ارهاصات مجنون الأخلاق في زمن المادة: هل فقد الإنسان بوصلته الإنسانية؟ الجزء الثاني
د. طالب الشوكة
لم تعد أزمة الأخلاق في عالمنا المعاصر مجرد مسألة تتعلق بتراجع بعض العادات والتقاليد، أو اختلاف الأجيال في فهمها للسلوك المقبول والمرفوض، بل أصبحت ترتبط بسؤال أعمق: هل تغيرت نظرة الإنسان إلى الإنسان نفسه، حتى باتت القيمة المادية تتقدم، في كثير من الأحيان، على القيم الأخلاقية والإنسانية؟
لقد شهدت المجتمعات تحولات واسعة في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية ومعايير النجاح. وأصبح المال، في بعض البيئات، مقياساً للمكانة والاحترام، حتى إن قيمة الإنسان قد تُقاس بما يمتلكه، لا بما يحمله من علم ونزاهة وصدق وقدرة على العطاء. وهنا تبدأ المشكلة عندما يتحول المال من وسيلة لتأمين الحياة الكريمة إلى غاية تبرر التضحية بالمبادئ، وتصبح المصلحة الشخصية مقدمة على حقوق الآخرين.
إن الإنسان لا يولد محمّلاً بمنظومة أخلاقية مكتملة، بل تتشكل شخصيته عبر التربية والتجربة والبيئة التي يعيش فيها. وتبقى الأسرة الحاضنة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الصدق والأمانة والرحمة واحترام الآخرين. فالطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلمات وحدها، وإنما من سلوك والديه، ومن الطريقة التي يتعاملان بها مع الناس، ومن مدى التزامهما بما يطلبانه منه.
غير أن التربية الأسرية، على أهميتها، تواجه تحديات متزايدة عندما يجد الإنسان نفسه في مجتمع تتناقض فيه المبادئ المعلنة مع الممارسات اليومية. فكيف يمكن لطفل أن يقتنع بقيمة النزاهة إذا رأى أن بعض الذين يحققون مصالحهم بطرق ملتوية يحظون بالثراء والنفوذ، بينما يواجه الإنسان النزيه صعوبات معيشية واجتماعية؟ وكيف يمكن ترسيخ احترام القانون عندما يشاهد الفرد أن تطبيقه قد يخضع أحياناً لقوة المال أو النفوذ؟
إن هذا التناقض لا يعني أن النزاهة أصبحت مستحيلة، لكنه يكشف عن صراع بين ما يتعلمه الإنسان من قيم وما يواجهه من ضغوط ومغريات. وهنا تظهر أهمية الضمير؛ فهو الرقيب الداخلي الذي يدفع الإنسان إلى التمييز بين ما يستطيع فعله وما ينبغي له فعله. وقد يمتلك المرء فرصة للحصول على منفعة غير مشروعة دون أن يكتشفه أحد، لكن قوة الضمير تجعله يدرك أن غياب العقوبة لا يحول الخطأ إلى صواب. ويأتي الدين ليعزز هذه المنظومة من خلال ترسيخ قيم الأمانة والعدل والرحمة وصون حقوق الآخرين. غير أن التدين في مظهره لا يكفي وحده للحكم على أخلاق الإنسان؛ فالقيمة الحقيقية تظهر في سلوكه، وفي مدى انعكاس معتقداته على معاملاته ومواقفه، ولا سيما حين تتعارض مصالحه مع حقوق الآخرين. فالفارق كبير بين معرفة الفضيلة وممارستها، وبين الحديث عن القيم والاستعداد لتحمل كلفتها .ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن نحمّل الظروف الاقتصادية وحدها مسؤولية التراجع الأخلاقي، أو أن نفترض أن الفقر يفسد الإنسان بالضرورة، وأن الثراء يجرده من إنسانيته. فالواقع أكثر تعقيداً؛ إذ قد تدفع الحاجة الشديدة بعض الناس إلى مواقف صعبة، بينما يتمسك آخرون بمبادئهم رغم قسوة ظروفهم. وقد يكون الإنسان ثرياً ونزيهاً، كما قد يكون فقيراً أو غنياً ويمارس الظلم. إن الظروف تختبر القيم وتؤثر فيها، لكنها لا تلغي مسؤولية الفرد عن اختياراته. وتزداد خطورة الأزمة عندما تتحول المصلحة المادية إلى معيار للحكم على العلاقات الإنسانية. فعندما تُختزل الصداقة في المنفعة، وصلة الرحم في المصالح، والاحترام في المكانة الاجتماعية، يصبح الإنسان مهدداً بفقدان جانب أساسي من إنسانيته. وقد تصل المفارقة إلى أن تتراجع روابط القرابة أمام النزاع على المال والميراث، فتتحول الثروة التي يفترض أن تكون وسيلة للاستقرار إلى سبب للخصومة والتفكك. ولا يعني ذلك أن الماضي كان عصراً مثالياً تسوده الفضيلة، فقد عرف التاريخ أشكالاً واسعة من الظلم والاستغلال والتمييز. لكن الحنين إلى بعض جوانب الماضي قد يعكس افتقاد الإنسان المعاصر إلى معانٍ اجتماعية كانت تمنح العلاقات قدراً أكبر من التضامن والتكافل المباشر. وفي المقابل، أتاح الوعي الحديث فرصاً أوسع لمقاومة التمييز، والدفاع عن الحقوق، ومحاسبة أصحاب السلطة. لذلك لا ينبغي قياس أخلاق المجتمعات بمجرد المقارنة بين زمنين، بل بالنظر إلى السلوك الفعلي، ومدى احترام الكرامة الإنسانية، والعدالة في التعامل مع الناس. إن استعادة البوصلة الأخلاقية لا تتحقق بالمواعظ وحدها، ولا بإلقاء المسؤولية على الأجيال الجديدة، بل تتطلب تضافر الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والقانونية. فالأسرة تزرع القيم، والمدرسة تعززها، والضمير يحرسها، والقانون يحمي الحقوق، فيما يوفر المجتمع العادل بيئة تساعد الإنسان على الالتزام بمبادئه من دون أن يشعر بأن النزاهة عبء يدفع ثمنه وحده. وفي هذا السياق، يصبح إصلاح الواقع الاجتماعي جزءاً من إصلاح المنظومة الأخلاقية. فمحاربة الفساد، والحد من الظلم، وتكافؤ الفرص، واحترام القانون، وتوفير الحياة الكريمة، ليست قضايا اقتصادية وإدارية فحسب، بل لها أبعاد أخلاقية عميقة. إذ يصعب بناء الثقة بين الناس حين يشعرون بأن الحقوق لا تُصان بالتساوي، أو أن النفوذ يستطيع تجاوز القواعد التي يخضع لها الآخرون.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الإنسان قد فقد أخلاقه بصورة مطلقة، بل ما إذا كانت المجتمعات تمنح القيم الإنسانية المكانة التي تستحقها، وما إذا كان الإنسان قادراً على مقاومة إغراء المادة عندما تتعارض مع ضميره.
فالأخلاق لا تُقاس بما يعلنه الإنسان عن نفسه، وإنما بما يفعله حين يستطيع أن يظلم ولا يُحاسب، وحين يستطيع أن يستغل حاجة الآخرين ولا يفعل، وحين تتعارض مصلحته مع حق غيره فيختار العدل. إن المال يستطيع أن يشتري أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع احتراماً حقيقياً، ولا أن يمنح صاحبه نزاهة أو ضميراً. وتبقى قيمة الإنسان في ما يمثله من مبادئ، وفي أثره في حياة الآخرين، وفي قدرته على الاحتفاظ بإنسانيته في عالم تزداد فيه إغراءات المادة. فهل فقد الإنسان بوصلته الإنسانية؟ ربما لم يفقدها تماماً، لكن استعادة اتجاهها تتطلب أكثر من الدعوة إلى الأخلاق؛ إنها تتطلب تربيةً تصنع الضمير، ومجتمعاً يحترم النزاهة، وعدالةً تجعل الكرامة الإنسانية أعلى من سطوة المال والنفوذ.
التعليقات الأخيرة