news-details
مقالات

ارهاصات مجنون  قراءة في كواليس التحالفات وحروب الوكالة

 

!!!
د. طالب الشوكة
ليس كل ما يبدو صراعاً عسكرياً على حدود دولة ما مجرد مواجهة لحماية الأمن أو ردع الخصم؛ ففي كثير من الأحيان، تكون الجبهات المشتعلة مسارح لصراع أوسع، تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتُختبر فيها قدرة الدول على الصمود، بينما يعاد تشكيل موازين القوة بعيداً عن خطوط النار المباشرة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة المشهد اليمني باعتباره نزاعاً محلياً أو مواجهة سعودية مع جماعة أنصار الله فحسب، بل ينبغي النظر إليه ضمن شبكة معقدة من الحسابات الاستراتيجية التي تشمل أمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وأسواق الطاقة، وطموحات القوى الإقليمية، وموقع الولايات المتحدة وإسرائيل في معادلة النفوذ المتغيرة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل نحن أمام صراع يسعى أطرافه إلى تحقيق أهداف محددة، أم أمام بيئة استنزاف قد تكون نتائجها أوسع من أهداف من أشعلوا المواجهة؟
اليمن.. حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح
تقدم تجربة التدخل العسكري المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي درساً مهماً في حدود القوة العسكرية عندما تواجه بيئة جغرافية واجتماعية شديدة التعقيد. فقد واجهت القوات المصرية ظروفاً ميدانية صعبة، وتحولت الحرب إلى استنزاف طويل استهلك الموارد والجهد، من دون أن يضمن التفوق العسكري حسم النتائج السياسية بالسرعة المطلوبة.
ولا يعني استحضار هذه التجربة أن التاريخ سيكرر نفسه بحذافيره، أو أن أي تدخل عسكري جديد سيواجه المصير ذاته، لكنه يكشف حقيقة استراتيجية لا ينبغي تجاهلها: التفوق في السلاح لا يساوي والتداخلات القبلية والاجتماعية، وانتشار أساليب القتال غير المتكافئ، كلها عوامل ترفع تكلفة العمليات البرية وتمنح القوات المحلية المدافعة مزايا لا يمكن إلغاؤها بمجرد امتلاك الطائرات المتطورة أو أنظمة الاستطلاع الحديثة.
كما أن جماعة أنصار الله ليست مجرد تشكيل عسكري يمكن عزله عن بيئته السياسية والاجتماعية. فهي تمتلك بنية تنظيمية وعقائدية وخبرة ميدانية تراكمت عبر سنوات الصراع. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه العوامل إلى أسطورة عن قوة لا تُهزم؛ فالتماسك الداخلي والقدرة على التحمل لا يعنيان غياب نقاط الضعف، كما أن الصمود العسكري لا يساوي بالضرورة النجاح في إدارة الدولة أو تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
إن الخلاصة الاستراتيجية هنا واضحة: أي طرف يفكر في تدخل بري واسع داخل اليمن مطالب بأن يحسب تكلفة الدخول، وتعقيدات البقاء، وشروط الخروج، لا أن يكتفي بتقدير قدرته على بدء العمليات.
التحالفات.. مصالح متقاطعة لا إرادات متطابقة
عندما تتجه الدول إلى بناء تحالفات إقليمية، فإن الخطاب الرسمي يتحدث عادة عن الأمن المشترك، والدفاع المتبادل، وحماية الاستقرار. لكن الاختبار الحقيقي لأي تحالف لا يكمن في بيانات تأسيسه، بل في طبيعة المصالح التي تجمع أطرافه، ومدى استعداد كل طرف لتحمل التكلفة عندما تتحول الالتزامات السياسية إلى مواجهة فعلية.
فالسعودية تنظر إلى اليمن من زاوية أمنها الوطني ومكانتها الإقليمية وحماية حدودها. وقد ترى في التعاون مع قوى أخرى وسيلة لتوسيع خياراتها الأمنية وتقاسم أعباء المواجهة. غير أن قدرتها الاقتصادية والعسكرية لا تلغي حقيقة أن الحروب الطويلة قد تفرض تكاليف مالية وسياسية، وأن حماية المكانة الدولية لا تتحقق دائماً بتوسيع الانخراط العسكري.
أما تركيا، فإن حساباتها الإقليمية ترتبط بطموحاتها في توسيع مجال نفوذها، وتعزيز موقعها في طرق التجارة والطاقة، وتثبيت حضورها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. لكن هذه الطموحات لا تعني تلقائياً أن أنقرة مستعدة للدخول في حرب يمنية مباشرة؛ إذ تظل التكلفة العسكرية، والعلاقات مع القوى الأخرى، والأولويات الداخلية، عوامل مؤثرة في أي قرار.

وبالنسبة إلى باكستان، فإن الضغوط الاقتصادية والاحتياجات المالية تجعل المصالح الاقتصادية والأمنية جزءاً مهماً من حساباتها الخارجية. ومع ذلك، لا يكفي وضعها الاقتصادي وحده لاستنتاج أنها ستقبل بأي التزام عسكري مقابل الدعم المالي؛ فالقرار الباكستاني تحكمه أيضاً اعتبارات الأمن الداخلي، والعلاقات الإقليمية، وتوازناتها الاستراتيجية.
وهكذا قد يجتمع الحلفاء على هدف معلن، بينما تختلف حساباتهم بشأن طبيعة المخاطر، وحجم الالتزامات، وتوزيع المكاسب. وقد يستمر التحالف رغم هذا الاختلاف إذا كانت المصالح المشتركة قوية، أو يتعرض للاهتزاز عندما تتباعد الأهداف وترتفع التكلفة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف المصالح بحد ذاته، بل في الاعتقاد بأن وجود تحالف سياسي يكفي لضمان وحدة القرار عند اندلاع الحرب.
واشنطن وتل أبيب.. من يحمي الممرات ومن يجني المكاسب؟
لا يمكن فهم مستقبل اليمن والبحر الأحمر من دون التوقف عند الدور الأميركي والإسرائيلي، لكن ينبغي التمييز بين مصالح الطرفين، حتى عندما تتقاطع بعض أهدافهما.
تسعى الولايات المتحدة إلى حماية الملاحة الدولية، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، والحفاظ على قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن معضلة مستمرة تتمثل في الموازنة بين حماية حلفائها وتجنب الانخراط في حروب طويلة ومكلفة تستنزف مواردها وتشتت أولوياتها الدولية.
ومن هنا يمكن طرح فرضية تراجع الاستعداد الأميركي لخوض مواجهات واسعة ومفتوحة، مع استمرار أشكال أخرى من الدعم العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي. فخفض مستوى التدخل المباشر، إن حدث، لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عن الحلفاء، لكنه قد يدفع القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها بشأن مقدار ما تستطيع الاعتماد فيه على واشنطن.
أما إسرائيل، فإن أمن البحر الأحمر وباب المندب يرتبط بمصالحها التجارية والاستراتيجية، ولا سيما ما يتعلق بميناء إيلات وطرق التجارة والطاقة. وقد تمنحها الاضطرابات الإقليمية فرصة لتعزيز بعض أدوارها، أو تدفعها في المقابل إلى تحمل مخاطر أمنية واقتصادية إضافية.

وهنا تتبلور فرضية تستحق البحث: هل يمكن أن يؤدي تراجع الانخراط الأميركي المباشر في بعض ساحات الصراع، بالتوازي مع سعي إسرائيل إلى تعزيز موقعها في منظومة الممرات البحرية والطاقة، إلى إعادة توزيع النفوذ على حساب قوى إقليمية أخرى؟
إن طرح هذا السؤال مشروع، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى فحص السياسات والاتفاقات والمشروعات الفعلية، لا الاكتفاء بتفسير كل تحول باعتباره جزءاً من خطة واحدة.
النفط والموانئ.. الجغرافيا الاقتصادية للصراع
تكتسب طرق تصدير النفط أهمية تتجاوز كونها مسارات لنقل الطاقة؛ فهي أدوات نفوذ، وعناصر في معادلات الأمن القومي، ومصادر محتملة للمكاسب الاقتصادية والسياسية.
فإذا تعرضت الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب لتهديدات متكررة، فإن الدول المصدرة للطاقة ستبحث عن بدائل تقلل تعرض صادراتها للمخاطر. وقد تتضمن هذه البدائل خطوط أنابيب جديدة، أو زيادة الاعتماد على مسارات برية، أو تنويع منافذ التصدير.
وفي هذا السياق، يمكن أن تبرز إسرائيل بوصفها طرفاً يسعى إلى الاستفادة من موقعه الجغرافي وبنيته التحتية، إذا توافرت مشروعات قابلة للتنفيذ تربط مصادر النفط الخليجية بموانئها على البحر المتوسط.
لكن تحويل هذا الاحتمال إلى نتيجة مؤكدة يتطلب النظر في القدرة الاستيعابية للأنابيب والموانئ، والكلفة المالية، والجدوى التجارية، والمواقف السياسية للدول المعنية، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي قد تجعل الاعتماد على مسار بديل مكلفاً أو غير مضمون.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود بدائل محتملة قد يغير الحسابات الاستراتيجية. فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة لتصدير مواردها تكون أقل تعرضاً للضغط، بينما قد تكتسب الدولة التي توفر مساراً بديلاً نفوذاً إضافياً إذا أصبح ذلك المسار ضرورياً لشركائها.ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك النفط، بل بمن يملك القدرة على نقله، وبمن يستطيع التأثير في طرق عبوره، وبمن يتحمل تكلفة تعطيلها.

هل يكون استنزاف السعودية هدفاً استراتيجياً؟
هنا نصل إلى الفرضية الأكثر حساسية في هذه القراءة: هل يمكن أن يتحول استمرار الصراع في اليمن، وما يرافقه من تهديدات للممرات البحرية وتكاليف أمنية واقتصادية، إلى عامل يضعف السعودية ويعيد تشكيل موقعها الإقليمي؟
من الناحية الاستراتيجية، يمكن تصور سيناريو تتراكم فيه الضغوط العسكرية والمالية، وتتراجع فيه قدرة المملكة على التركيز على أولوياتها التنموية، وتزداد فيه حاجتها إلى ترتيبات أمنية خارجية أو إلى شراكات إقليمية جديدة. وقد تستفيد أطراف أخرى من أي تراجع في قدرتها على المناورة أو من انشغالها بأزمات ممتدة.
لكن الانتقال من احتمال الاستنزاف إلى القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان عمداً إلى تفكيك السعودية يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود هذه الغاية والتنسيق لتحقيقها. فاستفادة دولة من إضعاف منافس محتمل لا تثبت وحدها أنها صنعت الأزمة أو خططت لإطالتها.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن التفكيك ليس السيناريو الوحيد الذي قد يهدد مكانة الدولة؛ فقد يكون الاستنزاف الطويل كافياً لتقليص هامش استقلال قرارها، أو زيادة اعتمادها على شركاء خارجيين، أو دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الضرورات الأمنية.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين تفكيك الدولة بمعناه السياسي والجغرافي، وبين إنهاكها اقتصادياً وعسكرياً، وبين إعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي. فهذه نتائج مختلفة، ولكل منها مؤشرات وأدلة ينبغي فحصها على حدة.
إن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس ما إذا كان هذا السيناريو مؤكداً، بل ما إذا كانت التحولات الجارية تخلق ظروفاً قد تجعل السعودية أكثر عرضة للضغط، ومن هي الأطراف التي يمكن أن تستفيد من ذلك، وما الخيارات المتاحة للمملكة لتجنب هذا المسار.
روسيا والصين.. حسابات الفرصة وحدود المغامرة
تراقب روسيا والصين التحولات في الشرق الأوسط من زاويتين متداخلتين: حماية مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية، والاستفادة من أي تغير في موازين القوة الدولية.
فالصين تعتمد على استقرار طرق التجارة والطاقة، وتحتاج إلى بيئة إقليمية لا تعطل سلاسل الإمداد أو ترفع كلفة النقل والتأمين بصورة مستمرة. أما روسيا، فإنها تنظر إلى التوازنات الإقليمية أيضاً في ضوء منافستها مع الغرب، وما قد تمنحه الأزمات من فرص دبلوماسية أو استراتيجية.
لكن من الخطأ افتراض أن موسكو وبكين ترغبان بالضرورة في استمرار كل أزمة تستنزف الولايات المتحدة أو حلفاءها. فقد تحققان مكاسب سياسية من بعض التحولات، بينما تتضرران اقتصادياً من اضطراب التجارة وارتفاع المخاطر البحرية.
وتتوقف مواقفهما على طبيعة الأزمة، وحجم مصالحهما المباشرة، ومدى تأثيرها في علاقاتهما مع دول المنطقة. لذلك قد تختاران الضغط الدبلوماسي أو الوساطة أو تعزيز علاقاتهما الاقتصادية بدلاً من الانخراط في مواجهة مباشرة.
إن منطق القوى الكبرى لا يقوم على الاستفادة من الفوضى وحدها، بل على محاولة التأثير في نتائجها بأقل تكلفة ممكنة.
المستفيد من الإنهاك المتبادل؟
في الصراعات الطويلة، لا تتوزع الخسائر والمكاسب بالتساوي. فقد يتحمل الطرفان المتواجهان الكلفة المباشرة، بينما تستطيع أطراف أخرى توسيع نفوذها الدبلوماسي أو الاقتصادي، أو تحسين موقعها التفاوضي، أو الاستفادة من تغير طرق التجارة والطاقة.
لكن لا بد من التمييز بين الاستفادة من الأزمة والتسبب فيها، وبين استثمار نتائج الصراع وتعمد إدامته. فهذه فروق جوهرية في التحليل، ولا يجوز تجاوزها من دون قرائن. ومع ذلك، فإن احتمال نشوء معادلة يستنزف فيها طرفان مواردهما بينما تتوسع خيارات أطراف ثالثة يطرح سؤالاً مهماً: هل تستطيع القوى الإقليمية إدارة خلافاتها بحيث لا تتحول إلى أدوات في صراع أكبر على النفوذ والممرات والأسواق؟ إن استمرار الصراع قد يجعل جميع الأطراف أكثر اعتماداً على ترتيبات أمنية واقتصادية خارجية، ويمنح القوى القادرة على توفير الحماية أو التمويل أو مسارات التجارة فرصاً إضافية للتأثير في قرارات المنطقة.
وفي مثل هذه البيئة، لا تكون الخسارة دائماً انهياراً عسكرياً واضحاً؛ فقد تكون تراجعاً تدريجياً في حرية القرار، أو ارتفاعاً في تكلفة حماية المصالح، أو انشغالاً دائماً بأزمات تؤجل مشروعات التنمية وتستنزف الموارد.
المصالح والقيم.. من يدفع الثمن؟
يكشف التاريخ أن الدول لا تتحرك بدافع واحد. فالأمن والمصلحة الاقتصادية والهوية والشرعية السياسية والمخاوف الاستراتيجية قد تتداخل في صناعة القرار. وقد تستخدم الحكومات الشعارات الأخلاقية أو القومية أو الدينية لتعبئة المجتمعات وتبرير سياساتها، كما قد تكون هذه القيم نفسها مؤثرة فعلياً في خيارات بعض الأطراف. لكن عندما تتحول المصلحة الضيقة إلى معيار وحيد، يصبح من السهل تبرير التضحيات التي يتحملها الآخرون، وتأجيل الأسئلة المتعلقة بمستقبل الشعوب واستقرار الدول. ولعل أخطر ما في الحروب الممتدة أن السلطة قد تقيس النجاح بمقدار ما تحافظ عليه من نفوذ أو مكانة، بينما تقيس المجتمعات النتائج بمقدار ما تفقده من أمن وفرص عمل وخدمات واستقرار. ومن هنا تبرز مسؤولية التحليل السياسي: ألا يكتفي بتفسير دوافع الحكام، بل أن يسأل أيضاً عن الكلفة التي يتحملها المواطنون، وعن البدائل التي كان يمكن اتباعها، وعن اللحظة التي يصبح فيها استمرار المواجهة أكثر ضرراً من التسوية.
.. هل أفاق المجنون مبكراً؟
قد يبدو لمن يراقب المشهد من بعيد أن السياسة لعبة تحكمها المصالح وحدها، وأن التحالفات لا تتجاوز كونها ترتيبات مؤقتة تتغير بتغير موازين القوة. وفي هذا التصور، تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، والنفط إلى ورقة تفاوض، والممرات البحرية إلى مفاتيح للنفوذ، بينما تصبح الشعوب الطرف الذي يتحمل نتائج القرارات الكبرى. غير أن الواقعية السياسية لا تعني التسليم بأن الحروب قدر محتوم، ولا أن كل أزمة تقف وراءها خطة سرية واحدة. إنها تعني قراءة الوقائع كما هي، واختبار الفرضيات، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما تسمح به الاحتمالات.
إن اليمن يقدم درساً قاسياً في حدود القوة العسكرية، والبحر الأحمر يكشف أهمية الممرات في صراعات النفوذ، والتحالفات الإقليمية تذكّرنا بأن المصالح قد تجمع الدول اليوم وتضعها أمام اختبارات صعبة غداً.

أما السعودية، فإن التحدي الذي تواجهه لا يقتصر على حماية حدودها، بل يشمل تجنب الاستنزاف طويل الأمد، والحفاظ على استقلال قرارها، وتنويع خياراتها الأمنية والاقتصادية، وعدم السماح بتحول الأزمات المتكررة إلى قيد دائم على مستقبلها.
وفي المقابل، فإن الجزم بوجود مشروع أميركي ـ إسرائيلي لتفكيكها يظل فرضية استراتيجية تحتاج إلى أدلة تثبت النية وآليات التنفيذ، لا مجرد مؤشرات يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة. وقيمة هذه الفرضية أنها تفتح باب البحث في النتائج المحتملة للتحولات الجارية، لا أنها تغلق النقاش بحكم نهائي.
فالسياسة لا تكشف أسرارها بالشعارات المضادة للشعارات، وإنما بقراءة المصالح، ومقارنة الأفعال بالأقوال، ومراقبة النتائج، واختبار الفرضيات في ضوء الوقائع.
وربما يكون «الجنون» في السياسة أن يصدق المرء كل ما يقال له، أو أن يطمئن إلى أن التحالفات دائمة، أو أن يظن أن التفوق العسكري وحده يصنع المستقبل. لكن النضج الاستراتيجي يقتضي أيضاً ألا نرى مؤامرة مؤكدة في كل تحول، بل أن نبحث عن الدليل الذي يفصل بين الاحتمال والحقيقة.
فهل نحن أمام صراع ينتهي بتسوية تعيد ترتيب المصالح، أم أمام مسار استنزاف يعيد رسم موازين القوة في المنطقة؟

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا