گول ساعة بالسبعة: سبب الأزمات المتكرر من إدارة الانطباع إلى أزمة الادارة
✍️ محمد فخري المولى
بغداد تشرين الأول ٢٠٢٦
حياة العراقيين مع الأزمات تبدو كقصة لها أول لكننا ما زلنا ننتظر نهايتها
اليوم سعر الصرف وبالامس المشتقات النفطية وغدا الله اعلم...
فما إن تنتهي أزمة حتى تفتح أخرى أبوابها وبينهما مساحة واسعة من التبريرات الجاهزة مرةً بسبب الشتاء وأخرى بسبب الصيف والعيد والتبريد والسخانات والظروف الاقتصادية والاستهلاك المتزايد والحالة النفسية والضغط السكاني وأحياناً بسبب ظرف طارئ لا نعرف متى يبدأ ومتى ينتهي.
لكن... وما أدراك ما لكن
السؤال الاهم لماذا تتكرر الأزمات أصلاً
ولماذا تبدو الدولة في كل مرة وكأنها تواجه المشكلة للمرة الأولى؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة والسؤال
الإجابة بلا رتوش يمكن اختزال جزء كبير من المشكلة في عاملين مترابطين:
أولاً: غياب التخطيط الفعلي للطوارئ وإدارة المخاطر والازمات.
ثانياً: طبيعة الأداء الإداري والسياسي للمسؤولين والمؤسسات التنفيذية.
فالأزمة ليست دائماً في الحدث نفسه وإنما في قدرة الدولة على توقعه والاستعداد له واحتوائه ثم معالجة جذوره حتى لا يتحول إلى أزمة متكررة.
سوسيولوجيا الأزمة دولة بلا طوارئ ومجتمع اعتاد على الطابور
ما بعد ٢٠٠٣ كان العراق أمام لحظة تاريخية استثنائية حيث يمكن إدارة مرحلة الانتقال بطريقة أكثر توازناً تجمع بين التخلص من آثار النظام السابق وبين المحافظة على مؤسسات الدولة وقدراتها البشرية والإدارية والإنتاجية،
لكن القرارات الكبرى التي اتخذت في السنوات الأولى وخصوصاً خلال فترة إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة تركت آثاراً بنيوية امتدت إلى سنوات لاحقة
لحظة التأسيس الخاطئة ما بعد التغيير كان يجب أن تدار كمرحلة بناء دولة
لا كمرحلة إدارة مكتسبة وتجريب
العامان الأول والثاني ضاعا في رؤية حاكم عسكري هو جاي غارنر ثم حاكم مدني بصلاحيات عسكرية مطلقة هو بول بريمر Paul Bremer الذي ترأس إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق بين أيار ٢٠٠٣ وحزيران ٢٠٠٤ وأحد أبرز وجوه تلك المرحلة وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بمنهج صناعة القرار في مرحلة تأسيسية
كان يفترض أن تكون أكثر اعتماداً على المعرفة العراقية والخبرة المؤسسية المحلية
فلو أن بعض القرارات الكبرى أُديرت بمشورة عراقية أوسع وبمنظور يجمع بين معارضة النظام السابق والحفاظ على مقومات الدولة
لربما كانت النتائج مختلفة
للمثال حل الجيش والأجهزة الأمنية
هذا القرار لم يكن مجرد قرار إداري ينتهي بانتهاء مفعوله بل كان له أثر طويل في بنية الدولة والأمن والمجتمع
اليوم، وبعد أكثر من عقدين ما زلنا نناقش واحدة من القضايا التي ارتبطت بذلك المسار:
كيف تُحصر القوة والسلاح بيد الدولة ضمن منظومة وطنية مستقرة
مثال آخر يتعلق بالمنشآت والمعامل والشركات الصناعية.
لو حافظ العراق بصورة أوسع على بنيته الصناعية والإنتاجية وتطوّيرها وأعاد هيكلتها لربما كان جزء من مشكلة الاعتماد المفرط على الوظيفة الحكومية قد أخذ مساراً مختلفاً.
الوظيفة الحكومية لم تصبح فقط مصدراً للدخل بل تحولت تدريجياً إلى إحدى أهم أدوات الأمان الاجتماعي
في بلد تراجعت فيه قدرة القطاعات الإنتاجية على استيعاب قوة العمل
هكذا تتداخل السياسة مع الاقتصاد والاقتصاد مع المجتمع
والمجتمع مع الدولة.
من القرار إلى الأزمة
الأزمات لا تولد منفردة
أزمة الأمن ترتبط بسوق العمل وسوق العمل يرتبط بالتعليم والتعليم يرتبط بالاقتصاد والاقتصاد يرتبط بالإنتاج والإنتاج يرتبط بالطاقة والمياه والاستثمار وكل ذلك يرتبط في النهاية بكفاءة الدولة في التخطيط والتنفيذ
لهذا وجدنا أنفسنا أمام سلسلة طويلة من الأزمات:
أزمة أمن
أزمة قوة عمل
أزمة كهرباء
أزمة مشتقات نفطية
أزمة سكن
أزمة السيولة والاقتصاد والتجارة
أزمة في التربية والتعليم
أزمة مياه وزراعة.
ثم جاءت منظومة القطاع المالي والمصرفي ومزاد العملة لتضيف طبقات أخرى من التعقيد إلى الاقتصاد العراقي في ظل اختلالات بنيوية جعلت الاستقرار المالي أكثر صعوبة وفتحت مساحات واسعة للإنفاق غير المنضبط ومظاهر الفساد التي أصبح تفكيكها أكثر تعقيداً بمرور الزمن.
المشكلة ليست العراق يواجه أزمات
كل الدول تواجه أزمات
المشكلة أن الأزمة عندنا كثيراً ما تتحول من حادث استثنائي إلى نمط متكرر
هذا هو الفرق بين دولة تدير الأزمة ودولة تعيش داخل الأزمة.
غياب عقل الطوارئ
الدولة الحديثة لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ بالتفكير لان هناك خطط بديلة وسيناريوهات ومخزونات استراتيجية وبدائل تشغيل ومراكز قرار ومسؤوليات واضحة ومراجعة دورية للخطط.
أما حين تغيب ثقافة الطوارئ يصبح كل حدث مفاجئ وكأنه مفاجأة كاملة
هنا تبدأ دوامة البيانات والتصريحات والاجتماعات واللجان ثم تأتي الحلول المؤقتة وتنتهي الأزمة مؤقتاً
لنعود إليها بعد أشهر أو سنوات بالعنوان نفسه تقريباً
إن غياب التخطيط للطوارئ لا ينتج أزمة واحدة بل ينتج قابلية مستمرة لإنتاج الأزمات
وهذا هو البعد البنيوي للمشكلة.
.
هل نجح الجهاز الحكومي بادارة الازمات
او المسؤول والناطق الرسمي.. بين إدارة الأزمة وإدارة الصورة
الجهاز الحكومي التنفيذي لم ينجح دائماً في تحويل معالجة الأزمات إلى حلول مستدامة، لكنه في أحيان كثيرة نجح في إنتاج منظومة من المسؤولين والناطقين الرسميين مهمتها الأساسية تقديم صورة مطمئنة عن أداء المؤسسة.
المشكلة هنا ليست في وجود الناطق الرسمي
فهذا جزء طبيعي من عمل الدولة.
المشكلة عندما تتحول وظيفة الاتصال الحكومي من شرح الواقع ومصارحة المواطن إلى حماية صورة المسؤول الأعلى
فتصبح اللغة أكثر وردية من الواقع والإنجاز أكبر في التصريحات منه على الأرض، بينما المواطن يعيش التفاصيل اليومية للأزمة بكل ثقلها وهنا يظهر خلل مهم في العلاقة بين الدولة والمجتمع:
المواطن يعرف الواقع لأنه يعيشه بينما المسؤول يراه أحياناً من خلال التقارير
وعندما تتسع المسافة بين الاثنين تصبح الأزمة أزمة ثقة أيضاً.
گول ساعة بالسبعة... حين تختصر عبارة صغيرة أزمة دولة.
لعل أجمل ما يختصر هذه الفكرة موقف عابر بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤
كانت أزمة المشتقات النفطية في ذروتها وواحدة من الأزمات اليومية الثقيلة البنزين حلم والنفط الأبيض معركة وأسطوانة الغاز هي الطفل المدلل الذي لا يأتي إلا بشق الأنفس وكان المواطن يقضي يوماً أو يومين في طابور للتزود السيارة بمادة البنزين
او الحصول على النفط، الغاز
كانت أسطوانة غاز واحدة على سبيل المثال قصة بحد ذاتها
الطابور لم يكن مجرد مكان لاستلام مادة أساسية بل تحول إلى مساحة للتعارف والتكافل وتبادل الأخبار
وفي الوقت نفسه كان يكشف معدن الإنسان من يتقدم على الآخرين
ومن ينتظر دوره ومن يساعد
ومن يستغل حاجة غيره...
في أحد أيام الشتاء القاسية كنت بطابور طويل قرب محطة الكيلاني في قلب بغداد بانتظار افتتاح المحطة للتزود بالوقود (البنزين)
كانت ساعات الانتظار قد تجاوزت اثنتي عشرة ساعة حيث كان موعد الافتتاح
بحسب الظروف الأمنية وتوفر المنتج
عند الساعة الثامنة صباحا تقريباً
اقتربت الساعة الثامنة
فجأة بدأ طرق قوي على زجاج السيارات ومنها سيارتي
مسلحون ينتشرون بكثافة يتحركون بسرعة بين السيارات
فتحنا النوافذ لنعرف ماذا يحدث
هل هناك تحذير أمني؟
هل هناك حركة عسكرية؟
هل هناك رتل أمريكي؟
هل حدث طارئ؟
لانك لا تعلم متى ياتي الخرق الامني
كانت المفاجأة أن هناك عبارة قيلت ببساطة وعلى السريع كما يردد من قبل المسلحين ومن يرتدون زي امني
(گول ساعة بالسبعة)
في البداية لم أفهم المقصود ولم أكن الوحيد الذي لم يفهم المقصود
لان الجميع ينتظر فتح ابواب المحطة ولم يبقَ على الموعد سوى وقت قصير
لكن سرعان ما اتضحت الصورة والرؤية
كان هناك مسؤول رفيع المستوى محاط بحماية مسلحة يسأل سائقي السيارات واحداً واحداً
وبعبارات ودية من نوع
حجي، أبويه، أخوية، ابني...
ثم يأتي السؤال
بيش الساعة لازم سَرّة؟
هنا اكتملت الأحجية
كان المطلوب أن يسمع المسؤول
ما يطمئنه لا ما يعكس حقيقة
ما يكابد الناس الواقفين أمامه
فالمواطن الذي قضى ساعات طويلة في البرد ينتظر البنزين ويحلم بكوب شاي ساخن وشيء يأكله وقليل من النوم
لم يكن في وضع يسمح له بنقاش طويل
وفي المقابل كان المسؤول في موقع أكثر راحة محاطاً بالحماية والحاشية
هنا يصبح الحوار بين الطرفين أشبه پـ نقاش بيزنطي بين طرفين غير متكافئين
طرف يعيش الأزمة وطرف يراقب الأزمة
الفارق بين الاثنين هو جوهر المشكلة.
گول ساعة بالسبعة ليست قصة بنزين
لانه اليوم بعد مرور سنوات طويلة
تبدو العبارة أكبر من حادثة عابرة
گول ساعة بالسبعة أصبحت رمزاً لطريقة تعامل مع الأزمات:
لا تسأل المواطن ماذا يحدث فعلاً
اسأله عما تريد أن تسمعه.
هنا تبدأ المشكلة
عندما يصل الواقع إلى المسؤول مصفىً من الشكاوى ومخففاً من الحقائق ومزيناً بالتقارير يصبح القرار مبنياً على صورة غير مكتملة
ومن هنا يمكن أن نفهم
لماذا تتكرر بعض الأزمات
فالقرار الخاطئ لا ينهي الأزمة بل يؤجلها والحل المؤقت لا يعالج الجذر
بل يمنح المشكلة فرصة للعودة
والتصريح المتفائل لا يغير الواقع
بل يؤخر الاعتراف به.
الأزمة ليست قدراً
العراق ليس محكوماً بأن يعيش في الأزمات
ولا توجد قاعدة تقول
إن الكهرباء يجب أن تبقى أزمة
أو السكن أزمة أو المياه أزمة
أو فرص العمل أزمة
أو المشتقات النفطية أزمة
الأزمة تصبح مزمنة عندما تتكرر الأسباب نفسها وتتعطل آليات التصحيح ويغيب التخطيط بعيد المدى ولا توجد مساءلة حقيقية عن فشل الحلول السابقة
لهذا فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي
أن يكون حملة مؤقتة
لمعالجة أزمة جديدة
بل نحتاج إلى إعادة بناء عقل الدولة في إدارة الأزمات:
التخطيط بعيد المدى
خطط طوارئ حقيقية
مراكز معلومات دقيقة
قرارات مبنية على البيانات
تقييم دوري للسياسات
مساءلة عن النتائج
وإدارة تتعامل مع المواطن باعتباره شريكاً في الحل لا رقماً في تقرير
الأهم من ذلك كله:
أن نسمع المواطن كما هو
لا كما نرغب أن يكون
فالمواطن الذي يقف ساعات طويلة في طابور لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الأزمة غير موجودة
إنه يحتاج إلى دولة تسأله:
لماذا انتظرت كل هذه الساعات
وكيف نمنع تكرار ذلك
وهنا تعود العبارة القديمة
گول ساعة بالسبعة
لتتحول من ذكرى مرتبطة بطابور بنزين إلى سؤال أكبر عن الدولة
هل نريد معرفة الحقيقة كما هي
أم نريد فقط سماع الوقت الذي يريح المسؤول وهو سبب الأزمات المتكرر.
في الختام
منذ ٢٠٠٣ وحتى اليوم ما زالت الحاجة قائمة إلى تشخيص الأخطاء بعيداً عن الانطباع والتبرير والانتقال إلى تحليل بنيوي واجتماعي ومؤسسي
يضع الحلول الاستراتيجية المستدامة على الطاولة بين طرفين غير متكافئين طرف أول مسؤول في قمة الراحة يريد سماع الوهم، وطرف ثانٍ مواطن في قمة الإرهاق مجبر على صناعة الوهم
الحل لن يكون بترقيع الأزمات بل بالانتقال من عقلية إدارة الأزمة بالانطباع إلى عقلية إدارة الدولة بالتخطيط الاستراتيجي المستدام وبعيون مهنية وتشخيص الأخطاء بشجاعة.
لأن العراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمة المقبلة فقط...بل يحتاج إلى منظومة تمنع الأزمة من أن تصبح أسلوب حياة.
تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
ادارة مجموعات
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt
#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi
التعليقات الأخيرة