news-details
مقالات

عقيدة الاستنزاف.. وكسر إرادة الترسانة العسكرية

 

 


د. طالب الشوكة
تعجز الترسانات العسكرية الحديثة، بما تمتلكه من جيوش كلاسيكية وقدرات تقنية هائلة، أحياناً عن كسر إرادة مقاتل يحمل عقيدة قتالية صلبة، تتصل بطبيعة الحرب النفسية، ومفهوم النصر والهزيمة، واختلاف دوافع القتال. فالجيوش التقليدية تقاتل عادةً لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية محددة، بينما قد ينطلق المقاتل الذي تحركه عقيدة دينية راسخة من تصور يجعل القتال تكليفاً مقدساً، ويرى في الموت شهادة أو تضحية ذات قيمة عليا. وعندما يتراجع الخوف من الموت بوصفه أداة للردع، تتراجع في المقابل فاعلية إحدى أهم أدوات القوة العسكرية التقليدية، وهي الترهيب الناجم عن التفوق الناري والقدرة التدميرية. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الأهداف المادية، لكنها لا تستطيع بالضرورة، وبالوسائل العسكرية وحدها، أن تفرض تغييراً في قناعات المقاتل أو دوافعه.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً أمام الجماعات التي تعتمد أساليب حرب العصابات. فالجيوش الحديثة تقوم على بنية تحتية معقدة تشمل مراكز القيادة والاتصال، والقواعد العسكرية، والمنشآت، وشبكات الإمداد اللوجستي الواسعة، وهي عناصر يمكن أن تصبح أهدافاً مؤثرة في الحروب التقليدية. أما تشكيلات حرب العصابات، فتعتمد بدرجة أكبر على اللامركزية والمرونة، ولا تحتاج بالضرورة إلى المدن الكبرى أو المنشآت الصناعية أو خطوط الإمداد التقليدية التي تحتاجها الجيوش النظامية.
وفي مثل هذه البيئة، يتحول الجبل والكهف والقرية والممر الوعر إلى جزء من منظومة القتال، ويصبح المقاتل أكثر قدرة على الاستفادة من تضاريس يعرفها جيداً، فيما تواجه القوة القادمة من خارج البيئة صعوبة أكبر في تحويل تفوقها التقني إلى سيطرة ميدانية مستدامة.
وهنا يظهر العامل الأكثر أهمية... الزمن.
فالجيوش الحديثة صُممت، بدرجات متفاوتة، لتحقيق الحسم السريع من خلال التفوق الناري والتقني، بينما تراهن حروب العصابات على إطالة أمد المواجهة وتحويل الزمن نفسه إلى أداة من أدوات الاستنزاف. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها البشرية والمالية والسياسية، وقد يتراجع الزخم الذي بدأت به العملية العسكرية، فيما تحاول الجماعة الأقل امتلاكاً للسلاح تعويض ضعفها بالمرونة والصبر والقدرة على الاستمرار.
وفي البيئات الجبلية أو القبلية المغلقة، يكتسب العامل الاجتماعي أهمية إضافية. فالمقاتل قد يكون جزءاً من نسيج اجتماعي يعرف تضاريسه وعلاقاته ومساراته، الأمر الذي يوفر له، في بعض الحالات، شبكة من المعرفة المحلية والدعم الاجتماعي. وفي المقابل، تواجه القوة الخارجية تحدياً أكبر في بناء مصادر معلومات موثوقة داخل مجتمع لا تعرف بنيته الاجتماعية أو جغرافيته بالقدر نفسه.
ولذلك، فإن معادلة القوة في حروب الاستنزاف لا تُقاس بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ وحدها، بل بقدرة كل طرف على تحويل عناصر قوته إلى نتائج سياسية وعسكرية قابلة للاستمرار.
فقد تمتلك دولة ما تفوقاً ساحقاً في القوة النارية، لكنها تجد نفسها أمام خصم لا يحتاج إلى الانتصار في معركة تقليدية؛ يكفيه، في بعض الحالات، أن يحافظ على قدرته على البقاء والقتال حتى تصبح كلفة الحرب نفسها عاملاً ضاغطاً على الطرف الأقوى.
وقد قدم التاريخ العسكري نماذج متعددة لهذه المعضلة، ومنها التجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حيث اصطدمت القوة العسكرية المصرية ببيئة جبلية معقدة وحرب استنزاف امتدت لسنوات، وأظهرت أن التفوق العسكري لا يلغي تأثير الجغرافيا وطبيعة الصراع المحلي.
لكن الدرس الأهم لا يكمن في القول إن التكنولوجيا العسكرية عديمة الجدوى؛ فهذا استنتاج غير دقيق. بل في أن التكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا تعمل في فراغ. فهي تحتاج إلى معلومات دقيقة، وأهداف قابلة للتحديد، وبيئة يمكن السيطرة عليها، وهدف سياسي يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة نهائية تخدمه.
أما العقيدة القتالية والبيئة الاجتماعية والجغرافيا والزمن، فهي عوامل قد تعيد تشكيل ميزان القوة على الأرض، وتحوّل الحرب من اختبار للترسانة إلى اختبار لقدرة الإرادة على الصمود.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في حروب الاستنزاف.
قد تستطيع الترسانة العسكرية أن تكسر الحجر، وتدمر المنشآت، وتشل جانباً من البنية التحتية، لكنها تواجه اختباراً أكثر تعقيداً عندما يكون هدف الحرب هو كسر إرادة مقاتل يستمد قدرته على الصمود من عقيدة قتالية راسخة، ومن بيئة اجتماعية وجغرافية تساعده على مواصلة القتال.
ففي نهاية المطاف، لا تُحسم كل الحروب بعدد الأهداف التي دُمّرت، وإنما بقدرة القوة العسكرية على تحويل التفوق الناري إلى حسم سياسي واستراتيجي.
وهذه هي إحدى أبرز الإشكاليات التي تكشفها الحرب اليمنية، حيث واجهت الحكومة اليمنية وحلفاؤها، وفي مقدمتهم التحالف العربي بقيادة السعودية، جماعة أنصار الله التي اعتمدت على مزيج من الحرب غير النظامية، والاستفادة من الجغرافيا، والقدرة على تحمل أمد طويل من المواجهة، إلى جانب توظيف البعد العقائدي في تعزيز قدرتها على الصمود.
ومن هنا، لا تبدو الحرب اليمنية مجرد مواجهة بين طرف يمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً وطرف أقل منه في الإمكانات التقليدية، بل تبدو أيضاً اختباراً لمعادلة أوسع: إلى أي مدى تستطيع القوة النارية أن تتحول إلى نتيجة سياسية نهائية عندما يكون الخصم قادراً على البقاء، وإعادة تنظيم صفوفه، واستثمار الزمن والجغرافيا والعقيدة في إطالة أمد الصراع؟
وهنا تحديداً تتحول عقيدة الاستنزاف من مجرد أسلوب عسكري إلى استراتيجية لكسر إرادة الخصم نفسه؛ فالمعادلة لا تعود. من يمتلك السلاح الأقوى؟ وإنما: من يستطيع أن يتحمل كلفة الحرب زمناً أطول، ويحافظ على قدرته على القتال، ويمنع خصمه من تحويل تفوقه العسكري إلى نصر سياسي؟
وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه حروب الاستنزاف.
قد تنتصر الترسانة في المعركة، لكنها لا تنتصر بالضرورة في الحرب.





الدولار العراقي.. كشف أزمة الصرف  ام أزمة اقتصاد؟
د. طالب الشوكة

تستيقظ الأسواق العراقية كل صباح على إيقاع رقم واحد يحدد جانباً مهماً من نبض الحياة اليومية: سعر صرف الدولار. ومع انتقال السعر الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار، ابتداءً من 7 تشرين الأول 2026، وما رافق ذلك من ارتفاع حاد في سعر الدولار في السوق الموازية، عادت الأسئلة إلى الواجهة: لماذا جرى تعديل السعر؟ وهل يعالج هذا الإجراء مشكلة مالية مؤقتة، أم أنه يكشف عن اختلال أعمق في بنية الاقتصاد العراقي؟ لسنا هنا أمام فرق حسابي بين رقمين، بل أمام اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العراقي على حماية القوة الشرائية للمواطن، وتحقيق التوازن بين متطلبات المالية العامة واستقرار السوق.
والسؤال الأهم: أين تكمن العقدة الحقيقية؟
السعر الرسمي.. معالجة مالية أم حل لأزمة أوسع؟
جاء تعديل سعر الصرف في ظل ظروف مالية واقتصادية ضاغطة، وقد أعلن البنك المركزي أن التعديل يهدف إلى تلبية المتطلبات المالية للدولة ودعم الاستقرار الاقتصادي، مع تأكيده أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلبات الرسمية لتمويل التجارة والتحويلات والاحتياجات النقدية. ومن الناحية المالية، يمنح ارتفاع سعر الدولار الحكومة مزيداً من الدنانير مقابل الدولار الذي تحصل عليه من إيرادات النفط، وهو ما يمكن أن يساعد في تمويل الإنفاق العام عندما تكون الموارد المالية تحت الضغط. لكن هذه المعالجة لها وجه آخر: ارتفاع تكلفة الواردات، وما يمكن أن يترتب عليه من ضغط على أسعار السلع والخدمات والقوة الشرائية للمواطن. وهنا تكمن المفارقة: ما قد يخفف الضغط على الموازنة من جهة، قد يزيد الضغط على المواطن من جهة أخرى.
أين يقف السوق الموازي؟
المشكلة لا تنتهي عند السعر الرسمي. فبعد إعلان السعر الجديد، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات أعلى من السعر الرسمي، ما أعاد فتح ملف الفجوة بين السعرين. وقد أكد البنك المركزي قبل تعديل السعر أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلبات الرسمية، وأن ارتفاع سعر الصرف في السوق المحلية يرتبط، من وجهة نظره، بالمضاربات والتوقعات والظروف الجيوسياسية. لكن وجود احتياطيات كافية لا يعني بالضرورة أن السوق تعمل بلا اختناقات. فالمسألة لا تتعلق فقط بكمية الدولار الموجودة لدى البنك المركزي، وإنما أيضاً بكيفية وصول الدولار إلى المستورد والمواطن والمستثمر، وبكفاءة النظام المصرفي، وبمدى سهولة الإجراءات ووضوحها، وبالثقة في القنوات الرسمية. وهنا يصبح إصلاح النظام المالي والمصرفي جزءاً من معالجة أزمة الصرف، لا ملفاً منفصلاً عنها.
من يدفع الفاتورة؟
في النهاية، يبقى المواطن الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فعندما يرتفع سعر الدولار، ترتفع كلفة كثير من السلع المستوردة والمواد الداخلة في الإنتاج والنقل، وقد ينتقل جزء من هذا الارتفاع إلى المستهلك. الموظف وصاحب الدخل المحدود لا يملكان القدرة على تعديل دخلهما بالسرعة نفسها التي تتغير بها أسعار السوق. ولذلك فإن أي سياسة لسعر الصرف لا يمكن تقييمها من زاوية الموازنة وحدها؛ بل يجب أن تُقرأ أيضاً من زاوية القوة الشرائية ومستوى المعيشة وقدرة الاقتصاد على توفير بدائل محلية. فالمشكلة لا تكون في رقم 1520 وحده، وإنما في اقتصاد يجعل تغير سعر الدولار ينعكس سريعاً على تفاصيل الحياة اليومية.
هل هي أزمة دولار أم أزمة اقتصاد؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
إن تعديل سعر الصرف يمكن أن يكون أداة مالية ونقدية ضمن ظروف محددة، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يعالج ضعف الإنتاج، أو الاعتماد الكبير على النفط، أو ارتفاع فاتورة الاستيراد، أو ضعف القطاع الخاص. وبعبارة أخرى:
رفع سعر الصرف يعيد تسعير الاختلال، لكنه لا يعالج الاختلال نفسه. العراق يمتلك موارد نفطية كبيرة، ويمتلك إمكانات زراعية وصناعية وبشرية واسعة، لكن المشكلة تكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج ومتنوع.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً:
لماذا يحتاج العراق إلى الدولار بهذا الحجم أصلاً؟
كلما كان الاقتصاد قادراً على إنتاج الغذاء والسلع والخدمات محلياً، انخفضت حاجته إلى الاستيراد، وبالتالي تراجع جزء من الطلب على العملة الأجنبية. لذلك فإن أزمة سعر الصرف يجب أن تكون مناسبة لإعادة فتح الملف الأكبر: كيف ننتقل من اقتصاد يعتمد على تصدير النفط وتمويل الاستهلاك إلى اقتصاد ينتج ويستثمر ويصدر؟
الخروج من أسر الاقتصاد الريعي. 
الخروج من الاقتصاد الريعي لم يعد ترفاً اقتصادياً، بل أصبح مرتبطاً باستقرار الدولة والمجتمع. ولا يحتاج العراق إلى عشرات الخطط الجديدة بقدر حاجته إلى تنفيذ ما هو موجود منها وفق أولويات واضحة.
البداية تكون من الإنتاج.
العراق يمتلك أرضاً زراعية وموارد مائية، رغم أزمة الشح المائي، ويحتاج إلى تحويل الزراعة من قطاع يعتمد على الدعم التقليدي إلى قطاع إنتاجي حديث يعتمد على الري الحديث والميكنة والتقنيات الزراعية وسلاسل التسويق والتخزين. والصناعة تحتاج إلى بيئة تسمح للقطاع الخاص بالدخول والاستثمار، مع حماية جمركية مدروسة لا تتحول إلى حماية دائمة لمنتج غير قادر على المنافسة. أما تأسيس الشركات والتحول الرقمي في مؤسسات الدولة، فيمكن أن يقللا من البيروقراطية ويحدّا من بعض منافذ الفساد، ويجعلا بيئة الأعمال أكثر وضوحاً أمام المستثمر العراقي والأجنبي.
المصارف.. من بيع الدولار إلى تمويل الاقتصاد
الإصلاح المصرفي يمثل حلقة أساسية في هذه المعادلة.
فالمصرف الذي يكتفي بدور الوسيط في عمليات العملة والتحويلات لا يستطيع أن يكون محركاً حقيقياً للنمو. المطلوب هو تطوير المصارف لتصبح مؤسسات قادرة على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والصناعة والزراعة والخدمات، وفق ضوابط ائتمانية حقيقية، وضمانات قابلة للتطبيق، وفوائد مناسبة. فإذا كان الشاب يمتلك فكرة ومهارة، لكنه لا يستطيع الحصول على تمويل، فإن الاقتصاد يخسر مشروعاً وفرصة عمل في الوقت نفسه. والكهرباء.. شرط الإنتاج
لكن إصلاح المصارف وحده لا يكفي.
فالمشروع الذي يحصل على التمويل يحتاج إلى كهرباء مستقرة حتى يعمل.
لذلك فإن إصلاح قطاع الطاقة ليس مجرد تحسين لخدمة المواطن، وإنما هو جزء من السياسة الصناعية والزراعية والاستثمارية. كهرباء مستقرة تعني مصنعاً يستطيع الإنتاج، ومزرعة تستطيع استخدام تقنيات الري، ومخزناً يستطيع حفظ المنتجات، ومستثمراً يستطيع التخطيط لسنوات بدلاً من حساب ساعات الانقطاع. ومن هنا لا ينبغي وضع المصارف والكهرباء في مواجهة بعضهما بعضاً. المصرف يوفر التمويل، والطاقة توفر القدرة على الإنتاج، والإنتاج يقلل الحاجة إلى الاستيراد، وتقليل الاستيراد يخفف الضغط على الدولار. هذه هي الحلقة التي يحتاج العراق إلى بنائها.
ماذا نفعل بفوائض النفط؟
المشكلة التاريخية ليست في وجود النفط، وإنما في كيفية استخدام عائداته.
فكل طفرة نفطية يمكن أن تذهب إلى الرواتب والاستهلاك، أو يمكن أن تتحول إلى استثمار طويل الأمد في البنية التحتية والإنتاج والتعليم.
ولهذا فإن جزءاً من أي زيادة استثنائية في الإيرادات النفطية يمكن توجيهه إلى مشاريع البنية التحتية المنتجة، مثل الموانئ والطرق التجارية، والمناطق الصناعية، والطاقة، والبحث والتطوير، والتعليم المهني. فالهدف ليس إلغاء الاقتصاد النفطي، وهو أمر غير واقعي في المدى المنظور، وإنما تحويل النفط من مصدر وحيد للاعتماد إلى مصدر لتمويل التنويع الاقتصادي. الإنسان قبل المؤشر
في النهاية، تبقى كل هذه الأرقام بلا معنى إذا لم تنعكس على حياة الإنسان.
فالإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الاحتياطي أو سعر الدولار أو نسبة النمو، بل بقدرة المواطن على شراء حاجاته، وبقدرة الشاب على العثور على عمل، وبقدرة الفلاح على الاستمرار في أرضه، وبقدرة المصنع على العمل، وبقدرة الدولة على تقديم خدمات مستقرة. إن إصلاح الكهرباء يعيد الطمأنينة إلى البيت، لكنه في الوقت نفسه يشغل المصنع. وإحياء الزراعة يعيد الإنتاج إلى السوق، لكنه في الوقت نفسه يحفظ للفلاح مكانته. وإصلاح المصارف لا يمنح القروض فقط، بل يفتح المجال أمام فكرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى مشروع وفرصة عمل.
أزمة الدولار ليست منفصلة عن أزمة الاقتصاد العراقي، لكنها ليست الاقتصاد العراقي كله. والتعامل معها لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: كم أصبح سعر الدولار؟
السؤال الأهم هو:
 لماذا يستطيع تغير سعر الدولار أن يهز حياة العراقيين بهذه السرعة؟ 
الإجابة تقودنا إلى أصل المشكلة: اقتصاد يحتاج إلى تنويع الإنتاج، وإصلاح المصارف، واستقرار الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير الزراعة والصناعة، وإعادة توجيه جزء أكبر من عائدات النفط نحو الاستثمار بدلاً من الاستهلاك.

عندها فقط يصبح سعر الصرف جزءاً من منظومة اقتصادية أكثر توازناً، لا رقماً يراقبه المواطن كل صباح خوفاً على راتبه وقوته الشرائية. فالعراق لا تنقصه الموارد، ولا تنقصه الأفكار، ولا تنقصه الدراسات. ما يحتاجه هو تحويل الموارد والأفكار إلى إنتاج، وتحويل الإيرادات النفطية إلى استثمار، وتحويل الدولة من موزع للريع إلى منظم لاقتصاد قادر على خلق الفرص. وعندها فقط يمكن أن يصبح الدولار مؤشراً اقتصادياً نراقبه، لا هاجساً يومياً يحكم تفاصيل حياتنا.







طبيعة العلاقات بين إسرائيل والإمارات وموقع مصر من أمن الخليج

د. طالب الشوكة

تجاوزت العلاقات بين تل أبيب وأبوظبي حدود التطبيع الدبلوماسي الذي بدأ مع اتفاقات أبراهام، لتتجه نحو شراكة استراتيجية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية. فقد أسهمت اتفاقات التعاون والتبادل التجاري والاستثماري في توسيع مساحة العلاقة بين الطرفين، فيما أصبح الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والأمن من أبرز مجالات التقارب بينهما. كما يمثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي يمر عبر الإمارات وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، أحد المشاريع التي تكشف أهمية الجغرافيا الجديدة للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
وفي هذا السياق، اكتسبت الخطوة الإماراتية بالانسحاب من منظمة أوبك وأوبك+، اعتباراً من مايو 2026، أهمية تتجاوز بعدها النفطي المباشر؛ إذ تمنح أبوظبي مساحة أكبر في إدارة سياستها الإنتاجية بعيداً عن قيود المنظمة. وقد يرى بعض المراقبين في هذه الخطوة جزءاً من إعادة تموضع إماراتية أوسع في الاقتصاد والسياسة الإقليمية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة والحرب الإقليمية. غير أن تفسير هذه الخطوة باعتبارها استجابة لرؤية غربية أو إسرائيلية لخفض أسعار النفط يبقى في نطاق التقدير السياسي، ويحتاج إلى أدلة مباشرة تثبته.
وتتبنى الإمارات وإسرائيل، في جانب من تعاونهما، مقاربة تقوم على المصالح والبراغماتية، مع تنامي التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن والدفاع. وقد أدت الحرب الإقليمية الأخيرة إلى رفع أهمية البعد الأمني في علاقات الخليج مع القوى الدولية والإقليمية، وجعلت مسألة حماية المجالين الجوي والبحري ومنشآت الطاقة جزءاً أساسياً من الحسابات الاستراتيجية لدول المنطقة.
ومن هنا يبرز الدور المصري. فدخول مصر على خط الترتيبات الأمنية في الخليج يطرح سؤالاً يتجاوز التعاون العسكري المباشر: هل تسعى القاهرة إلى تعزيز حضورها في معادلات الأمن العربي، أم أنها تتحرك أيضاً لمنع تشكل ترتيبات أمنية إقليمية تفضي إلى حضور إسرائيلي أكثر رسوخاً في الخليج؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر عند استحضار التجربة التاريخية لمصر. فمحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 كشفت للقاهرة خطورة تراجع حضورها في محيطها الإفريقي، وما أعقب ذلك من اتساع مساحة النفوذ الإقليمي والدولي في القارة. ومنذ ذلك الوقت أخذت مصر، خصوصاً منذ نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تنظر إلى إفريقيا بوصفها مجالاً مباشراً لأمنها القومي، لا مجرد ساحة للعلاقات الدبلوماسية.
وفي السودان، تبدو المعادلة أكثر حساسية. فالقاهرة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، بحكم الجغرافيا والنيل والحدود والتداخل الأمني والسياسي. ومع استمرار الاتهامات الموجهة إلى أطراف إقليمية بتقديم الدعم إلى قوات الدعم السريع، تصبح الحرب السودانية جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وليس مجرد نزاع داخلي سوداني.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحركات المصرية في الخليج والسودان ضمن رؤية أوسع لإعادة تثبيت موقع القاهرة في معادلات الأمن الإقليمي. فالقضية بالنسبة إلى مصر لا تتعلق فقط بمن يملك النفوذ في الخليج، بل بمن يحدد شكل الأمن الإقليمي في المنطقة، ومن يملك القدرة على التأثير في الممرات البحرية ومصادر الطاقة ومراكز التجارة والنفوذ الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: هل نحن أمام تعاون إماراتي–إسرائيلي محدود تحكمه المصالح المشتركة، أم أمام تشكل منظومة استراتيجية جديدة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة؟ وإذا كان الاحتمال الثاني قائماً، فإن حضور مصر لن يكون تفصيلاً عابراً، بل جزءاً من صراع أوسع على تعريف الأمن العربي وحدوده وأدواته.




الحوثيون والتكفير... أين ينتهي الخلاف المذهبي وتبدأ الجغرافيا السياسية؟
د. طالب الشوكة
كيف يمكن لعالم مسلم أن يكفّر مسلماً؟
ليس السؤال هنا دفاعاً عن جماعة سياسية أو عسكرية، ولا محاولة لمنح أي طرف حصانة من النقد، وإنما هو سؤال يتصل بجوهر الخطاب الديني والسياسي في عالم إسلامي أنهكته الانقسامات المذهبية والحروب والصراعات الإقليمية. فحين يصدر عن رجل دين أو جهة دينية حكم بإخراج جماعة بأكملها من الإسلام، يصبح من حق الباحث أن يسأل: ما المعيار الفقهي والعقدي الذي بُني عليه هذا الحكم؟ وهل نحن أمام حكم ديني مجرد، أم أمام خطاب ديني تداخلت فيه السياسة والجغرافيا وموازين القوى؟ وقد عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد تصريحات رئيس مجلس علماء باكستان حافظ محمد طاهر محمود أشرفي، الذي نُسب إليه في أواخر أيلول 2026 وصف الحوثيين بأنهم لا صلة لهم بالإسلام ووصفهم بالإرهابيين، خلال مؤتمر ديني عقد في السعودية، مع تأكيده على أن أمن المملكة والحرمين الشريفين يمثل خطاً أحمر.
وهنا لا بد من التفريق بين رفض ممارسات الحوثيين أو مشروعهم السياسي والعسكري، وبين إصدار حكم تكفيري على أتباع حركة لها جذور في مذهب إسلامي معروف.
فالزيدية ليست مذهباً طارئاً على التاريخ الإسلامي، وإنما تنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع )، المتوفى سنة 122هـ. وقد تطورت داخلها مدارس واتجاهات متعددة عبر التاريخ، وهي تختلف عن الإمامية الاثني عشرية في مسائل عقدية وفقهية، وإن كانت تلتقي معها في بعض القضايا، ولا سيما في مركزية أهل البيت ومفهوم الإمامة.
كما أن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد امتداد مباشر للزيدية التقليدية لا يخلو من التبسيط؛ فالحركة الحوثية الحديثة تشكلت في سياق سياسي واجتماعي وعسكري مختلف، وتطورت أفكارها وعلاقاتها الإقليمية عبر عقود من الصراع اليمني. وهنا تكمن ضرورة الفصل بين ثلاثة أمور:
المذهب الزيدي، والحركة الحوثية، والمواقف السياسية والعسكرية لجماعة أنصار الله. فليس كل زيدي حوثياً، وليس كل حوثي بالضرورة ممثلاً لكل ما في التراث الزيدي، كما أن نقد حركة سياسية أو عسكرية لا يستلزم تكفير مذهب بأكمله.التكفير ليس أداة سياسية. التكفير في الفكر الإسلامي ليس حكماً سياسياً عابراً، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة في الصراع بين الدول والجماعات.
يمكن أن تختلف مع الحوثيين(كما تدعي ) في مواقفهم السياسية والعسكرية، ويمكن أن تنتقد سيطرتهم على مؤسسات الدولة، أو ممارساتهم في الحرب، أو مواقفهم تجاه خصومهم، كما يمكن التحقيق في الاتهامات الموجهة إليهم بشأن استهداف المدنيين ودور العبادة. لكن كل ذلك شيء، والحكم على ملايين المسلمين أو أتباع مذهب معين بالخروج من الإسلام شيء آخر.
والأصل هنا أن نقد الفكرة لا يعني تكفير صاحبها، ونقد التنظيم لا يعني تكفير المذهب الذي ينتمي إليه بعض أتباعه.
وهذه القاعدة ينبغي أن تطبق على الجميع، لا على الحوثيين وحدهم.
أين تبدأ السياسة وأين ينتهي المذهب؟
من الخطأ تفسير الصراع اليمني كله من خلال المذهب.
فحتى المصادر التي تناولت الصراع اليمني أشارت إلى أن العوامل السياسية والاقتصادية والصراع الإقليمي لعبت دوراً مهماً إلى جانب العامل الديني. كما أن الزيدية الحوثية تختلف عن المذهب الاثني عشري السائد في إيران، رغم التقاطعات التي ظهرت في بعض المراحل.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم:
هل المشكلة في عقيدة الحوثيين، أم في مشروعهم السياسي والعسكري، أم في موقعهم الجغرافي وعلاقاتهم الإقليمية؟
فإذا كان الخلاف عقدياً خالصاً، فكيف نفسر تغير العلاقات والتحالفات الإقليمية عبر الزمن؟

وهنا تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها طرفاً أساسياً في التاريخ اليمني الحديث. من الاحتواء إلى الحرب
من غير الدقيق القول إن السعودية كانت داعمة للحوثيين بالمعنى المباشر الذي يوحي بأن الرياض كانت راعية للحركة الحوثية الحالية.  لكن التاريخ يقدم لنا حقيقة أكثر تعقيداً.
فالسعودية دعمت الإمامة الزيدية في اليمن خلال صراع الستينيات ضد النظام الجمهوري المدعوم آنذاك من مصر، وفق دراسات تناولت تاريخ العلاقة السعودية اليمنية. وبعد عقود، أصبحت العلاقة بين الرياض والحوثيين مختلفة جذرياً، ووصلت إلى أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين عام 2009، عندما امتدت حرب صعدة إلى الأراضي السعودية.
ثم جاءت التحولات اليمنية بعد 2011، وسيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، لتدفع الرياض إلى إعادة صياغة سياستها بالكامل.
وفي آذار 2015، أعلنت السعودية ودول خليجية أخرى التدخل العسكري استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وقدمت الرياض موقفها باعتباره دفاعاً عن الشرعية اليمنية وأمن المملكة والمنطقة، وربطت تدخلها كذلك بما وصفته بالتدخلات الإقليمية ودعم الحوثيين.
إذن نحن أمام تحول سياسي وجيوسياسي واضح.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال:
من كان على حق ومن كان على باطل؟
بل. ما الذي تغير في البيئة السياسية والإقليمية حتى انتقلت العلاقة من التعامل والاحتواء إلى الحرب؟ هذا هو السؤال الذي يستحق البحث.... الحرمين الشريفين خط أحمر... ولكن
لا أحد من المسلمين يمكنه أن يقبل استهداف مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو أي مقدس إسلامي.
الحرمين الشريفين ليسا ملكاً لطائفة أو دول

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا