news-details
مقالات

معادلة الانبعاث الوطني: من العمق الحضاري إلى جذر التغيير الانتخابي

 


بقلم/ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
المشرف العام لتجمع أهل العراق 

يمتلك العراق خصوصية حضارية وسياسية فريدة تجعله عصياً على الاستيعاب الدائم ضمن مشاريع التبدد أو الاستكانة؛ فمنذ أور وبابل وشريعة حمورابي، كان هذا الرافدين صانعاً لقيم القانون والدولة والسيادة، وقادراً في كل لحظة فارقة على إعادة إنتاج ذاته وتجاوز كبوات التاريخ. هذه الخصوصية الحضارية، المدعومة بتماسك النسيج المجتمعي وأصالة العشائر العراقية، تشكل العصب الحيوي الذي يمنح الأمة العراقية قدرة استثنائية على كسر أعتى منظومات التجهيل والمحاصصة. إن قراءة المسار السياسي المعاصر تثبت أن الشارع العراقي قد استنفد كافة أشكال الصبر التكتيكي، وتجاوز بالكامل محاولات التجييش الطائفي التي استخدمت لعقود كغطاء لتمرير المظالم وسرقة المقدرات. غير أن الوصول إلى نقطة النضج الفكري الكامل يتطلب تحديد خطوط المفاصلة ومسارات الحل النهائي؛ إذ إن تجارب الشعوب تؤكد أن أي مراهنة على تغيير يأتك من خارج الحدود هي مراهنة خاسرة ومرفوضة جملة وتفصيلاً، فالتغيير الخارجي لا يجلب سوى بدائل زبائنية جديدة تعيد تدوير الخراب وتصادر الإرادة الوطنية. ومن هنا، تتجلى الخصوصية العراقية في أن التغيير الحقيقي والآمن لا بد أن يكون صناعة داخلية محمية بالإرادة الوطنية الشاملة. إن التمسك بخيار الضغط الجماهيري السلمي لإقرار العراق دائرة انتخابية واحدة ينبع من عقيدة وطنية وأخلاقية صارمة ترتكز على قطع لعنة الدماء التي رافقت كل التحولات السياسية في تاريخ العراق الحديث منذ تأسيس الدولة وحتى اليوم، حيث أثبتت التجربة الممتدة أن التغيير القائم على سفك الدماء والحروب والصراعات أو الاستقواء بالخارج لا ينتج دولة ولا يبني سيادة، بل يمكن عصابات جديدة تستمرئ التضحية بأبناء الشعب للوصول إلى كراسي السلطة، وهو ما يرفضه الفكر الوطني جملة وتفصيلاً مستبدلاً إياه ببديل آمن يحقن الدماء ويصون الكرامة. وفي هذه اللحظة الفارقة، يتوجه الفكر الوطني بدعوة صريحة ومسؤولة إلى المرجعيات كافة، وعلى رأسها المرجعية الدينية، لاتخاذ موقف تاريخي شجاع ينسجم مع حجم التحديات الخطيرة؛ إذ إن الصراحة الوطنية تتطلب التأكيد على أن المرجعية الدينية بعد الاحتلال كان لها الدور الحاسم في توجيه الجمهور وتأييد التصويت على الدستور، وهو المسار الذي أدى بخرجاته إلى بناء وتثبيت منظومة المكوناتية والمحاصصة الطائفية التي تكبل العراق اليوم، مما يجعل الأمانة الشرعية والأخلاقية أمام الله والشعب توجب عليها التدخل المباشر لتصحيح هذا المسار الذي أسهمت في إيجاد لبناته الأولى عبر إعلان دعمها الصريح لخيار الدائرة الانتخابية الواحدة. إن هذا التحول هو الآلية الجوهرية الوحيدة القادرة على تفكيك إقطاعيات المحاصصة، واستعادة وحدة القرار الوطني لانتخاب الكفاءة، وإنهاء الهندسة الانتخابية المعقدة. وهنا تبرز لحظة الحقيقة واختبار الصدقية لجميع القوى التي تدعي الإصلاح أو المعارضة أو المدنية؛ فإن كانوا صادقين في معارضتهم فإن معيار وطنيتهم يكمن في تبني هذا الخيار التشريعي، أما تمسك أحزاب السلطة بالدوائر المجزأة فهو إقرار صريح بخوفها من فقدان السلطة. وختاماً نؤكد أن إتحاد القبائل العراقية وتجمع أهل العراق حين يضعان هذه الرؤية لا يقدمانها بدافع الاحتكار أو رغبة في سيادة المشهد رغماً عن الأطراف الأخرى، بل يعلنان بتجرد تام أن هذه المبادرة ملك لكل عراقي حريص، وسيكونان في مقدمة السائرين والداعمين خلف أي طرف يتبنى هذه الرؤية ويأخذ على عاتقه قيادتها ليصل بالعراق إلى بر الأمان ودولة المواطنة والعدالة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا