جزيرة ميون.... عندما تلتقي الجغرافيا العسكرية بحرب العملات
بقلم أزهار عبد الكريم
عندما نشاهد ما يحدث في المنطقة باعتباره مجرد صراع بين إيران وإسرائيل، أو مواجهة بين الحوثيين والسعودية، قد تفقد الصورة المشهد الأكبر.
فخلف صواريخ تطلق من هنا وسفينة تتوقف هناك ومضيق يضطرب وجزيرة صغيرة تظهر فجأة في عناوين الأخبار ... هنا نتوقف عند خريطة أخرى أكثر اتساعا... خريطة الممرات التي يتحرك من خلالها نفط العالم وتجارته وخريطة النظام المالي الذي يدفع ثمن هذه الحركة.
جزيرة ميون أو بريم. البوابة التي لا تبدو مهمة على لخريطة فهي تبدو صغيرة جدآ إذا نظرنا إليها على الخريطة. لكن موقعها مختلف تماماً عن حجمها.فهي تقع عند مدخل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ومع وصول الحوثيين إلى مواقع استراتيجية حول باب المندب، تحولت الجزيرة الصغيرة إلى قطعة كبيرة في لعبة أكبر.
مضيق هرمز... بوابة الطاقة فهو ليس مجرد ممر مائي ضيق بين إيران وعمان. بل
إنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وأي اضطراب فيه لا يعني فقط مشكلة لإيران أو دول الخليج بل يمكن أن يمتد أثره إلى أسعار الطاقة والأسواق العالمية.ومن ثم يصبح الوجود الأمريكي في الخليج أكثر من مجرد وجود عسكري فهو يمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في أمن واحد من أهم طرق الطاقة في العالم.
وهنا تظهر المعادلة ونستطيع توضيح الصورة أكثر
هرمز يتحكم في بوابة الطاقة من الخليج، وباب المندب يتحكم في أحد أهم طرق التجارة القادمة من آسيا إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس.
فإذا اضطرب الأول، اضطربت الطاقة.
وإذا اضطرب الثاني،اضطربت التجارة.
وهنا نستطيع القول أن أمريكا لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة يكفيها التحكم بها عن بعد...ففي الجغرافيا السياسية الحديثة السيطرة لا تعني بالضرورة رفع العلم فوق جزيرة.
بل تكون السيطرة الحقيقية هي أن تصبح الدولة صاحبة الكلمة الأكثر تأثيراً فى القرارات... فالسيطرة المباشرة ليست ضرورية. إذا أصبحت واشنطن هي القوة التي تستطيع أن تقول
هذا المضيق مفتوح، وهذا الطريق آمن، وهذه السفن تستطيع المرور، وهذا الطرف ممنوع من تهديد الملاحة
فهي تمتلك نفوذاً استراتيجياً يفوق مجرد امتلاك جزيرة..
لذلك كلما ارتفع مستوى الخطر ارتفعت حاجة دول المنطقة إلى القوة القادرة على توفير منظومات الدفاع الجوي، والاستخبارات، والاستطلاع، وحماية الملاحة.
وبذلك قد تتحول الأزمة نفسها إلى مصدر نفوذ أمريكي..
ومن هنا يمكن فهم أهمية التحالفات العسكرية الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر...
فوجود إيران كقوة إقليمية تهدد الملاحة وأمن الخليج يجعل دولاً عربية أكثر احتياجا إلى المظلة الأمنية الأمريكية...
ووجود الحوثيين كقوة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب يجعل البحر الأحمر بدوره ساحة تحتاج إلى ترتيبات أمنية دولية.
وهنا قد تتحول إيران والحوثيون إلى عوامل تدفع المنطقة باتجاه مزيد من الاعتماد على القوة الأمريكية.
والسؤال الذي يجيب عن نفسه هو .. من يستفيد من استمرار حالة الخوف والتهديد؟
لذا كان من المتوقع أن ترضخ السعودية للضغوط الأمريكية
حيث وجدت نفسها في الوقت الحالي أمام تهديدين
التهديد الأول هرمز، حيث اضطربت حركة الطاقة.
التهديد الثاني باب المندب، الذي كانت تعتمد عليه كمسار بديل لصادراتها النفطية.
فإن وصول الحوثيين إلى ميون جاء في الوقت الذي تعرض فيه خط الأنابيب السعودي شرق غرب لهجوم بطائرة مسيرة، وهو الخط الذي يوفر للسعودية بديلًا عن هرمز. ... لتجد نفسها فى حرب إقليمية تحتاج صمود أمام الحوثيين.
فالمملكة السعودية تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية ضخمة لكنها في مواجهة حرب إقليمية واسعة لا تحتاج فقط إلى السلاح.بل تحتاج إلى منظومة حرب متكاملة .. معلومات استخباراتية، إنذار مبكر، دفاع جوي، أقمار صناعية، ذخائر، استطلاع، حماية للمنشآت النفطية، وتأمين للممرات البحرية.
ولهذا يصبح طلب المساعدة الأمريكية مفهوماً في إطار الحسابات الأمنية، ولا يعني ذلك أن السعودية عاجزة عسكرياً...و فى المقابل تستطيع امريكا أن تستخدم المظلة الأمنية كأحد أهم أدوات نفوذها السياسي والاستراتيجي في الخليج.
وبالتالى أصبحت السعودية بين مطرقة الأمن وسندان الدولار ..
ففي السنوات الأخيرة ظهرت مشاريع وأنظمة دفع دولية تسعى إلى تقليل الاعتماد على البنية التقليدية للمدفوعات التي يهيمن عليها الدولار.
ومن بينها مشروع mBridge، الذي شاركت فيه السعودية ثم أنهت مشاركتها بعد إتمام مرحلة الاختبار.
واللافت أن خبر الانسحاب ظهر إعلامياً الآن في سبتمبر 2026، رغم أن انتهاء المشاركة الفعلية كان في مايو 2025.
والسؤال الأهم سياسياً واقتصادياً ليس لماذا انسحبت السعودية؟ بل لماذا أعلنت الرياض الآن عن انتهاء مشاركتها القديمة؟ وهل يرتبط ذلك فعلاً بالتوازن بين الصين والولايات المتحدة ونظام الدولار؟
البعض يربط التوقيت بحساسية المشروع بالنسبة للنظام المالي القائم على الدولار، بينما آخرون يقولوا إن الانسحاب كان ببساطة نهاية لاختبار مخطط له...لكن إذا وضعنا ما يحدث بجوار التطورات الأمنية
فهذا يجعل السؤال مشروعاً
هل تستطيع دولة تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية أن تذهب بعيداً في بناء بدائل مالية قد تتعارض مع المصالح الأمريكية؟
نحن هنا لا نتحدث عن السعودية وحدها.... نحن نتحدث عن صراع أوسع بين نموذج مالي تقوده الولايات المتحدة، ومحاولات دول أخرى بناء مسارات دفع أكثر تنوعاً وفي مقدمتها الصين.
وإذا جمعنا كل الخيوط تظهر أمامنا . الطاقة، التجارة، أنظمة الدفع الدولية
ربما نحن لا نشاهد حروباً منفصلة، بل نشاهد إعادة رسم لخريطة النفوذ العالمي
التعليقات الأخيرة