news-details
مقالات

ما بعد السيادة الشكلية: محددات الانسحاب الأمريكي وحصر السلاح في العراق - قراءة في بنية الدولة ما بعد 2026..!!

 


غيث العبيدي - كاتب عراقي مستقل.

▪️ المقدمة :

تقوم فرضية الإنتقال من السيادة الشكلية إلى السيادة الفعلية في العراق على مسارين متلازمين وهما، الإنسحاب العسكري الأمريكي، وإحتكار الدولة للسلاح، وهذا يعني بأن أي مقاربة أنتقائية لأحد المسارين دون الآخر ستؤدي إلى إنتاج فراغ إستراتيجي، وليس إلى بناء دولة، ونعتمد هنا على المنهج الواقعي في العلاقات الدولية ونظرية الدولة الريعية.

أولاً : الإطار النظري لمفهوم السيادة بين ماكس فيبر وروبرت كيغن.

يعرف ماكس فيبر الدولة بأنها "الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة، لكن التجربة العراقية أثبتت أن هذا التعريف ناقص.
فالسيادة في الدولة الريعية النفطية لا تقاس فقط بأحتكار السلاح، بل بأحتكار القرار الإقتصادي. وهنا تبرز مفارقة ”لعنة الدولار“ التي ذكرتها في مقالي السابق، فكيف لدولة تحتكر السلاح نظرياً، بينما تحتكر الولايات المتحدة أحتياطيها النقدي عبر البنك الفيدرالي؟

ويعترف المنظر الأمريكي الأبرز ”روبرت كيغن“ في 2026، بأن واشنطن فقدت قدرتها على فرض إرادتها في مضيق هرمز أمام طهران وهو إعتراف بنيوي يقوم على أن مفهوم القوة الأمريكية قد تآكل وعليه، فإن الإنسحاب الأمريكي من العراق لا يمكن قراءته كقرار إستراتيجي ، بل كجزء من تراجع بنيوي لمنظومة الهيمنة الأحادية.

ثانياً: إشكالية الإنسحاب.

تصنف الأدبيات الاستراتيجية الانسحاب إلى نوعين:

1️⃣  الانسحاب التكتيكي (إعادة التموضع) بمعنى خروج القوات القتالية مع الإبقاء علىالسيطرة الجوية والاستخبارية والسيطرة المالية عبر آلية بيع النفط بالدولار وحجزه في الفيدرالي الأمريكي والنفوذ السياسي المتمثل بالسفارة الأمريكية كأكبر مجمع دبلوماسي عسكري في العالم.
وهذا ما حدث فعلاً في أفغانستان.

2️⃣  الانسحاب الإستراتيجي،  ويعني الخروج الشامل للمنظومة  العسكرية والإقتصادية والسياسية الأمريكية، مع إنتقال العراق من حقل نفوذ إلى دولة ذات سيادة حقيقية.
المؤشرات الميدانية في العراق حتى هذه اللحظة تشير إلى أن واشنطن تمارس النوع الأول. فهي تتحدث عن الإنسحاب، لكنها ترفض في نفس الوقت تزويد العراق بمنظومة دفاع جوي متكاملة، وتمنع تسديد مستحقات الغاز الإيراني، مما يبقي العراق في حالة تبعية طاقوية وأمنية لها.

إذن، لا سيادة فعلية بدون إنسحاب إستراتيجي.

ثالثاً : إشكالية حصر السلاح.

تواجه عملية حصر السلاح بيد الدولة في العراق ثلاث معضلات بنيوية:

▪️المعضلة القانونية.

هيئة الحشد الشعبي هيئة رسمية بموجب القانون رقم 40 لسنة 2016، وتتبع القائد العام للقوات المسلحة. بالتالي، فإن مقاربة حصر السلاح التي تتعامل مع الحشد ككيان خارج الدولة هي مقاربة غير دستورية. المقاربة الدستورية هي إعادة هيكلة وتنظيم، لا حله أو نزع سلاحه.

▪️معضلة الأمن المجتمعي.

وفق نظرية العقد الإجتماعي لتوماس هوبز، يسلم المواطن سلاحه للدولة عندما تضمن له الأمن، والمواطن العراقي في مناطق حزام بغداد والأنبار والموصل بل وعموم الشعب العراقي عاش تجربة إنهيار الحدود عام 2014، وبالتالي، فإن سلاح الحشد الشعبي والمحلي هو بالنسبة له ضمانة بقاء، وليس مظهر فوضى، ولا يمكن نزعه بدون بناء عقد ثقة جديد بينهم وبين الدولة.

▪️ معضلة الأزدواجية المعيارية.

لا يمكن إقناع الشارع العراقي بحصر السلاح بينما يوجد:

1️⃣  ترسانة داخل السفارة الأمريكية تتجاوز تسليح فرقة عسكرية كاملة.

2️⃣. شركات أمنية أمريكية خاصة ومسلحة بأسلحة دقيقة، تعمل خارج القانون العراقي.

3️⃣  سلاح البيشمركة خارج منظومة وزارة الدفاع الاتحادية.

4️⃣  سلاح عشائري منتشر بمئات الآلاف.

إن انتقائية التطبيق ستحول المشروع من مشروع وطني لبناء الدولة، إلى مشروع سياسي لتصفية خصوم سياسيين، مما يفقد الدولة شرعيتها.

رابعاً : السيناريو المقترح - نموذج التلازم الإستراتيجي.

تقترح هذه الورقة نموذج ”التلازم الاستراتيجي“ كبديل عن النموذج الأنتقائي مثل :

1️⃣  تلازم الانسحاب مع التسليح، ففي كل مرحلة أنسحاب أمريكي يجب أن تقابلها مرحلة تسليح عراقي حقيقي (دفاع جوي، طيران مسير، منظومة أستخبارات إلكترونية) عبر تنويع مصادر السلاح بعيداً عن الاحتكار الأمريكي.

2️⃣  تلازم حصر السلاح مع الإصلاح المؤسسي، وحصر السلاح الثقيل والمتوسط في معسكرات خارج المدن، ودمج المقاتلين في منظومة دفاع وطني موحدة بعقيدة عسكرية وطنية غير فئوية، مع ضمان التمثيل العادل والمتوازن.

3️⃣  تلازم السيادة العسكرية مع السيادة النقدية، فلا يمكن الحديث عن جيش وطني بينما رواتب هذا الجيش تتحكم بها وزارة الخزانة الأمريكية، وتحرير الدينار العراقي من هيمنة الدولار الأمريكي هو شرط بنيوي للسيادة العسكرية.

▪️ الخاتمة :

إن العراق أمام مفترق طرق تاريخي. إما أن يتحول الانسحاب وحصر السلاح من شعارين إنتخابيين إلى مشروع وطني متكامل ينتقل بالعراق من السيادة الشكلية (رفع العلم فوق القواعد) إلى السيادة الفعلية (أمتلاك القرار السياسي والإقتصادي والعسكري).

وإما أن يبقى العراق في حلقة الدولة المخترقة، حيث يخرج الجندي الأمريكي من الباب ليعود كمتعاقد أمني من النافذة، ويُجرد ابن الجنوب من سلاحه ليبقى سلاح السفارة هو الضامن الوحيد للأمن.

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تبنى بنزع سلاح أبنائها، بل ببناء ثقة أبنائها بدولتهم. وعندما يثق العراقي بأن دولته ستدافع عنه ضد داعش وضد الفساد وضد التدخل الأمريكي والأسرائيلي والتركي، عندها فقط سيسلم سلاحه طوعاً، لا كرهاً.

وبكيف الله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا