكتشف أن الفن ليس ترفاً عارضاً، بل هو شفرة البقاء الكبرى وبناء الروح التي تتأسس عليها تنمية القارة وإستدامة هويتها المشتركة.
وتحت رعاية المنظمة الدولية للفن الشعبي (إقليم أفريقيا الشرقية والجنوبية الشرقية)، ينطلق المؤتمر العلمي الدولي للفنون الإفريقية تحت عنوان "مستقبل الفنون الإفريقية" في الخامس من سبتمبر لعام 2026، ويأتي هذا الحدث الحضاري ليؤكد على حقيقة جوهرية مفادها أن مستقبل إفريقيا يرتبط إرتباطاً وثيقاً بمدى نجاحها في إدارة ملفها الثقافي، إذ لم تعد الثقافة مجرد إرث فولكلوري، بل تحولت إلى محرك أساسي للتنمية المستدامة، والتحول الرقمي، وبناء الهوية المشتركة التي تدعم خطط القارة الطموحة وفي مقدمتها أجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
يقود الهيكل التنظيمي للمؤتمر قامات أكاديمية رفيعة المستوى، حيث تولت رئاسة المؤتمر أ.د. إيمان مهران (ممثل دول الشرق الإفريقي في المنظمة الدولية للفن الشعبي - IOV Regional Executive Director Africa East and South East)، وتتولى مقرر المؤتمر أ.د. نهلة أبسخرون (الممثل الأسبق لجمهورية مصر العربية بالمنظمة)، فيما يشغل منصب أمين المؤتمر د. تامر يحيي (ممثل جمهورية مصر العربية بالمنظمة).
وقد أكدت أ.د. نهلة أبسخرون أن المؤتمر الإفريقي، ومنذ دورته الأولى التي أقيمت في عام 2019، كان حريصاً على أن يكون جسراً راسخاً للتواصل مع الثقافات الإفريقية المتنوعة، مع إبراز احترام تاريخ الثقافات الإفريقية وجذورها العميقة في القارة، وسبل تنميتها في عصر الرقمنة وفقاً لتوجيهات ورؤية رئيس المؤتمر أ.د. إيمان مهران.
يشهد المؤتمر إقبالاً أكاديمياً كبيراً يعكس نبض البحث العلمي في القارة، حيث تقدمت ما يقرب من (ستون ورقة بحثية) حول الفنون والثقافات الإفريقية، تم قبول (44 ورقة) منها بعد أعمال تحكيم علمية دقيقة، ليكون المؤتمر مرآة صادقة لمستقبل الفنون الإفريقية، ويغطي المؤتمر طيفاً واسعاً من المجالات الفنية والمعرفية تشمل: المسرح، السينما، الموسيقى، الأدب، فنون الأداء الحركي، الفنون التشكيلية، الفنون الشعبية، وفنون الطفل.
يستهدف المؤتمر بالأساس العاملين في مجال البحث العلمي الفني المتخصص، سواء في كليات الفنون والعلوم الإنسانية أو المعاهد التابعة لأكاديمية الفنون، وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر مجاني بالكامل ولا توجد أي مصروفات للمشاركة، كما أنه يقام إلكترونياً بالكامل مع توفير نشر علمي دولي معتمد، وتأكيداً على البُعد القاري والإقليمي، يشارك في أعمال المؤتمر نخبة من الباحثين والمحكمين يمثلون 14 دولة شقيقة وصديقة، وهي: لبنان، اليمن، المغرب، الجزائر، السودان، الكويت، أريتريا، فلسطين، جنوب السودان، جزر القمر، تشاد، إضافة إلى جمهورية مصر العربية والدول الأخرى الممثلة في لجان التحكيم والبحث، لترسخ هذه المشاركة الواسعة العمق الإفريقي والعربي المتشابك.
وعن الأبحاث التي تم إجازتها في مجال المسرح، يشارك الباحث سيد أحمد أحمد من السودان بورقة بحثية عنوانها "هوية المسرح الأفريقي في الساحة العالمية: تجارب من المسرح السوداني"، وتشارك الباحثة خديجة أحمد مسعود من الجزائر ببحث تحت عنوان "المسرح الإفريقي بين الجذور التقليدية ووظائف التغيير الاجتماعي والسياسي"، كما يشارك الباحث عيد عبد الحليم من مصر ببحث "المسرح الإفريقي بين الواقع وفضاء الموروث الشعبي"، ويشارك الباحث حيمور مصطفى من الجزائر ببحث "إعادة تشكيل الرمز في المسرح النيجيري: قراءة في مسرحية عابدات باخوس لوول سوينكا".
وفي مجال السينما، يشارك الباحث عبد العزيز آيت عبد القادر من الجزائر ببحث حول "دور الموسيقى الفيلمية في تفعيل الهوية الإفريقية من خلال السينما الجزائرية"، ويشارك الباحث عادل ضيف الله من السودان ببحث بعنوان "استخدامات الذكاء الإصطناعي في الدراما التليفزيونية السودانية"، كما تشارك الباحثة كلثوم بلعباسي ببحث يتناول "الأسطورة والهوية البصرية في السينما الجزائرية".
وفي مجال الموسيقى، تشارك مقررة المؤتمر أ.د. نهلة أبسخرون ببحث عنوانه "آلات الموسيقى الشعبية ورقمنتها: دراسة في الحفظ والتوثيق"، ويشارك الباحث د. محمد آدم سليمان أبو البشر من السودان ببحث "تنوع التراث السوداني والاستلهام في غناء عمر إحساس"، كما يشارك الدكتور صالح محروس محمد من مصر ببحث "الرقمنة والموسيقى العربية في شرق أفريقيا"، وتشارك الباحثة هبه رمضان حسن من مصر بدراسة ميدانية حول "التطبيقات الرقمية على فن الموسيقى الأفريقية: فرق الأفارقة في دول اللجوء والنزوح بمحافظة القاهرة"، ويشارك الباحث د. رجاء موسى عبد الله من السودان ببحث "التنوع الإيقاعي والمقامي فى التراث الموسيقي السودانى وتأثيراته العالمية"، وتشارك الباحثة أ. د / نهلة أبسخرون معوض ببحث "آلات الموسيقى الشعبية ورقمنتها - دراسة في آليات الحفظ والتوثيق"، ويشارك الباحث خالد القلاف من الكويت ببحث "الإيقاعات الإفريقية في الفنون البحرية الكويتية: دراسة في الأنثروبولوجيا الموسيقية"، وتشارك الباحثة سارة سعودي من مصر ببحث حول "التنوع والاستلهام في فنون الموسيقى الإفريقية: دراسة حالة الموسيقى السودانية".
أما في مجال الفنون التشكيلية، تشارك الباحثة ياسمين هلالى ببحث عن "المتاحف وترسيخ القيم الوطنية في ظل العولمة: دراسة حالة مستقبل دور المتاحف الموريتانية في العصر الرقمى"، وتشارك الباحثة إيناس حسن عبد الرحيم ببحث "رموز الموتى في الفن الأفريقي كمصدر لاستلهام تصميم أعمال فنية معاصرة"، كما يشارك الباحث هشام يوسف خوجة من الجزائر ببحث "استلهام الرموز والشعارات الامازيغية في الفن التشكيلي المعاصر: قراءة نقدية في بعض أعمال الفنانين الجزائريين"، وتشارك الباحثة مي عصام زهيري من مصر ببحث حول "متاحف الفنون التشكيلية وترسيخ الهوية المصرية في مواجهة العولمة الثقافية: دراسة في مبادرات الإتاحة والتمكين الثقافي".
وفي مجال الفنون الشعبية والتراث، تقدم رئيس المؤتمر أ.د. إيمان علي مهران بحثاً بعنوان "تفكيك الموروث الإفريقي في عصر الرقمنة"، وتشارك الباحثة رزيقة حيزير من الجزائر ببحث "تمثّلات الرّقص الأمازيغي في TikTok: قراءة في تحوّلات الهويّة والممارسة الفنيّة"، كما يشارك الدكتور تامر يحيي أمين المؤتمر ببحث "مستقبل فنون الأداء الحركي الأفريقي المعاصر في عصر الرقمنة"، ويشارك الباحث د. محمد عبيد من مصر ببحث "صون التراث المادي واللامادي في إفريقيا - التجربة المصرية نموذجاً"، وتشارك الباحثة يمينة بن صغير حضري من الجزائر ببحث "المعتقدات الشعبية والفنون في قصور وادي ريغ بالجنوب الجزائري"، ويشارك الباحث معتصم عديلة من فلسطين ببحث "الخبرة الثقافية في عصر الرقمنة: قراءة أنثروبولوجية فينومينولوجية في مستقبل موروث الثقافات الشعبية الإفريقية"، ويشارك الباحث عاطف آدم محمد عجيب من السودان ببحث "الأنثروبولوجيا الطقسية وبناء السلام: قراءة في التحولات الوظيفية لطقس جدع النار بإقليم النيل الأزرق"، كما تشارك الباحثة د.أحلام محمد نوارة (أحلام أبونوارة) من مصر ببحث "الخامات البيئية وهوية واحة سيوة التراثية"، ويشارك الباحث أبو الفتوح مساعد البرعصي من مصر ببحث "شعر البادية الموروث الشعبي المشترك بين مصر وليبيا: غناوة العلم نموذجاً"، وتشارك الباحثة خدجة إدريس عثمان من أرتريا ببحث "مستقبل موروث الثقافات الشعبية الأفريقية في عصر الرقمنة: التجربة الأرتيرية نموذجاً"، ويشارك الباحث ازهري حسن احمد محمد من السودان ببحث "دور التيك توك في المحافظة على طقوس الزواج التقليدية في السودان"، ويشارك الباحث رمضان أحمد شهاوي من مصر ببحث "ملحمة ذات الهمة كنموذج استراتيجي لتطوير الصناعات الإبداعية"، ويشارك الباحث د. رشيد أمحجور من المغرب ببحث "قضايا الاستلهام وفنون الأداء الشعبي الإفريقي: نماذج من الفرجات المغربية"، وتشارك الأستاذة الدكتورة جيهان إبراهيم السيد خريبه من مصر ببحث "التقاليد الشفوية والقيم المجتمعية في الحكايات الشعبية المصرية: منظور أفريقي"، ويشارك الدكتور نزار غانم من اليمن ببحث "رقصة الطنبورة النوبية في سواحل دولة اليمن: فن أفرويمني"، وتشارك الباحثة أسماء صولة من الجزائر ببحث "أنثروبولوجيا الفضاءات الحضرية والفن الشعبي: قراءة في تمثلات الهوية وإعادة إنتاج الموروث الثقافي بالمدن الإفريقية المعاصرة"، وتشارك الباحثة كريمة زيتوني من الجزائر ببحث "أصالة الخيل وروائع ما قيل فيها من الشّعر الشّعبي: قراءة في نماذج مصرية وجزائرية".
أما في مجال الأدب وفنون الطفل، تشارك الباحثة ليلى خليل علي من لبنان ببحث حول "المجتمع والمرأة في السودان في زمن التحوّلات: غضب وكنداكات - أمير تاج السر - أنموذجاً"، وتشارك الباحثة ياسمين الهلالي من مصر ببحث "الفنون الإفريقية في الإعلام الغربى: نحو سردية إعلامية جديدة"، ويشارك الباحث هاشم الخليفة عثمان من السودان ببحث "رقمنة الشعر الشفاهي للقبايل الإفريقية المنقسمة بفعل الحدود السياسية: الشعر الشفاهي بلغة التقريت لقبائل الحباب في السودان وإرتريا"، وفي مجال فنون الطفل، ويشارك الباحث الصديق أحمد نور الدائم إدريس من السودان ببحث "تعزيز حضور المثل الشعبي السوداني في الفضاء الرقمي من خلال دراما الطفل"، ويشارك الباحث د. محمد جمال الدين أمين من مصر ببحث "الذكاء التربوي الموازى كآلية لتفكيك التحيزات الثقافية فى محتوى الذكاء الاصطناعى المقدم للطفل المصرى".
إن فاعليات هذا المخاض الفكري والمعرفي ليس إلا شرف البداية الكبرى لصحوة القارة السمراء، فالفنون الإفريقية بما تحمله من طاقة تعبيرية ورمزية لا تختزل الزمن، بل تعيد خلقه من جديد في ضمير الإنسانية جمعاء، وحين تلتقي الأرواح والبحوث في مؤتمر مستقبل الفنون الإفريقية، فإنها تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهوية ليست جداراً عازلاً، بل هي نافذة مفتوحة على أفق الكون الواسع، حيث يتجسد الإبداع بوصفه الملاذ الأخير للإنسان الإفريقي، لكي يكتب تاريخه بحبر الروح والحرية والتجدد الدائم.
التعليقات الأخيرة