news-details
مقالات

خلف الأبواب المغلقة. أين تذهب أموال التعليم؟

 


بقلم أزهار عبد الكريم 

عندما يدخل المحافظ مدرسةو يكتشف مخالفة ثم يصدر قراراً بإزالة مدير المدرسة أو إنهاء تكليفه، تظهر أمامنا صورة المسؤول الحازم.
فالمشهد أمام الكاميرات واضح. لكن ما يحدث خلف الأبواب يحتاج إلى أسئلة.
و بعيداً عن الكاميرا، هناك سؤال أكبر بكثير وهو
كيف وصلت المدرسة إلى هذه الحالة أصلاً ؟
ومن هنا لا نريد أن نحاكم شخصا أمام الرأي العام، وإنما نريد أن نحاكم منظومة كاملة من المسؤوليات.
فمدير المدرسة ليس المسؤول الوحيد عن كل ما يحدث داخل المدرسة.
هناك إدارة تعليمية.وهناك مدير إدارة.و كذلك هناك مديرية للتربية والتعليم.
وهناك لجان متابعة وتفتيش.
وأيضاً موازنات واعتمادات مالية. كما يوجد خطط للصيانة والتجهيزات والتوريدات.
وهناك تقارير يفترض أن تصعد من أسفل إلى أعلى.
فإذا اكتشف المحافظ المشكلة في زيارة فالسؤال الطبيعي
أين كانت كل هذه الأجهزة قبل زيارة المحافظ؟
وهنا نصل إلى الملف الأكثر حساسية... هو ميزانية التعليم. 
وفق بيانات موازنة المواطن المنشورة من وزارة المالية بلغت مخصصات التعليم قبل الجامعي في العام المالي 2025/2026 نحو 684.7 مليار جنيه. ذلك رقم ضخم جداً. لكن المواطن لا يتعامل مع المليارات الموجودة في أوراق الموازنة.بل
المواطن يتعامل مع مدرسة.

فبحسب ما قالت مديرة المدرسة فإنها أكدت أنها أنفقت من مالها الخاص على إصلاحات داخل المدرسة وأنها توجهت مرارا وتكرارا إلى مديرية التربية والتعليم وأرسلت طلبات للاستغاثة والتدخل، لكنها لم تجد استجابة.
وهنا تحديدا يجب أن نتوقف.
إذا ثبت بالمستندات أن مديرة المدرسة بالفعل أرسلت عدة مخاطبات إلى الجهات التعليمية المختصة، وطالبت بإصلاح المشكلات ولم تتلق استجابة فإن السؤال لم يعد متعلقا بالمديرة وحدها.
بل يصبح السؤال 
من استلم هذه المخاطبات؟
ومن قرأها؟
ومن كان مسؤولًا عن اتخاذ القرار؟
ولماذا لم تتحرك الجهة المختصة في الوقت المناسب؟
وإذا كانت المدرسة تحتاج بالفعل إلى إصلاحات فلماذا اضطرت مديرة المدرسة بحسب قولها، إلى الإنفاق من مالها الخاص؟
هل هذا هو الوضع الطبيعي لإدارة مدرسة حكومية؟
وهل يفترض بمدير المدرسة أن يتحمل من ماله الخاص تكلفة إصلاح منشأة عامة؟
وإذا كانت هناك مخصصات مالية للصيانة، فلماذا لم تصل في الوقت المناسب إلى المدرسة؟
وإذا لم تكن هناك مخصصات فمن المسؤول عن توفيرها؟
وإذا كانت المديرية قد تلقت الاستغاثات ولم تتحرك، فمن يحاسب عن عدم الاستجابة؟

لأن المحاسبة العادلة لا يجب أن تتوقف عند الشخص الموجود في نهاية السلسلة 
و أن المال العام يحتاج إلى إجابة واضحة.
فنحن لا نريد أن تتحول المحاسبة إلى صورة أمام الكاميرات.
نريد أن تتحول إلى تحقيق إداري كامل يكشف المسؤولية من أولها إلى آخرها.
لأن الدولة القوية لا تبحث عن أضعف حلقة لتعاقبها.
الدولة القوية تبحث عن الحقيقة كاملة.
ومن حق ولي الأمر والمعلم والطالب والمواطن أن يعرف 

هل هناك فروق بين الاعتماد المدرج في الموازنة وبين ما تم تنفيذه على أرض الواقع؟
والأهم من يراجع ذلك كله؟
إذا كانت هناك مدرسة تعاني من مشكلة في الصيانة فلماذا لم تظهر في تقارير المتابعة؟
وإذا كانت المشكلة ظهرت في تقارير سابقة، فلماذا لم تحل؟
وإذا تم اعتماد مبالغ للصيانة، فهل تم تنفيذ الأعمال بالفعل؟
ومن استلم الأعمال؟
ومن قام بمعاينتها؟
ومن وقع على محاضر الاستلام؟
وهل تطابقت الأعمال المنفذة مع ما تم دفعه؟
هذه ليست اتهامات لأحد.
هذه أسئلة رقابية مشروعة.
والفرق كبير بين أن نتهم شخصا بالفساد وبين أن نطالب بكشف مسار المال العام والتأكد من أن كل جنيه تم تخصيصه أدى الغرض الذي خصص من أجله.
بل إن وزارة المالية نفسها تعتمد في إعداد الموازنات على توزيع الاعتمادات وفق أولويات ومعايير موضوعية ومحددة ومعلنة.
إذن من حق المواطن أن يسأل عن نتيجة هذه الاعتمادات على الأرض.
ومن هنا نطرح مجموعة أسئلة أمام كل مسؤول عن التعليم .
من المسؤول عن متابعة المدارس بشكل دوري؟
كم عدد الزيارات التي تمت بالفعل؟
كم مخالفة تم رصدها؟
كم مخالفة تم علاجها؟
وكم مخالفة ظلت معلقة؟
ولماذا؟
كم تبلغ مخصصات الصيانة؟
وكم تم إنفاقه منها؟
وأين ذهبت الاعتمادات التي لم تنفذ ؟ وما آلية اختيار الشركات والموردين؟
ومن يراجع الأسعار؟
ومن يستلم الأعمال؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا ظهرت عيوب بعد الاستلام؟
والسؤال الأهم .
هل تتم محاسبة المسؤول الإداري فقط عندما يكتشف المحافظ المشكلة، أم تتم مراجعة المسؤولية على جميع المستويات؟
لأن إنهاء تكليف مدير مدرسة قد يكون قرارا صحيحا إذا ثبت تقصيره.
لكن إذا كان التقصير قائما منذ أشهر أو سنوات ولم تكتشفه الإدارة التعليمية، فهل يكفي أن نعاقب مدير المدرسة فقط؟
أم يجب أن نسأل أيضا
أين كانت الرقابة؟
وهنا نصل إلى جوهر القضية
الدولة لا تحتاج إلى مسؤول يظهر أمام الكاميرا ليعلن العقوبة. لكن الدولة تحتاج إلى منظومة تمنع الخطأ قبل أن يصل إلى الكاميرا.
نحن لا نريد أن تتحول المحاسبة إلى مشهد إعلامي.
نريدها أن تتحول إلى نظام إداري دائم.
فالنجاح الحقيقي للمحافظ ليس أن يكتشف مخالفة في مدرسة أثناء زيارة.
النجاح الحقيقي أن تكون المحافظة لديها منظومة متابعة تجعل اكتشاف المخالفة قبل زيارة المحافظ أمرا طبيعيا.
فإذا كانت الكاميرات تفتح باب المحاسبة...
فلتفتح معها أبواب الملفات.
ولنسأل بهدوء 
أين ذهبت الاعتمادات؟
ماذا تم تنفيذه؟
من استلم؟
من راجع؟
ومن قصر؟
عندها فقط لن تكون أمامنا مجرد لقطة أمام الكاميرا...
بل أمامنا رقابة حقيقية على المال العام.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا