news-details
مقالات

مابين تحالف الشرعية وتحالف مكة: قراءة في التحولات الإستراتيجية للعقيدة الأمنية السعودية..!!

 


غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.

▪️المقدمة :

 لا تُعرف تحالفات الدول بما تملكه من قوة، بل بما يرهبها وتخاف منه، والسعودية شكلت في عقد واحد تحالفين كبيرين يمثلان مرحلتين متناقضتين في مفاهيم الهجوم والتهديد.

التحالف الأول في سنة 2015، وسمي تحالف إعادة الشرعية في اليمن، وهدفه المعلن إعادة الرئيس اليمني المخلوع عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء.

والتحالف الثاني هو ما يسمى بالتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الأرهاب، ووظيفته الحقيقية وأسمه الإستراتيجي في الخطاب الداخلي السعودي هو تحالف مكة.

وما بين التحالفين تحولت العقيدة الأمنية السعودية من دولة تصدّر الشرعية للآخرين، إلى دولة تستورد الحماية لنفسها بإسم المقدس.

▪️التحالف الشرعية وعقيدة الهجوم.

تحالف الشرعية قام على فكرة واحدة وهي أن السعودية قوة صاعدة تستطيع فرض خريطة جديدة في المنطقة بقوتها العسكرية.

كانت عقيدة هذا التحالف قائمة على الهجوم. وكل أثقال الحرب في العمق اليمني، والسعودية هي قاعدة التحالف الأمينة. ففي التصورات السعودية أن العدو هم جماعة ضعيفة ومحدودة ولا قدرات عسكرية دقيقه لديها، اي بمعنى أنهم جماعة مسلحة في صعدة يمكن سحقها بأسابيع معدوده.
وكانت شرعية التحالف قانونية خارجية، برسالة من الرئيس المخلوع هادي، وقرار أممي واجب التنفيذ.

وهنا السعودية أظهرت نفسها كمدافع عن القانون الدولي، وكدولة تمنح الشرعية لحليف ضعيف طلب نجدتها، لذلك كانت قيادة التحالف سعودية مطلقة.

ونتيجة هذا التحالف كانت عكسية تماماً، فالشرعية التي أرادوا إعادتها سقط القناع عنها، والجماعة التي أرادوا تدميرها أصبحت قوة صاروخية تضرب الرياض وأرامكو بدقة كبيرة، وهذا الفشل هو الذي فرض على السعودية البحث عن تحالف جديد، ليس ليهاجم اليمن، بل ليدافع عنها من اليمن.

▪️ تحالف مكة وعقيدة الدفاع الوجودي.

تحالف مكة ليس تحالفاً لمحاربة الإرهاب كما هو معلن، بل هو تحالف للدفاع عن بقاء النظام السعودي. وسمي تحالف مكة، لأن السعودية خسرت الشرعية القانونية في التحالف الأول.

وتشير الكثير من تقارير الأمم المتحدة عن حرب اليمن أن خطاب الشرعية لم يعد يصدق.

فكان لا بد للرياض من الإنتقال إلى شرعية جديدة وبقيمة عليا لا يستطيع أحد مناقشتها، وهي شرعية مكة.

فقام هذا التحالف على هندسة رمزية خطيرة، ليربط بقاء نظام أل سعود ببقاء الكعبة، فعندما يقال بأنهم يدافعون عن مكة المكرمة، فلا أحد يسأل عن القانون الدولي.

ويقوم هذا التحالف على ثلاثة وظائف:

1️⃣  وظيفة تدويل حماية النظام السعودي.

في التحالف الأول كانت السعودية هي من يحمي الرئيس اليمني، وفي تحالف مكة السعودية هي من تطلب الحماية من باكستان ومصر وتركيا، وأن يلتزموا بالدفاع عنها.

وبهذا يتحول أي هجوم على الرياض إلى هجوم على كل عواصم التحالف.

2️⃣  وظيفة  تحويل الصراع إلى صراع مذهبي.

 تحالف الشرعية كان عربياً خالصاً، أما تحالف مكة فهو سني خالص. والهدف هو إعادة تعريف الحرب، فلم تعد الحرب بين السعودية وأنصار الله، بل هي حرباً بين السنة والشيعة.

السعودية تريد أن تحتمي بالمذهب السني بعد أن فشل جيشها في حمايتها.

3️⃣  وظيفة  إدخال إسرائيل إلى منظومة الدفاع السعودي.

هذه هي الوظيفة الأخطر، وتحالف مكة هو الإطار الذي سيسمح بدخول إسرائيل لحماية السعودية دون إحراج داخلي. وسيقال إن منظومات الدفاع الإسرائيلية والرادارات الأمريكية ضرورية جداً لحماية الحرمين من الصواريخ الإيرانية والحوثية.

التطبيع يتحول هنا من قرار سياسي مرفوض إلى واجب ديني لحماية مكة.

▪️الفرق بين التحالف الشرعية وتحالف مكة.

الفرق الجوهري بين التحالفين هو قطيعة كاملة في طريقة تفكير الدولة.

• تحالف الشرعية كان يصدر القوة إلى الخارج، وتحالف مكة يستورد القوة من الخارج.

• في تحالف الشرعية كانت اليمن هي ساحة المعركة، وفي تحالف مكة أصبحت السعودية هي ساحة المعركة.

• في تحالف الشرعية كانت السعودية هي من يمنح الشرعية للآخرين، وفي تحالف مكة أصبحت السعودية هي من يطلب الشرعية من الأماكن المقدسة.

• في تحالف الشرعية كانت السعودية هي القائد، في تحالف مكة أصبحت السعودية هي المحمي الذي تقوده أمريكا وإسرائيل من الخلف.

▪️ الخاتمة :

تحالف الشرعية كان تحالف القوة المغرورة، فكانت الرياض تعتقد أن النصر يشترى بالمال.

بينما تحالف مكة هو تحالف الخوف، فأكتشفت السعودية أن المال لا يشتري الأمن السياسي والاقتصادي لبلدهم.

والدولة التي تحتاج أن تضع الكعبة كدرع أمام قصورها، هي دولة فقدت كل دروعها الأخرى، لذلك لجأت إلى المقدس طلبآ للحماية، وهذا يعني بأنها في آخر مراحل الضعف، وليس في أول مراحل القوة.

وبكيف الله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا