أخبار عاجلة
news-details
مقالات

مضيق هرمز... حين تتحول الملاحة إلى أداة للإكراه الجيوسياسي

 


د. طالب الشوكة
في الأدبيات العسكرية التقليدية، ارتبطت السيطرة على الممرات البحرية بالقدرة على تأمينها أو تعطيلها بالقوة. غير أن أزمة مضيق هرمز تكشف تحولاً في طبيعة هذه السيطرة؛ إذ لم يعد التأثير في حركة الملاحة يتطلب بالضرورة إغلاق المضيق بالكامل، بل يمكن تحقيق جانب من أثره عبر رفع المخاطر الأمنية والتأمينية إلى مستويات تعيد تشكيل قرارات شركات الشحن وأسواق الطاقة.
في هذا السياق، لا تعود السيطرة مرادفة للوجود العسكري المباشر فحسب، بل تصبح مرتبطة بالقدرة على التأثير في حسابات الكلفة والمخاطرة، وتحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي. فحين يصبح عبور السفن أكثر خطورة وكلفة، يمكن أن تتراجع حركة الملاحة حتى من دون إعلان رسمي عن إغلاق الممر البحري.
من الإغلاق العسكري إلى الإكراه غير المباشر
إن التلويح بتهيئة بيئة غير آمنة للملاحة يتيح ممارسة الإكراه في المنطقة الرمادية، حيث يمكن التأثير في حركة التجارة من دون الانتقال بالضرورة إلى الإغلاق العسكري الشامل. فالإغلاق الكامل للمضيق، سواء عبر زرع الألغام البحرية على نطاق واسع أو استهداف السفن العابرة، قد يرفع احتمالات التصعيد العسكري وتدخل قوى دولية لحماية الملاحة، فضلاً عن الأضرار التي قد تلحق بمصالح الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الدول الآسيوية.
في المقابل، قد يتيح التهديد باستهداف السفن أو تنفيذ هجمات محدودة رفع مستوى المخاطر، ودفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم قراراتها. فارتفاع أقساط التأمين وتكاليف النقل، أو امتناع بعض الشركات عن عبور منطقة معينة، يمكن أن يؤدي إلى تعطيل جزئي أو غير مباشر للملاحة، حتى في غياب قرار رسمي بإغلاق المضيق.
لكن هذه الأداة ليست بلا حدود؛ إذ لا يعني تجنب الإغلاق الشامل تجنب الردود العسكرية أو القانونية. كما أن ارتفاع كلفة التأمين لا يثبت وحده وجود استراتيجية متعمدة للإكراه، ما لم يُقرأ في ضوء طبيعة التهديدات وسلوك الأطراف والظروف الأمنية المحيطة بها.
وهنا تتجلى إحدى السمات الأساسية للصراع البحري المعاصر: قد تتحقق بعض أهداف الضغط من خلال التأثير في سلوك الفاعلين الاقتصاديين، لا عبر السيطرة المادية الكاملة على الممر البحري.
هرمز: عنق زجاجة يصعب تعويضه
تنبع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز من صعوبة إيجاد بدائل قادرة على استيعاب حجم التدفقات التي تمر عبره. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، بلغ متوسط عبور النفط الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً خلال عام 2025، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم.
ورغم استثمارات السعودية والإمارات في خطوط أنابيب تتيح تصدير النفط بعيداً عن المضيق، فإن الطاقة المتاحة لهذه المسارات البديلة تظل محدودة قياساً بحجم التدفقات المعتادة عبر هرمز. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية القدرة المتاحة على إعادة توجيه النفط عبر المسارات البديلة بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً، تبعاً للظروف التشغيلية والقدرة الفعلية على النقل والتصدير.
وبذلك، تستطيع خطوط الأنابيب تخفيف أثر الاضطراب، لكنها لا توفر بديلاً كاملاً عن المضيق. كما أن الاستفادة منها لا تتوقف على وجود البنية التحتية وحدها، بل تتأثر بقدرة الموانئ وسلاسل الإمداد والأنظمة التشغيلية على استيعاب التدفقات الإضافية.
أما الغاز الطبيعي المسال، فيمثل تحدياً أكثر تعقيداً؛ إذ لا يمكن نقل الغاز المسال بالطريقة نفسها التي يُنقل بها النفط عبر خطوط الأنابيب النفطية. وقد عبر مضيق هرمز أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، بما يعادل قرابة خُمس التجارة العالمية منه، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.
وتعني هذه المعطيات أن اضطراب الملاحة لا يهدد صادرات النفط وحدها، بل يمتد إلى سوق الغاز العالمي، ولا سيما الإمدادات القطرية والإماراتية. وفي حال تعطل هذه التدفقات، تصبح قدرة المنتجين الآخرين على التعويض السريع عاملاً حاسماً، إلى جانب توافر المخزونات وإمكان إعادة توجيه الشحنات وخفض الطلب.
وعليه، تمثل خطوط الأنابيب البديلة صمام أمان جزئياً لبعض الدول المنتجة، لكنها لا تلغي القيمة الاستراتيجية للمضيق، ولا تحمي الاقتصاد العالمي من تداعيات اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة.
آسيا وأوروبا: كلفة الأزمة تتجاوز أسعار الطاقة
تتجاوز آثار أزمة هرمز حدود الإقليم لتطال أمن الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية لدى كبار المستهلكين، مع تفاوت واضح في درجة تعرض الأسواق الآسيوية والأوروبية لأي اضطراب.
تُعد الأسواق الآسيوية الوجهة الرئيسية لتدفقات الطاقة العابرة للمضيق. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 80% من النفط والمنتجات النفطية التي عبرت هرمز خلال عام 2025 اتجهت إلى آسيا، فيما ذهبت قرابة 90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة له إلى الأسواق الآسيوية.
وبالنسبة إلى الصين والهند، لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين على زيادة فاتورة الاستيراد، بل قد يمتد إلى تكاليف الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد ومعدلات النمو. أما اليابان وكوريا الجنوبية، فتواجهان حساسية مرتفعة تجاه اضطراب الإمدادات، في ظل اعتمادهما الكبير على الطاقة المستوردة.
غير أن هذه المصالح لا تعني أن الدول الآسيوية تتبنى موقفاً موحداً من الأزمة؛ فدرجة الاعتماد على الطاقة الخليجية، وتنوع مصادر الاستيراد، وحجم المخزونات الاستراتيجية، تختلف من دولة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن اتساع الضرر الاقتصادي المحتمل يضع طهران أمام معادلة معقدة، لأن أي اضطراب واسع في الملاحة قد يمس مصالح شركاء تجاريين مهمين لها، ويزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية المحيطة بها.
أما أوروبا، فعلى الرغم من أن تعرضها المباشر لتدفقات النفط الخام عبر هرمز أقل من تعرض الأسواق الآسيوية، فإنها ليست بمنأى عن تداعيات الأزمة، ولا سيما في سوق الغاز الطبيعي المسال.
ففي ظل مساعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، تمثل الإمدادات القطرية أحد مصادر الغاز المسال المهمة، وإن تفاوتت أهميتها بين الدول الأوروبية. وقد يؤدي تعطل الشحنات العابرة لهرمز إلى تقليص المعروض المتاح في الأسواق العالمية، وزيادة المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات الفورية، بما يرفع الأسعار ويزيد الضغوط على التضخم وتكاليف الإنتاج الصناعي.
لكن حجم التأثير لا يتحدد بحجم الإمدادات المتعطلة وحده؛ بل يتأثر أيضاً بتوافر البدائل والمخزونات، وقدرة المستوردين على إعادة توجيه الشحنات، وإمكان خفض الطلب. ومن ثم، فإن الأزمة لا تنتقل من المضيق إلى الاقتصاد العالمي بصورة آلية، بل عبر شبكة متداخلة من الأسواق والقرارات التجارية والاستجابات الحكومية.
سلطنة عُمان: الموقع الجغرافي وقيمة الوساطة
في خضم هذه المعادلة، تبرز سلطنة عُمان بوصفها فاعلاً مهماً في الجغرافيا السياسية للمضيق، مستمدة أهميتها من موقعها الجغرافي ونهجها الدبلوماسي.
تطل محافظة مسندم العُمانية على مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويقع بين إيران وشبه الجزيرة العربية. ويمنح هذا الموقع مسقط مصلحة مباشرة في الحفاظ على أمن الملاحة واستقرار المنطقة، ويجعل أي تصعيد واسع تهديداً لمصالحها السيادية والاقتصادية.
كما أن خبرة عُمان في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف متعارضة، بما فيها طهران وواشنطن ودول الخليج، تتيح لها الإسهام في نقل الرسائل وتيسير الاتصالات الدبلوماسية، والمساعدة على احتواء الأزمات وتقليل احتمالات التصعيد.
ولا تعني الوساطة العُمانية امتلاك القدرة على فرض تسوية على الأطراف، لكنها تمنح مسقط فرصة للمساعدة في الفصل بين الخلافات السياسية والعسكرية من جهة، وحرية الملاحة ومصالح التجارة الدولية من جهة أخرى.
وتزداد قيمة هذا الدور كلما ضاقت مساحة المناورة الدبلوماسية واتسعت مخاطر سوء التقدير؛ فوجود قناة اتصال موثوقة قد لا يحل أسباب الأزمة، لكنه يستطيع تقليل احتمالات تحولها إلى مواجهة أوسع.
طهران وواشنطن: معادلة الضغط وحدود الردع
تنظر طهران إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز ضمن معادلة أوسع من المواجهة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فربط استقرار الممر البحري بمسار هذه المواجهة قد يرفع كلفة الضغوط المفروضة عليها، ويبعث برسالة إلى الأطراف المعنية بأن أمن الطاقة العالمي ليس منفصلاً عن أمن إيران ومصالحها.
لكن هذه الورقة تنطوي على مخاطر ارتدادية. فكلما اتسع نطاق الاضطراب، ازدادت احتمالات تضرر الشركاء التجاريين، وتفاقمت الضغوط على الاقتصاد الإيراني، وارتفعت احتمالات التدخل الخارجي لحماية الملاحة. وقد يؤدي الضغط البحري، بدلاً من دفع الخصوم إلى التراجع، إلى توسيع دائرة الأطراف المتضررة وتعزيز مبررات اتخاذ إجراءات مضادة.
أما واشنطن، فتواجه معادلة تتطلب الموازنة بين حماية الملاحة الدولية والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، من جهة أخرى. وفي مثل هذه الظروف، تتداخل أدوات الردع العسكري مع القنوات الدبلوماسية، وتصبح طبيعة الاستجابة مرتبطة بحجم التهديد، ومدى تأثيره في حركة السفن، ومواقف الحلفاء والشركاء، والكلفة المحتملة لأي تصعيد.
ولا يمكن افتراض أن حماية الملاحة ستقود بالضرورة إلى حرب واسعة، كما لا يمكن افتراض أن الردع العسكري سيمنع جميع الهجمات أو يضمن عودة حركة التجارة إلى طبيعتها. فالمعادلة تتوقف على التفاعل بين القدرات العسكرية، ووضوح قواعد الاشتباك، وحسابات الأطراف السياسية، ومدى استعدادها لتحمل كلفة المواجهة.
وفي هذا السياق، تكشف التطورات المرتبطة بأسواق الطاقة عن انتقال آثار الأزمة من المجال البحري إلى أدوات إدارة الاقتصاد العالمي. ففي 7 تشرين الأول 2026، أفادت تقارير عن تحرك وكالة الطاقة الدولية لتسريع طرح كميات من الاحتياطيات النفطية الطارئة في الأسواق، في إطار الاستجابة لضغوط الإمدادات والأسعار. ويعكس ذلك أن اضطراب طرق النقل لا يؤثر في حركة السفن فحسب، بل يستدعي أيضاً تدخلات تتصل بالمخزونات والأسعار وأمن الإمدادات.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الاستجابة لتداعيات اضطراب الطاقة وبين معالجة أسبابه الجيوسياسية؛ فالإفراج عن الاحتياطيات قد يخفف الضغط على السوق مؤقتاً، لكنه لا يوفر بديلاً مستداماً عن استقرار الممرات البحرية واستمرار التدفقات التجارية.
القوة في القدرة على فرض الكلفة لا في الإغلاق وحده
تكشف أزمة مضيق هرمز أن القيمة الاستراتيجية للممرات البحرية لا تُقاس بالقدرة على إغلاقها وحدها، بل أيضاً بالقدرة على جعل استخدامها أكثر كلفة ومخاطرة. فالتأمين والشحن والأسواق والمخزونات ليست عناصر اقتصادية منفصلة عن الصراع، وإنما قنوات تنتقل عبرها آثار التهديد البحري إلى قرارات الحكومات والشركات والمستهلكين.
غير أن تحويل أمن الملاحة إلى أداة ضغط لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية المرجوة؛ فكلما اتسع أثر التهديد، ازدادت احتمالات ارتداده على الطرف الذي يستخدمه، سواء عبر اضطراب الأسواق أو تضرر الشركاء أو اتساع نطاق المواجهة العسكرية.
ومن هنا، لا تتحدد معادلة هرمز بميزان القوة العسكرية وحده، بل بالتفاعل بين الجغرافيا والطاقة والتأمين والدبلوماسية. فالمضيق ليس مجرد ممر لعبور النفط والغاز، وإنما نقطة تتقاطع عندها حسابات الردع وكلفة الصراع وحدود القدرة على فرض الإرادة السياسية.
وفي المحصلة، قد تمنح الجغرافيا البحرية الطرف القادر على تهديد الملاحة نفوذاً تفاوضياً، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على التحكم في النتائج. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على تعطيل الممر، بل في القدرة على تقدير كلفة تعطيله، وحدود الضغط الذي يمكن ممارسته، والنتائج التي قد ترتد على صاحبه.
وهكذا، يصبح أمن مضيق هرمز اختباراً لمدى قدرة الأطراف على إدارة التنافس من دون تحويل الممر البحري إلى نقطة انطلاق لأزمة دولية أوسع؛ أزمة قد تبدأ بتهديد الملاحة، لكنها سرعان ما تمتد إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي وتوازنات القوة.



إرهاصات مجنون
شهادة في قفص الاتهام… أو كيف تصبح عجوزاً وأنت في زهرة شبابك!
د. طالب الشوكة
لا يكفي أن تحترم عقلك، ولا أن تقضي زهرة عمرك بين أرفف المكتبات، متسلحاً بشهادة عليا وخبرة طويلة وكفاءة يفترض أن تفتح لك الأبواب على مصاريعها. فحسبك أن تطرق أبواب بعض المؤسسات والشركات، لتكتشف أن الكفاءة والخبرة قد تتحولان، بقدرة قادر، من مؤهلات مطلوبة إلى تهم تستوجب الرفض، وأن اختراع الأعذار الواهية أصبح فناً قائماً بذاته!
تخيّل معي هذا المشهد العبثي. باحث عن العمل يحمل شهادة دكتوراه أو ماجستير، وسيرة ذاتية تزخر بسنوات من الخبرة العملية والعلمية، يقف بثقة أمام مدير التوظيف أو لجنة المقابلات. وما إن تقع أعينهم على أوراقه حتى تتوارى مؤهلاته خلف ستار من الأعذار، ويبدأ عرض مسرحي لا ينقصه سوى تصفيق الجمهور!
فهناك من يخبرك، بكل ثقة، أن عمرك تجاوز السن المناسب للشباب، وكأن الخبرة مرض معدٍ ينبغي تجنّب صاحبه، لا رصيداً مهنياً يستحق التقدير. وهناك من ينظر إليك نظرة فاحصة، ثم يطلق حكمه النهائي: يا أستاذ، الشاشة استهلكت شكلك، وإحنا نريد وجوهاً شابة جديدة!.
عندها تكتشف أنك لم تدخل مقابلة لتقييم خبرتك وكفاءتك، بل مسابقة لاختيار الوجه الذي يناسب الشاشة! لقد أمضيت سنوات في التحصيل العلمي والعمل الميداني، ثم جاء من يختصر كل ذلك في تجعيدة على الجبين أو شعرة بيضاء عند الصدغ. يا لها من ثورة في معايير التوظيف؛ سنوات الدراسة والخبرة في كفة، وملامح الوجه في كفة أخرى، وقد ترجح الثانية بكل سهولة!
وحين تحاول الاحتجاج بالمنطق، وتذكّرهم بأن الخبرة لا تُقاس بعدد التجاعيد، وأن الكفاءة لا تنتهي صلاحيتها كما تنتهي صلاحية علبة حليب، تظهر الحجة الأزلية: نحن ندعم تشغيل الشباب ونفسح المجال للجيل الجديد!.
وهنا تقف حائراً أمام هذا الاكتشاف العظيم: هل أصبح الأربعيني كهلاً في عرف التوظيف ، وهل تحوّل الخمسيني إلى قطعة أثرية ينبغي وضعها في متحف الخبرات المنقرضة؟ ثم من قال إن تشغيل الشباب يتطلب إطفاء الآخرين؟ أليس بالإمكان أن يجد الشاب فرصته، ويستفيد في الوقت نفسه من خبرة من سبقه؟ أم أن الحكمة الإدارية الجديدة تقوم على إفراغ المؤسسة من الذاكرة المهنية، ثم مطالبتها باكتشاف الأخطاء من جديد؟
وهكذا يخرج صاحب الشهادة والخبرة من قاعة المقابلة، حاملاً أوراقه كما يحمل المحكوم حكمه، ويجرّ خلفه خيبة ثقيلة. يفتش في جيبه عن أجرة العودة، وفي رأسه عن إجابة لسؤال لا يريد أن يصدّقه: هل أخطأ حين درس وتعب واكتسب الخبرة، أم أنه ارتكب جريمة كبرى حين تقدّم للعمل بوجه لا يرضي ذائقة الشاشة؟
والمفارقة السوداء أن الرجل نفسه قد يسمع، في المساء، مسؤولاً يتحدث عبر التلفزيون عن استثمار الطاقات البشرية، وتمكين الكفاءات، والتنمية المستدامة، فيما هو يجلس في بيته، ينتظر فرصة ضاعت بين توقيع لجنة ومزاج مدير وذريعة عمرية جاهزة للاستخدام!
كم تبدو تلك الشعارات جميلة وهي تتدلى من أفواه المتحدثين، وكم تبدو بعيدة عن الواقع حين يطرق أصحاب الخبرة أبواب العمل! فالكفاءة مطلوبة في المؤتمرات والخطب، والخبرة محل إشادة في التقارير، أما حين تقف أمام مكتب التوظيف، فقد تصبح فجأة أكبر من الحاجة، وأقدم من العصر، وربما غير صالحة للاستعمال!
ومع ذلك، يعود صاحبنا إلى بيته، يفتح حاسوبه، ويبحث عن إعلان جديد، ثم يحدّث سيرته الذاتية للمرة العاشرة، وكأنه يحاول إقناع العالم بأنه ما زال حياً مهنياً. يرسل طلباً آخر، ويرفق شهاداته من جديد، ويكتب في خانة الخبرات سنواتٍ ظنّ يوماً أنها ستكون جواز عبوره إلى الفرصة المنشودة.
إنه مواطن تخرّج، من دون أن يدري، في كلية عراقية لا وجود لها في سجلات وزارة التعليم العالي، اسمها كلية الصبر على الاستهزاء بالجهود، وحصل فيها على أعلى الدرجات، لكن من دون تعيين، أو راتب، أو حتى شهادة تقدير!
فما أبدعك يا وطن الشهادات المعلّقة على الجدران، وما أقسى أن يبذل الإنسان سنوات عمره في طلب العلم واكتساب الخبرة، ثم يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن عمره وملامحه قبل أن تتاح له فرصة الحديث عن قدراته!
، قد تُختصر الكفاءة أحياناً بملامح وجه، وتُختزل الخبرة في رقم على الهوية، وتُدفن المؤهلات تحت أهواء لجنة لا تعرف عن صاحبها سوى عمره وصورته الشخصية. ومع ذلك، يظل العقل قادراً على المقاومة، وتظل الخبرة قيمة لا تنتقص منها نظرة عابرة أو قرار توظيف متعجّل.
وحده الكفوء يستطيع أن يستقبل الرفض بابتسامة ساخرة؛ لا لأنه رضي بالمهزلة، بل لأنه أدرك أن بعض المؤسسات تتعامل مع الشهادات بوصفها زينة للجدران، ومع الخبرات بوصفها عبئاً على المكاتب، فيما تترك أصحابها يصطفّون طويلاً على أبواب البطالة. خبرة تزن جبالاً، ووجه لا يعجب الشاشة، ومؤسسة تهرب من الكفاءة!
وهكذا، في بلدٍ يرفع شعار استثمار العقول، قد تكون جريمتك الوحيدة أنك تعلّمت كثيراً، وعملت طويلاً، وكبرت بما يكفي لتصبح خبيراً… لا وجهاً جديداً!

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا