news-details
صناديق المؤشرات

رد الدكتور علي جمال عبد الجواد على طرح حسن هيكل، مستشار رئيس الوزراء: «عندما تطبق الدولة المقايضة الصغرى – ماسبيرو»

الدكتور علي جمال عبد الجواد هو أكاديمي مصري وخبير بارز في مجال التمويل والاستثمار والأسواق المالية. يشغل حالياً منصب مدرس الاستثمار والتمويل بقسم إدارة الأعمال في كلية التجارة.

 

الفكرة في جوهرها ليست "تصفيرًا للدين" بقدر ما هي إعادة هيكلة للميزانية العمومية للدولة، ولذلك فإن تسميتها بـ"المقايضة الكبرى" تحتاج إلى قدر من الدقة الاقتصادية.

في حالة ماسبيرو، فإن نقل الدين إلى كيان حكومي آخر مقابل أصول مملوكة للدولة يؤدي إلى تخفيف المديونية على الجهة المدينة، لكنه لا يعني بالضرورة اختفاء الالتزام على مستوى القطاع الحكومي ككل؛ فالمديونية انتقلت من ميزانية إلى أخرى، بينما انتقلت الأصول في الاتجاه المقابل. وبالتالي فإن العملية تصبح ذات أثر حقيقي على المالية العامة فقط إذا ارتبطت بإعادة هيكلة فعلية للتدفقات النقدية، وتحسين العائد على الأصول، وخفض تكلفة خدمة الدين، وليس بمجرد تغيير الجهة التي يظهر فيها الدين.

وعند الانتقال من "مقايضة ماسبيرو" إلى "المقايضة الكبرى للدولة"، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. فاستبدال الدين العام المحلي بملكية الدولة في شركات عامة أو بأصول استراتيجية مثل قناة السويس لا يؤدي تلقائيًا إلى اختفاء الدين اقتصاديًا؛ لأن السؤال الأساسي هو: من يملك الأصل بعد المقايضة؟ ومن يتحمل الالتزام؟ وما القيمة العادلة للأصل؟ وما التدفقات النقدية التي كان يحققها للدولة مستقبلًا؟ وهل تم بيع أصل منتج لتسديد التزام قصير أو متوسط الأجل؟

ومن منظور المالية العامة، يمكن أن تكون الفكرة قابلة للنقاش فقط إذا صُممت باعتبارها عملية لإدارة محفظة أصول والتزامات الدولة، وليس باعتبارها عملية محاسبية لتصفير رقم الدين. فإذا كانت الدولة تمتلك أصولًا ذات قيمة اقتصادية مرتفعة وتدفقات نقدية مستقرة، فقد يكون من الأفضل في بعض الحالات إعادة هيكلة ملكيتها أو استثمارها أو تحويل جزء منها إلى أصول مالية سائلة بهدف خفض تكلفة خدمة الدين، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى فقدان مصادر دخل مستقبلية تفوق الوفر المحقق من خفض الدين.

أما إدخال البنك المركزي في المقايضة فيحتاج إلى تحفظ أكبر بكثير. البنك المركزي ليس مجرد بنك تجاري تابع للحكومة يمكن أن يحمل أصول الدولة مقابل الدين العام؛ فله ميزانية ووظائف مستقلة تتعلق بإدارة السياسة النقدية والاحتياطيات والسيولة وسلامة النظام المالي. وتحميل البنك المركزي أصولًا حكومية مقابل التزامات مالية قد يخلق تشابكًا بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وقد يضعف وضوح حدود المسؤولية بين وزارة المالية والبنك المركزي، فضلًا عن أن أي ترتيب من هذا النوع يجب أن يراعي أثره على التضخم والسيولة وسعر الصرف والمصداقية النقدية.

اقتصاديًا، المشكلة الحقيقية ليست حجم الدين وحده، وإنما تكلفة الدين مقارنة بمعدل نمو الاقتصاد والعائد على الأصول العامة. فإذا كان العائد الاقتصادي والاجتماعي على الأصول العامة أعلى من تكلفة الدين، فإن التصرف غير المدروس في هذه الأصول لسداد الدين قد يكون قرارًا غير كفء. أما إذا كانت بعض الأصول منخفضة العائد أو غير مستغلة، بينما تتحمل الدولة تكلفة مرتفعة لخدمة الدين، فإن إعادة هيكلة تلك الأصول قد تكون أكثر منطقية.

وهنا تأتي السياسة النقدية: إذا نجحت الدولة في خفض احتياجات الاقتراض المحلي بصورة حقيقية، فقد ينخفض الضغط على أسعار الفائدة المحلية، ويتراجع ما يعرف بـ"مزاحمة" القطاع الخاص، بما يسمح بتوجيه قدر أكبر من التمويل نحو الاستثمار والإنتاج. لكن تحويل أصول الدولة إلى البنك المركزي أو استخدام عملية محاسبية لتقليل الدين دون خفض فعلي للاحتياجات التمويلية لن يخلق هذا الأثر تلقائيًا؛ بل قد يؤدي إلى آثار نقدية وسعرية غير مرغوبة.

أما سياسيًا، فنجاح أي "مقايضة كبرى" لا يُقاس بعبارة "تصفير الدين"، وإنما بما يصل إلى المواطن فعليًا. إذا أدى خفض خدمة الدين بصورة مستدامة إلى زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار العام، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة، فهنا يصبح للمقايضة أثر اقتصادي واجتماعي ملموس. أما إذا انخفض الدين على الورق بينما انتقلت الالتزامات إلى جهة حكومية أخرى أو جرى بيع أصول مدرة للدخل دون معالجة أصل المشكلة، فلن يشعر المواطن بتحسن مستدام.

والأدق اقتصاديًا إذن أن نتحدث عن "إعادة هيكلة كبرى للميزانية العمومية للدولة" وليس مجرد "تصفير الدين العام". الهدف يجب أن يكون تحويل الدولة من إدارة أزمة ديون إلى إدارة متكاملة للأصول والالتزامات: تحديد الأصول القابلة للتسييل، والأصول الاستراتيجية التي لا ينبغي التفريط فيها، والأصول القابلة للتطوير، ثم استخدام جزء من عوائدها أو حصيلتها لخفض تكلفة الدين، بالتوازي مع إصلاح العجز الأولي، وزيادة الإيرادات الإنتاجية، وترشيد الإنفاق، ورفع معدل النمو.

أما القول بأنه "لا يوجد حل آخر للدين العام المحلي" فهو اقتصاديًا مبالغ فيه. فهناك عدة مسارات يمكن أن تعمل معًا: النمو الاقتصادي، خفض العجز الأولي، إطالة آجال الدين، خفض تكلفة الاقتراض، تطوير الأصول العامة، توسيع القاعدة الضريبية دون إضعاف النشاط الاقتصادي، زيادة الإيرادات غير الضريبية بكفاءة، وتنشيط الاستثمار الخاص والأجنبي. المقايضة يمكن أن تكون أداة من أدوات الحل، لكنها ليست الحل الوحيد ولا ينبغي أن تتحول إلى هدف في حد ذاتها.

الخلاصة التي تصلح يا معالى المستشار رئيس الوزراء

"المقايضة الكبرى" يمكن أن تكون فكرة قوية إذا انتقلت من مفهوم تصفير الدين محاسبيًا إلى مفهوم إعادة هيكلة الميزانية العمومية للدولة اقتصاديًا؛ أي استبدال أصول منخفضة الكفاءة أو غير المستغلة، عند توافر شروط ذلك، بالتزامات مرتفعة التكلفة، مع الحفاظ على الأصول الاستراتيجية ومصادر الدخل السيادية. النجاح الحقيقي ليس أن يصبح رقم الدين صفرًا، وإنما أن تنخفض خدمة الدين كنسبة من الإيرادات والناتج، وتتحسن قدرة الدولة على تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار، دون خلق مخاطر نقدية أو التضحية بالأصول التي تمثل ثروة الأجيال القادمة. لذلك فـ"المقايضة الكبرى" يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية لإدارة أصول والتزامات الدولة، لا مجرد نقل للدين من ميزانية إلى أخرى."

 
 
 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا