news-details
مقالات

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً ضد وعي الشعوب 

 


بقلم : أزهار عبد الكريم 

  عندما تكون الصورة هى السلاح المستخدم وعقل الإنسان هو الهدف. فكيف تدار المعركة . فلم تعد الحروب تبدأ دائماً بصوت الرصاص، ولا تحسم كلها في ميادين القتال.ففي الحروب التقليدية يكون الهدف واضحا أرض، منشأة، جيش أو موقع استراتيجي. لكن هناك حرب أخرى أكثر هدوءا تدخل البيوت من خلال شاشة الهاتف ولا تحتاج إلى دبابة أو طائرة أو صاروخ… يكفيها صورة.
صورة لم تلتقط أصلاً لكنها تبدو حقيقية. 
وجه لشخصية عامة في مكان لم يذهب إليه من الأساس . مظاهرة لم تحدث، مشهد دمار لم يقع أو تصريح لم يقله صاحبه… يصنعها الذكاء الاصطناعي خلال دقائق ثم تبدأ رحلتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية
معركة الإنسان مع الحقيقة.
فحروب الجيل القادم لا تستهدف الأرض فقط ،بل تستهدف شيئاً أكثر عمقاً هو ...عقل الإنسان .
ففى الماضي ولسنوات طويلة كان من السهل التشكيك فى خبر مكتوب أو نختلف حول تفسيره بتصديقه أو نفيه . وكانت الصورة بالنسبة للمواطن تعامل على أنها  أكبر دليل والذى يمنح الخبر أو الرواية قدراً من المصداقية. أما اليوم فقد تغيرت القاعدة، فالذكاء الاصطناعي التوليدى أصبح قادراً على إنتاج صور شديدة الواقعية وأصبح من الصعب على العين المجردة أن تكتشف دائما أنها مصطنعة . فالصور المفبركة بالذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد خداع بصري أو ترند على مواقع التواصل، بل أصبحت جزءا من معركة على الوعي نفسه. وهنا تظهر علاقتها بما يطلق عليه حروب الجيل الجديد. وهنا تكمن الخطورة إذا أصبحت الصورة قابلة للتزييف فإن المعركة لم تعد فقط على ما يراه المواطن وإنما على قدرته على معرفة ما هو الحقيقي أصلاً ؟ 

وهنا لا تكمن الخطورة في صورة مزيفة واحدة، وإنما في السرعة التي يمكن بها إنتاج آلاف الصور والروايات البديلة ونشرها في وقت واحد. والتى يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى أدوات حرب المعلومات والتأثير النفسي. فالهدف ليس بالضرورة إقناع الناس بكذبة واحدة، وإنما أحياناً إغراق المجتمع العام بكم هائل من المحتوى المتضارب حتى يصل المواطن إلى مرحلة يقول فيها ...مش عارف أصدق مين...وهذه أخطر مرحلة ..فلا يشترط أن يصدق الجميع الرواية المزيفة. بل الهدف  أن تنجح في جعل الناس يشكون في كل شيء. 
فكل شيء ممكن أن يكون مفبرك .والمفارقة أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يمنح الكذب قوة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يمنح الحقيقة مشكلة جديدة.
فحين يعتاد الناس رؤية الصور والفيديوهات المصطنعة، يستطيع أي شخص أن ينكر حتى الدليل الحقيقي قائلاً أنها ذكاء اصطناعي وأن الصورة مفبركة. وبذلك لا تصبح المشكلة أن الناس تصدق الكذب فقط، بل أن الناس قد تصل إلى مرحلة، لا تستطيع أن تفرق بين الحقيقة والتزييف.
وفى عصر وسائل التواصل الاجتماعي. والتقدم التكنولوجي الرهيب نجد أن 
التكنولوجيا ليست العدو
ومن المهم ألا نضع الذكاء الاصطناعي نفسه في قفص الاتهام.
فالذكاء الاصطناعي أداة.
يمكن أن يستخدم في التعليم والطب والبحث والإعلام والإبداع، ويمكن أيضا أن يستخدم في التضليل.
فالمشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، وإنما في من يستخدمها، ولماذا، وكيف يتعامل المجتمع معها.
ولهذا فإن مواجهة الصور المفبركة لا تكون بمنع التكنولوجيا، وإنما ببناء مجتمع أكثر قدرة على التحقق والتفكير النقدي وبإعلام مهني سريع في كشف الشائعات وأدوات تقنية تستطيع التحقق من أصل المحتوى ومصدره... 
فالحرب القادمة قد تبدأ بصورة ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم.
أن الحروب في المستقبل لن تكون دائماً مشهدا نراه في نشرات الأخبار. لكنها قد تبدأ بمنشور.أو مقطع فيديو.
أو صورة واحدة تنتشر في ملايين الهواتف.
وقد لا يكون الهدف تدمير مبنى، وإنما تغيير فكرة داخل ملايين العقول.
ولهذا فإن أخطر سلاح في عصر الذكاء الاصطناعي ربما لا يكون السلاح الذي يدمر الجسد…
بل ذلك الذي يجعل الإنسان يرى الوهم ويعتقد أنه الحقيقة.
فإذا كانت حروب الماضي تتنافس على الأرض، فإن حروب المستقبل قد تتنافس على شيء أثمن وهو 
وعي الإنسان.
وفي هذه الحرب، لا يكفي أن نسأل 
هل هذه الصورة حقيقية؟
بل علينا أن نتعلم أن نسأل السؤال الأصعب 
من يريدني أن أصدقهاولماذا؟

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا