أخبار عاجلة
news-details
مقالات

نَفَحَاتُ الْجُمُعَةِ

نَفَحَاتُ الْجُمُعَةِ

 :
"أُخُوَّةُ الإِيمَانِ… عَهْدٌ مِنَ الرَّحْمَنِ وَمَدْرَسَةٌ لِبِنَاءِ الإِنْسَانِ"
دروسٌ تربويةٌ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
في نفحات الجمعة المباركة، حيث تتطلع القلوب إلى رحمة الله، وتشتاق الأرواح إلى نور الهداية، نقف أمام آية كريمة تختصر فلسفة الإسلام في بناء المجتمع، وترسم طريقًا واضحًا للمحبة، والتراحم، والتكافل، قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].
إنها ليست مجرد كلمات تُتلى، بل ميثاق إيماني ،وتربوي، ومسؤولية أخلاقية، ومنهج حياة يُعلِّم الإنسان أن رابطة الإيمان أكبر من خلاف عابر، وأسمى من مصلحة زائلة، وأقوى من كل نزعة تُفرِّق القلوب وتزرع العداوة بين الناس.
أولًا: الأخوة الإيمانية تربيةٌ على المحبة لا على الشعارات:
حين يعلن القرآن أن المؤمنين إخوة، فإنه ينقل الأخوة من دائرة الكلام إلى ميدان السلوك؛ فلا تكون الأخوة منشورًا جميلًا نكتبه، بل يدًا تمتد للمحتاج، وقلبًا يعفو عن المسيء، ولسانًا يحفظ كرامة الغائب، ونفسًا تفرح لنجاح الآخرين كما تفرح لنجاح نفسها. فالإيمان الذي لا يثمر رحمةً بالخلق يحتاج إلى مراجعة صادقة للنفس.
ثانيًا: الإصلاح بين الناس عبادةٌ ،ورسالةٌ تربوية:
لم تأتِ الآية لتقرر الأخوة فحسب، بل أعقبت ذلك بالأمر بالإصلاح: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾؛ لأن الأخوة قد تضعف أمام الغضب وسوء الفهم ونزغات الشيطان. وهنا يأتي دور المربي ،والداعية، والمعلم، والأب ،والأم ،وكل صاحب كلمة مؤثرة، فيطفئون نار الفتنة، ويقرّبون وجهات النظر، ويمنعون الخصومة من التحول إلى قطيعة. فليس المصلح من ينتصر لطرف على حساب الآخر، بل من ينصر الحق، ويحفظ الكرامة، ويعيد المودة إلى القلوب.
ثالثًا: احترام الكرامة، ومقاومة التنمر، والغيبة:
الأخوة الحقيقية ترفض السخرية، والتنابز بالألقاب ،والاحتقار، والغيبة، وقد وضع القرآن لهذه الأخلاق ضوابط واضحة في الآيات التالية من سورة الحجرات. فكيف يدّعي الإنسان الأخوة ثم يجرح أخاه بكلمة، أو يشهّر به أمام الناس، أو يتلذذ بسقوطه؟ إن التربية الإيمانية تبدأ من ضبط اللسان، وتهذيب المشاعر، وتعليم الأبناء أن اختلاف الناس لا يسوّغ إهانتهم، وأن الكلمة الطيبة قد تجبر قلبًا، بينما قد تترك الكلمة الجارحة ندبةً لا تُمحى بسهولة.
رابعًا: الأخوة مسؤوليةٌ في البيت، والمدرسة، والمجتمع.
نحتاج إلى غرس معنى الأخوة في نفوس أبنائنا منذ الصغر؛ فيتعلم الطفل المشاركة بدل الأنانية، والتسامح بدل الانتقام، والحوار بدل العنف، والتعاون بدل الحسد. ونحتاج إلى مجتمع يساند الضعيف، ويحترم الكبير، ويرحم الصغير، ويحتضن المحتاج، ويجعل اختلاف الرأي بابًا للتفاهم لا ذريعةً للعداء. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بقلوب متآلفة، ونفوس مسؤولة، وأيدٍ تتعاون على الخير.
وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وشبّك بين أصابعه".
" رواه البخاري ومسلم"
 إنه تصوير بليغ لمجتمع يقوى بتماسك أفراده، ويضعف حين يتخلى بعضهم عن بعض.
الخاتمة: اجعلوا الجمعة بدايةً للمحبة والإصلاح:
في هذه الجمعة المباركة، لنسأل أنفسنا: 
هل كنا سببًا في جمع القلوب أم في تفريقها؟ هل جبرنا خاطرًا مكسورًا، أو أصلحنا بين متخاصمين، أو عفونا عمن أساء إلينا؟ إن أعظم الدروس التربوية أن نُحوِّل الإيمان إلى أخلاق، والعبادة إلى رحمة، والأخوة إلى مواقف صادقة.
اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وطهّر ألسنتنا من الغيبة، وقلوبنا من الحقد والحسد، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وارزقنا أخوةً صادقةً تُرضيك، ورحمةً تسع الناس، وعملًا يبقى أثره الطيب بعد رحيلنا.
اللهم فرجا عاجلا للأمة يارب العالمين .
 جمعة مباركة، تتجدد فيها معاني الأخوة، وتتصالح فيها القلوب، وتسمو فيها الأرواح بطاعة الله ومحبته. 
اللهم امين يارب العالمين.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا