اتفاق مكة من صراع اليمن إلى معادلة أمن البحر الأحمر
بقلم . أزهار عبد الكريم
لم تعد خريطة الصراع في الشرق الأوسط ترسم فقط على حدود الدول وإنما أصبحت ترسم أيضا فوق
الممرات البحرية الاستراتيجية. ومن هنا تأتي أهمية ما يحدث اليوم بين السعودية والحوثيين، وما تبعه من تفعيل اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، المعروفة باسم اتفاق مكة للدفاع المشترك...
فالقصة هنا ليست حرب سنة وشيعة فقط .
فمن السهل أن ينظر البعض إلى الصراع باعتباره مواجهة مذهبية بين السنة والشيعة خصوصا مع وجود إيران في جانب والحوثيين في اليمن من جانب آخر، والسعودية وحلفائها في الجانب المقابل.
لكن هذه النظرية وحدها لا تكفي.فما يجري هو صراع أمني وسياسي وعسكري متعدد الأطراف تتداخل فيه الطائفية مع صراع النفوذ وأمن الحدود والسيطرة على طرق التجارة والممرات البحرية ومستقبل التوازن الإقليمي. ولفهم ما يحدث اليوم علينا أولاً أن نفهم من أين بدأ الصراع؟
الحوثيون وهم جماعة يمنية ذات توجه شيعي، يسيطرون على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال وغرب اليمن ويرتبطون بإيران بعلاقات سياسية وعسكرية، بينما تدعم السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ومع انتقال العمليات العسكرية إلى المناطق القريبة من ساحل البحر الأحمر وباب المندب، هو ما جعل الرياض تنظر إلى تمدد الحوثيين باعتباره جزاء من تهديد لامنها وحدودها وممراتها البحرية .
لكن المسألة لا تتوقف عند الحدود السعودية اليمنية.
فالمناطق التي تدور حولها المعارك حاليا تقع بالقرب من البحر الأحمر وباب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن السيطرة على الساحل اليمني لا تعني فقط مكسبا عسكريا داخل اليمن وإنما تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على التأثير في الملاحة الإقليمية والدولية.
ومن هنا تحول الصراع اليمني تدريجيا من حرب داخلية إلى ملف أمن إقليمي.
ففي أغسطس 2026 وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك عرفت باسم اتفاق مكة للدفاع المشترك وتنص فكرتها الأساسية على أن الاعتداء على أحد أطراف الاتفاق ينظر إليه باعتباره اعتداء على الأطراف الأخرى، بما يضع أمن الدول الثلاث في إطار جماعي.
لكن الاتفاق لم يكن مجرد إعلان سياسي.
ففي 31 أغسطس، اتفقت الدول الثلاث على بناء هياكل مؤسسية للاتفاق، وإنشاء أمانة عامة وتطوير التعاون العسكري والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والتدريب بما يعزز القدرة على الردع الجماعي.
وعندما تصاعدت الهجمات التي تستهدف السعودية عقدت الدول الثلاث اجتماعا طارئا في الرياض في 5أكتوبر وكانت اللحظة الحاسمة.
فقط أعلنت اللجنة السياسية والعسكرية للتحالف الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها داخل السعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والقوانين الوطنية لكل دولة. كما جرى تعيين أول أمين عام للتحالف.
وكان هذا التطور مهم لأنه ينقل الاتفاق من مرحلة التنسيق السياسي والعسكري إلى مرحلة الردع العملي.
لكن ذلك لا يعني أن تركيا وباكستان أعلنتا حربا مفتوحة على الحوثيين.
فالبيان الرسمي يتحدث عن تعزيز الدفاع الجماعي وحماية أمن الدول الثلاث ولم يعلن دخول قوات الدولتين في عمليات هجومية مباشرة داخل اليمن. كما أن التفاصيل العملياتية المتعلقة بحجم القوات ومهامها لم تعلن بالكامل
وهنا تظهر أهمية الاتفاق
السعودية لا تريد أن تواجه التهديد منفردة، وتركيا وباكستان أصبحتا جزءاً من معادلة الردع حول أمن المملكة.
واليوم7 أكتوبر دخل التصعيد مرحلة جديدة.
حيث أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدفت مواقع ومطارات داخل السعودية، من بينها مطار الملك خالد في الرياض ومطار أبها وقاعدة خميس مشيط، إضافة إلى مواقع عسكرية في جازان وعسير.
وفي المقابل، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه منطقة الرياض بينما تحدثت مصادر عن أضرار وإصابات في هجمات أخرى.
لكن الأخطر أن التصعيد لم يبقي داخل الأراضي السعودية..ففي اليمن نفسه تعرض مطار عدن الدولي لهجوم بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة،
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحا ..
هجمات الحوثيين على السعودية تأتي بالتزامن مع هجوم سعودي مدعوم جوياً على مواقع الحوثيين بينما تدور المعارك حول مناطق استراتيجية بالقرب من البحر الأحمر وباب المندب.
أي أننا أمام دائرة متصاعدة
من هجوم حوثي و رد سعودي ودعم إقليمي مما يؤدى إلى اتساع دائرة التهديد. لأن الاقتراب من باب المندب هو أخطر نقطة في المشهد ..
لأن باب المندب ليس مجرد مضيق بين اليمن وجيبوتي وإريتريا.
إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تمر حركة بحرية مرتبطة بقناة السويس والأسواق الأوروبية والآسيوية.
ولهذا فإن المعركة حول مناطق مثل المخا والساحل الغربي اليمني لا ينظر إليها فقط باعتبارها معركة للسيطرة على أراضٍ يمنية.بل
إنها أيضا معركة على الجغرافيا البحرية...
والهجوم على مطار عدن اليوم يوضح أن البنية التحتية المدنية نفسها أصبحت جزءاً من ساحة الصراع بينما تتزامن العمليات البرية مع تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وهنا تكمن أهميةالاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان فقد دخلت مرحلة التنفيذ قبل يومين فقط، ثم جاءت هجمات جديدة على الأراضي السعودية.
لذلك فإن التطورات الحالية تمثل اختبارا مبكرا لمصداقية منظومة الردع الجديدة.
هل سيبقى الدور التركي والباكستاني في إطار حماية الأراضي والمنشآت السعودية والاستطلاع والدفاع الجوي؟
أم أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى توسيع الدور العسكري للتحالف؟
حتى الآن لا توجد إجابة نهائية والتفاصيل العملياتية غير معلنة بالكامل. لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت وأن المعادلة الأمنية تتشكل من جديد.
من يملك القدرة على تأمين البحر الأحمر وباب المندب ومن يستطيع فرض معادلة الردع في هذه المنطقة الحيوية؟
وهذا هو السبب الذي يجعل هجوم اليوم أكثر من مجرد ضربة جديدة في الحرب اليمنية فهو يأتي في لحظة انتقل فيها اتفاق مكة من الورق إلى الاختبار الميداني...
فمن يسيطر على باب المندب لا يمسك بمفتاح اليمن فقط.. وإنما يقترب من مفتاح البحر الأحمر، ومن ثم من بوابة قناة السويس والعالم.
التعليقات الأخيرة