news-details
مقالات

بين يقين باقي ، وأثر اندثر

 

 

بقلم الفنان التشكيلي والنحات 

هاشم الجمعان 

بين يقين باقي ، وأثر اندثر ، تتجلا رؤية الفنان ، سرد فني يبقي الحقيقة في مكانها المهجور ، ويعود بالذكريات عبر المزيج المحسوس في ذاكرة بصرة ، وعمق العقل ، متشبث بنسيم الحظة ، التي لا يريد مغادرتها ،

دعونا نطلق حوار للعقل عن أيدلوجية الفن والفنان الحقيقي

بين طيات هذه العبارة الرفيعة للفنان هاشم الجمعان ، يلتقي الفن بالفلسفة ليصوغا معاً تجربة إنسانية وجدانية مكثفة حول الزمن، والذاكرة، والتشبث باللحظة ،

"في الفجوة القائمة بين الأزل والعدم ، تتشكل ماهية الفن بوصفها الملاذ الأخير للحقيقة ؛ حيث لا يندثر الأثر إلا ليُبعث حياً في إدراك الفنان ، إن لوحة الفنان ليست مجرد انعكاس للواقع ، بل هي استحضار للزمن المفقود وتجسيد مادي للذاكرة الحسية ، هو فعلُ صمودٍ كينوني يتشبث باللحظة العابرة ، ليحول حركة الزمن الهاربة إلى سكونٍ أبدي لا يزول."

يقوم هذا النص على ثنائيات متضادة تُعبر عن جوهر التجربة الإبداعية:

اليقين الباقي والأثر المندثر (ثنائية الوجود والعدم ):

اليقين: يمثل الحقيقة الأبدية أو المعنى الجوهري للوجود ،

الأثر المندثر: يرمز إلى فناء المادة وتلاشي الأشياء الفيزيائية عبر الزمن ،

الفكرة: الفن يقع في المنطقة الوسطى ، فهو يأخذ الأثر الذي يوشك على الفناء ويمنحه خلوداً في هيئة عمل فني ،

الحقيقة في مكانها المهجور (أنطولوجيا المكان والزمن):

المكان المهجور ليس مجرد مساحة خالية ، بل هو الأرشيف المسكوت عنه للذكريات ، الفنان لا يخلق واقعاً جديداً بقدر ما يُعيد "اكتشاف" و"إنقاذ" الحقيقة القابعة في النسيان ،

المزيج المحسوس بين البصر والعقل (ظاهراتية الإدراك):

الذاكرة هنا ليست عملية عقلية مجردة ، بل هي "مزيج محسوس". العين ترى ، والعقل يعالج ، والمشاعر تصوغ العمل ، هذا التكامل بين البصري والذهني هو ما يعطي الفن روحه وجاذبيته ،

نسيم اللحظة والتشبث بها (فلسفة الزمن :

اللحظة في أصلها عابرة كـ "النسيم"، لكن الفنان يرفض مغادرتها ، الفعل الفني هنا هو محاولة إيقاف الزمن (Freeze Frame) وتحويل اللحظة الزائلة إلى خلود دائم ،

المقابلة الأدبية / الفلسفية المفترضة

(المحاور): نقف عند ثنائية غريبة بين "يقينٍ باقي" و"أثرٍ اندثر". كيف يستطيع الفنان أن يقف في هذه المسافة الضيقة بين الوجود والغياب؟

الفنان في جوهره حارس للذاكرة ، العالم من حولنا يتغير باستمرار ، والأشياء المادية تندثر ، لكن "المعنى" أو "اليقين" يظل ثابتاً ، العمل الفني هو الجسر الذي نبره لنصل إلى هذا اليقين ، إنه محاولة لمنع الحقيقة من السقوط في الفناء ،

(المحاور): تحدثت عن "الحقيقة في مكانها المهجور". هل تعتقدون أن الأماكن والأشياء المنسية تمتلك حقيقة أعمق من تلك التي نعيشها في حاضرنا المزدحم؟

بالتأكيد ، الصخب اليومي يغطي على جوهر الأشياء ، أما "المكان المهجور" فهو المساحة التي يتوقف فيها الزمن ، وتتحرر فيها الحقيقة من قشرتها السطحية ، الفن لا يخترع الحقيقة ، بل يعود إلى تلك الأماكن المهجورة في أرواحنا وفي واقعنا لينبش عنها ويُعيد تقديمها ،

لقد استخدمت تعبير "المزيج المحسوس في ذاكرة البصر وعمق العقل" ، كيف يتحول الانطباع البصري المادي إلى عمق فلسفي في العمل الفني؟ 

العين وحدها تسجل الأشكال ، والعقل وحده يحلل المفاهيم ، لكن الفن يحدث في النقطة التي يلتقيان فيها ، الذاكرة البصرية تُشحن بالمشاعر والخبرات العقلية ، فيصبح الملمس، واللون ، والضوء أدوات تحرك ركود العقل ، ليعود الشخص بالذاكرة ليس فقط ليما رأه ، بل لما "شعر به" ،

ونختم الكلام بصورة شاعريّة جداً "متشبث بنسيم اللحظة ، التي لا يريد مغادرتها" ، هل الفن في النهاية هو محاولة مأساوية أو جماد جماعي لإيقاف زمن لا يتوقف ؟

قد تبدو محاولة مأساوية للوهلة الأولى لأن الزمن لا يتوقف فعلياً ، لكنها في الحقيقة انتصار للإنسان ، "نسيم اللحظة" يمر بسرعة ، ولكن عندما يجسده الفنان في لوحة أو منحوتة أو كلمة ، فإنه يعطي لهذه اللحظة الخلود ، الفنان لا يهرب من الزمن ، بل يستبقيه ليشرك العالم معه في سحر تلك اللحظة التي رفض أن يغادرها.

تحياتي للجميع ، الفن ليس لاشباع الوقت فقط بل لاكتشاف الوقت والذات ، اخوكم هاشم الجمعان

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا