*أسبوع الفضاء العالمي 2026: ثورة الصواريخ*
الاحساء
زهير بن جمعة الغزال
أوضح ذلك المهندس . ماجد أبو زاهرة
يعود أسبوع الفضاء العالمي في الفترة من 4 إلى 10 أكتوبر 2026 ليجمع ملايين المهتمين بالفضاء والعلوم والتكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم في احتفال سنوي تنظمه المجتمعات العلمية والتعليمية بالتنسيق مع الأمم المتحدة بهدف إبراز إسهامات علوم الفضاء وتطبيقاته في تحسين حياة الإنسان، وتشجيع الأجيال الجديدة على استكشاف آفاق العلم والابتكار.
يحمل أسبوع هذا العام شعاراً هو "ثورة الصواريخ" الذي يسلط الضوء على التحولات المتسارعة في تقنيات إطلاق المركبات الفضائية وتوسع فرص الوصول إلى الفضاء ويمثل شعار 2026 امتداداً طبيعياً للتحولات التي يشهدها قطاع الفضاء فبعد أن كانت عمليات الإطلاق الفضائي تتركز بصورة أساسية في برامج حكومية تابعة لعدد محدود من الدول أصبح المجال يشهد مشاركة متزايدة من الشركات التجارية والشركات الناشئة والجامعات والجهات البحثية إلى جانب ظهور تقنيات جديدة تهدف إلى خفض تكاليف الإطلاق وزيادة عدد الرحلات وتوسيع نطاق الاستفادة من الفضاء.
ويطرح هذا التطور سؤالًا جوهرياً: كيف يمكن أن تغير ثورة الصواريخ مستقبل استكشاف الفضاء وما الذي تعنيه هذه التحولات للبشرية على الأرض وفي الفضاء؟
لم يكن اختيار الفترة من 4 إلى 10 أكتوبر عشوائياً إذ ترتبط بتاريخين مهمين في مسيرة استكشاف الفضاء وتنظيم أنشطته:
4 أكتوبر 1957: إطلاق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي "سبوتنيك 1" أول قمر صناعي من صنع الإنسان يصل إلى مدار حول ا لأرض في حدث دشن عصر الفضاء.
10 أكتوبر 1967: دخول معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى حيز التنفيذ. وقد أرست المعاهدة إطارًا قانونياً دوليا للأنشطة الفضائية بما يشمل مبدأ الاستخدامات السلمية للفضاء.
ومنذ ذلك الوقت تطورت الصواريخ من وسائل مخصصة لإيصال الأقمار الصناعية والمركبات الحكومية إلى أدوات أساسية في منظومة فضائية آخذة في الاتساع تشمل الاتصالات ومراقبة الأرض والبحث العلمي والاستكشاف البشري والتطبيقات التجارية.
من أبرز التطورات التي يناقشها شعار أسبوع الفضاء العالمي 2026 التقدم في تقنيات الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام التي تهدف إلى استعادة أجزاء من مركبات الإطلاق واستخدامها في رحلات لاحقة بدلًا من التخلص منها بعد كل عملية إطلاق وتسعى هذه التقنيات إلى خفض بعض تكاليف الإطلاق وتحسين كفاءة العمليات مع استمرار الحاجة إلى الصيانة والفحص والتجديد بين الرحلات.
كما يمكن أن تساعد زيادة قابلية إعادة الاستخدام في دعم وتيرة إطلاق أعلى بحسب تصميم المركبة وطبيعة المهمة والعمليات المطلوبة ولا تقتصر ثورة الإطلاق على إعادة استخدام الصواريخ وحدها بل تشمل أيضاً تطوير المحركات وتحسين أنظمة التوجيه والتحكم وأتمتة عمليات الإطلاق وتطوير منصات إطلاق أكثر مرونة إلى جانب البحث عن حلول اقتصادية تتيح وصول عدد أكبر من الجهات إلى الفضاء.
شهد قطاع الفضاء توسعًا في مشاركة الشركات التجارية والجهات الأكاديمية والبحثية ولم تعد الأنشطة الفضائية حكراً على وكالات الفضاء الوطنية وحدها وتعمل شركات خاصة على تطوير مركبات الإطلاق والأقمار الصناعية والخدمات المرتبطة بالمدار الأرضي في حين تسهم الجامعات والفرق الطلابية في تصميم الصواريخ التجريبية وتطوير أنظمة القياس والتحكم وإجراء التجارب الهندسية وقد يؤدي هذا التنوع إلى توفير فرص جديدة للتعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال لكنه لا يلغي التحديات المتعلقة بالسلامة والموثوقية، والتنظيم والتكلفة وإدارة المخاطر البيئية والفضائية.
إن توسيع المشاركة في الأنشطة الفضائية يتطلب الاستثمار في التعليم والتدريب والبنية التحتية إلى جانب تطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تضمن الاستخدام المسؤول والمستدام للفضاء.
ترتبط تقنيات الإطلاق ارتباطاً مباشراً بمستقبل الاستكشاف الفضائي إذ تحتاج المهمات المتجهة إلى القمر والمريخ والوجهات الأبعد إلى مركبات إطلاق قادرة على حمل الحمولات العلمية والمركبات والمعدات اللازمة ويمكن أن تسهم التحسينات في تقنيات الإطلاق في دعم مجموعة من الأهداف من بينها:
إرسال الأقمار الصناعية والمركبات العلمية إلى مدارات مختلفة ونقل المعدات والحمولات اللازمة للمهمات القمرية المستقبلية ودعم الرحلات المأهولة وأنظمة الإمداد والبنية التحتية الفضائية وإتاحة فرص أوسع للجامعات والشركات للمشاركة في المهمات الفضائية وتطوير تجارب علمية وتقنية تساعد على فهم التحديات المرتبطة بالعمل خارج الأرض.
ومع ذلك فإن الوصول إلى القمر أو المريخ لا يعتمد على الصواريخ وحدها بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل أنظمة الملاحة والاتصالات والحماية من الإشعاع وإدارة الموارد ودعم الحياة إلى جانب التخطيط العلمي والهندسي طويل الأمد.
لم تعد أنشطة الفضاء مرتبطة بالاستكشاف العلمي فقط بل أصبحت جزءاً من قطاعات اقتصادية وتقنية متعددة فالأقمار الصناعية تؤدي دوراً في الاتصالات وتحديد المواقع ومراقبة الأرض والتنبؤات الجوية كما تدعم تطبيقات مرتبطة بالزراعة وإدارة الموارد والاستجابة للكوارث ومع ازدياد عدد عمليات الإطلاق والأجسام الموجودة في المدار تتزايد أهمية المحافظة على استدامة البيئة الفضائية والحد من مخاطر الحطام الفضائي وتطوير ممارسات مسؤولة في تصميم الأقمار الصناعية وتشغيلها وإنهاء مهماتها.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى ثورة الصواريخ باعتبارها سباقاً تقنياً فقط بل بوصفها جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية استخدام الفضاء بما يخدم التنمية العلمية والاقتصادية،ك ويحافظ على سلامة الأنشطة الفضائية للأجيال القادمة.
يمثل أسبوع الفضاء العالمي فرصة مهمة لإشراك الطلاب في علوم الفضاء والهندسة من خلال أنشطة تعليمية تجمع بين المعرفة النظرية والتجربة العملية ويمكن للمدارس والجامعات وال مراكز العلمية والأندية الفلكية تنظيم فعاليات مستوحاة من شعار 2026 مثل تصميم نماذج للصواريخ وتجارب مبسطة حول مبادئ الدفع والحركة وتحديات هندسية لبناء مركبات تجريبية ومحاضرات عن تاريخ الإطلاق الفضائي ومستقبل استكشاف القمر والمريخ.
ولا يشترط أن تكون المشاركة عبر إطلاق صاروخ فعلي إذ يمكن للأنشطة التعليمية والمحاكاة والتصميم والبحث العلمي أن تقدم تجربة مفيدة وآمنة تتناسب مع أعمار المشاركين والإمكانات المتاحة وتتيح هذه الأنشطة للطلاب التعرف إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وربط المفاهيم التي يدرسونها في الفصول الدراسية بتطبيقات واقعية في قطاع الفضاء.
تدعو الجهات المنظمة المؤسسات التعليمية ووكالات الفضاء والشركات والمراكز العلمية والمتاحف والأندية الفلكية والمجتمعات المحلية إلى تنظيم فعاليات خلال الفترة من 4 إلى 10 أكتوبر وتسجيل الأنشطة عبر المنصة الرسمية لأسبوع الفضاء العالمي وتشمل الأفكار المطروحة المحاضرات العامة والمسابقات المدرسية والتجارب التعليمية للصواريخ والفعاليات المفتوحة للجمهور، والأنشطة الإلكترونية، وغيرها من البرامج التي تربط المجتمع بعلوم الفضاء وتطبيقاته.
يمثل هذا التنوع فرصة لمشاركة المؤسسات في مختلف الدول، كل وفق إمكاناته وأولوياته، مع إمكانية ربط موضوع ثورة الصواريخ باهتمامات محلية مثل التعليم العلمي وتطوير المهارات الهندسية والابتكار التقني.
منذ إطلاق سبوتنيك 1 عام 1957 قطعت البشرية مسافة هائلة في تطوير تقنيات الإطلاق واستكشاف الفضاء. فقد أصبحت الصواريخ أكثر تطوراً وتنوعت المركبات الفضائية واتسعت مجالات استخدام الأقمار الصناعية وظهرت فرص جديدة أمام القطاع التجاري والبحث العلمي لكن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من تحقيق أرقام قياسية في عدد الرحلات أو قدرات المركبات؛ فهي تحتاج إلى تطوير تقنيات موثوقة وتعزيز التعاون الدولي وإعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للمشاركة في مستقبل الفضاء.
أسبوع الفضاء العالمي 2026 تحت شعار "ثورة الصواريخ" هو دعوة إلى فهم التحولات التي تعيد تشكيل الوصول إلى الفضاء وإلى التفكير في كيفية توظيف هذه التطورات لخدمة العلم والإنسان مع الحفاظ على الاستخدام المسؤول والمستدام للفضاء فكل رحلة تبدأ من الأرض وكل إنجاز فضائي يعتمد على المعرفة والعمل الهندسي والتعاون وربما يكون الجيل الذي يتعلم اليوم مبادئ الصواريخ هو الجيل الذي سيشارك غدًا في بناء مستقبل البشرية خارج كوكبنا.
التعليقات الأخيرة