إرهاصات مجنون..؟ إرهاصات على أبواب الخراب...ووجع ؟
د. طالب الشوكة
العامل العقدي قد يؤثر في مستوى الثقة بين الرياض وأنصار الله، لكنه لا يكفي وحده لتفسير الموقف السعودي؛ فهناك أيضاً أمن الحدود، وتوازن القوى في شبه الجزيرة العربية، وعلاقة أنصار الله بإيران.
إن العلاقة بين أنصار الله وإيران رغم الاختلاف المذهبي بين الزيدية والاثني عشرية يمكن أن تقوم على مصالح مشتركة دون أن تلغي استقلال القرار اليمني.
فهل السعودية تخشى أنصار الله بسبب علاقتهم بإيران، أم أنها تخشى ظهور قوة يمنية مستقلة على حدودها الجنوبية تستطيع فرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة؟
إذا كان الاحتمال الثاني أقرب إلى الواقع، فإننا أمام صراع يتجاوز الخلاف العقدي والنفوذ الإيراني إلى مسألة توازن القوى بين السعودية واليمن؛ فالسعودية تخشى على حدودها الجنوبية قوة يمنية صاعدة.
فخلال الحرب الأهلية في شمال اليمن (1962–1970)، دعمت السعودية القوى الملكية في مواجهة الجمهوريين الذين ساندتهم مصر عبد الناصر عسكرياً. وكانت الرياض تخشى امتداد المد القومي الجمهوري إلى أراضيها، فضلاً عن اختلال التوازن الإقليمي لمصلحة القاهرة.
واليوم تخشى وجود قوة عسكرية يمنية تربطها علاقات استراتيجية بإيران. إن ما يجمع المرحلتين هو هاجس الأمن الحدودي، وإن اختلفت الأيديولوجيات والتحالفات.
إن المشكلة السعودية مع أنصار الله هي علاقتهم بإيران، أم أن العلاقة الإيرانية مجرد عامل يضاعف قلق الرياض من قيام قوة يمنية يصعب إخضاعها أو احتواؤها؟
لو انقطعت العلاقة بين أنصار الله وإيران غداً، هل أن السعودية ستتقبل وجودهم قوةً عسكرية وسياسية على حدودها؟ هذا عامل مضاف يضاعف قلق الرياض من قيام قوة يمنية يصعب إخضاعها. قد لا تكون إيران هي التي صنعت القلق السعودي من اليمن، وإنما القلق السعودي التاريخي من تحولات القوة في اليمن هو الذي جعل العلاقة الإيرانية مع أنصار الله أكثر حساسية بالنسبة للرياض.
وأمامنا ثلاث محطات تستحق المقارنة: الحرب اليمنية في الستينيات، والتحولات اليمنية بعد الوحدة عام 1990، وصعود أنصار الله وصولاً إلى التدخل العسكري السعودي عام 2015.
هل السعودية تريد يمناً ضعيفاً ومجزأً حتى تضمن أمن حدودها، أم تريد يمناً مستقراً ولكن بشرط ألا يتحول إلى قوة إقليمية تنافس نفوذها؟
هي لا تخشى النفوذ الإيراني في اليمن بقدر ما تخشى نشوء قوة يمنية مستقلة قادرة على فرض إرادتها السياسية والعسكرية على حدودها الجنوبية. قد يكون اليمن الضعيف أقل تهديداً للمصالح الأمنية السعودية، حتى وإن كان اليمن المستقر أكثر فائدة للمنطقة اقتصادياً وسياسياً.
ولكي تستفيد الرياض من ضعف اليمن، وأن تكون لديها سياسة متعمدة لإبقائه ضعيفاً؛ فإن إثبات الأمر الثاني يحتاج إلى شواهد تاريخية وسياسية.
إذا كانت تفضل اليمن الضعيف، فكيف نفسر دعمها للقوى الملكية في الستينيات، ثم دعمها لاحقاً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة أنصار الله؟
هل اختلاف القوى التي دعمتها الرياض عبر العقود يخفي هدفاً استراتيجياً ثابتاً، وهو منع ظهور سلطة يمنية قوية ومستقلة عن النفوذ السعودي؟
هذه هي العقدة؛ فالسياسات الخارجية لا تُبنى على العواطف ولا على التحالفات الدائمة، بل على حسابات البقاء والقوة. العلاقة بين الرياض وصنعاء لم تكن يوماً نزاعاً عابراً، بل هي صراع جيوستراتيجي أبدي على الحدود والسيادة. إيران في هذه المعادلة ليست سوى مضخم صوت أو مفجر لحساسية تاريخية كانت موجودة أصلاً قبل ظهور الجمهورية وقبل الثورة الإسلامية في إيران.
فهل المتغيرات الدولية الجديدة (كالانفتاح السعودي الإقليمي وتنويع التحالفات) قادرة يوماً على تفكيك هذه الخشية التاريخية، أم أن الجغرافيا ستظل محكومة بهذا الهاجس الأبدي؟
إن هذا الموضوع في صلب الاستراتيجية الجيوسياسية الإقليمية؛ فالأمر يتجاوز حدود الأمن البري التقليدي ليصل إلى التحكم بمفاصل التجارة العالمية وأمن الطاقة. وعندما نضيف الموقع الجيوسياسي الخانق لليمن (مضيق باب المندب، البحر الأحمر، وخليج عدن؛ حيث تمر شرايين التجارة العالمية والنفط)، تتضح الصورة الكاملة لما يسمى بالبقاء تحت المطرقة والسندان.
اليمن ليس مجرد جار، بل هو "مفتاح العالم"؛ فهو يسيطر على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر (باب المندب)، وهو ممر لا تستطيع اقتصادات الخليج، ولا سيما السعودية، الاستغناء عنه لتصدير نفطها وسلعها نحو أوروبا والغرب. والسماح بقيام دولة يمنية قوية، مركزية، ومستقلة تماماً في القرار يعني بالضرورة تحولها إلى قوة إقليمية قادرة على ابتزاز العالم أو فرض شروطها على حركة الملاحة الدولية. ومن منظور الرياض وأبوظبي، هذا خط أحمر استراتيجي لا يمكن السماح به. ودعم السعودية والإمارات لألوية العمالقة والقوى السلفية يفسر بدقة كيف تدار هذه اللعبة؛ فبدل السماح لطرف واحد (سواء كان أنصار الله في الشمال أو أي سلطة مركزية أخرى) بالسيطرة المطلقة على مقدرات اليمن وجغرافيته البحرية، يتم هندسة مشهد يمني ممزق ومتوازن في آن واحد:
في الشمال: سلطة أمر واقع (أنصار الله) تُبقى مشغولة دائماً بالحصار والضغط العسكري والاقتصادي.
في الجنوب والساحل الغربي: قوى مدعومة إماراتياً وسعودياً (كالمجلس الانتقالي والعمالقة والسلفيين) تضمن السيطرة على السواحل ومضيق باب المندب والموانئ الحيوية.
اليمن يُدار بـ "سياسة الاحتواء المزدوج"؛ فلا يُترك ليقوى ويهيمن، ولا يُترك لينهتار كلياً بحيث تخرج الملاحة عن السيطرة المطلقة، بل يبقى معلقاً في المنتصف: ضعيفاً، منقسماً، وتحت المطرقة والسندان. السعودية والإمارات لا تريدان لليمن أن يكون فاشلاً بالكامل لدرجة تتيح لإيران أو لأي قوة معادية السيطرة التامة على باب المندب، ولكنهما في الوقت ذاته لا تريدان يمناً قوياً وموحداً ينافس نفوذهما الاقتصادي والسياسي في الجزيرة العربية.
ولهذا السبب، فإن الدعم المقدم للقوى المختلفة (الانتقالي، العمالقة، وغيرها) ليس سوى أدوات لإعادة تدوير الأزمة، وضمان بقاء اليمن مجزأً ومسيطراً على قراره الاستراتيجي من الخارج، بحيث تظل الرياض وأبوظبي هما المهيمنتين على مفاتيح اللعبة.
إن الفوضى ستستمر فترة أطول؛ فهي تعني للغرب انتهاء أي قوة هي لصالحها. وتعد السعودية صاحب القوة الاقتصادية في المنطقة، وهذا يعني أنها دولة منافسة وغنية جداً، وإضعافها خارج اللعبة كما حصل للعراق وسوريا يمكن إسرائيل من تحقيق غاياتها.
منظور الدول الكبرى (والغرب تحديداً) لا يرى في الفوضى الممتدة في دول الأطراف (مثل اليمن، وسابقاً العراق وسوريا) دليلاً على عجز سياسي، بل يراها أداة سيطرة كفؤة. فالتفكك المستدام يمنع قيام أي دولة مركزية قوية ومستقلة بقرارها الوطني، ويُبقي الدول والشعوب منشغلة بصراع البقاء اليومي، مما يعطل أي مشروع نهوض اقتصادي أو عسكري حقيقي قد يهدد الهيمنة أو ينافس المصالح الكبرى.
وعلى عكس العراق أو سوريا اللتين تعرضتا لتدمير ممنهج لبنيتهما كدولة مركزية، فإن انهيار السعودية غير مسموح به غربياً نظراً لثقلها الطاقوي والمالي الهائل في النظام العالمي. ولكي تظل الرياض ضمن هذا النسق، تضمن القوى الدولية بقاء جوارها المباشر (واليمن تحديداً) في حالة من الضعف الممنهج. فاليمن الضعيف والمجزأ يضمن ألا تتحول الخاصرة الجنوبية للسعودية إلى مهدد جدي، وفي الوقت ذاته يُبقي الرياض معتمدة أمنياً على التحالفات الخارجية.
عندما تكون الدول العربية المركزية أو شبه المركزية مشغولة بصراعاتها البينية (اليمن، سوريا، العراق، ليبيا)، فإن المجال الحيوي الإقليمي يُخلَى تماماً لتنفرد قوى أخرى (إسرائيلية أو إقليمية غير عربية) برسم خرائط النفوذ دون منافس حقيقي.
الغرب وإسرائيل يريان في التفتيت ضمانة أمنية ومصالح اقتصادية، والأطراف الإقليمية تدير الصراع بمنطق "احتواء الخطر لا حذفه نهائياً". فإن "الفوضى الممتدة" ليست عرضاً مؤقتاً سيُعالج قريباً، بل هي البنية التحتية للنظام الحالي في المنطقة، ولن تتغير إلا إذا حدث زلزال استراتيجي ضخم يُجبر القوى الكبرى على إعادة هندسة مصالحها من جديد.
النفوذ الغربي الإسرائيلي سيظل المتحكم في مسار الفوضى. أما صعود أقطاب كالصين وروسيا: فالروس استُنزفوا في حرب أوكرانيا والحصار المفروض، رغم وساطة ترامب لوقف الحرب بسبب الديزل؛ أما الصين فتجنب نفسها حالياً لإكمال قوتها العسكرية الحديثة، ، إذا تم حصارها في مضيق ملقة ستكون النتيجة كارثية.
الموقف الروسي: الاستنزاف المستمر في الجبهة الأوكرانية، والضغوط الاقتصادية والعقوبات الهيكلية، تجعل موسكو أبعد ما تكون عن القدرة على إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط بشكل جذري؛ حيث تظل محصورة في إدارة صراع البقاء الخاص بها والتكيف مع الضغوط الغربية المتكررة.
الموقف الصيني: بكين تتبنى استراتيجية "النفس الطويل" بحذر شديد؛ فهي تدرك تماماً معضلة الجغرافيا البحرية وخاصة مضيق ملقة وغيره من الممرات الحيوية التي تحيط بها السيطرة البحرية الغربية. أي صدام مبكر قبل استكمال التحديث الشامل للقوة العسكرية قد يضع اقتصادها وعصب طاقتها أمام كارثة وجودية، مما يجعلها تفضل التمكين الاقتصادي الهادئ على الصدام المباشر في مناطق النفوذ التقليدية للغرب.
لهذا السبب، تظل الساحة الإقليمية وخصوصاً بؤر التوتر كاليمن ومحيطها الجيوسياسي محكومة بتلك القواعد التي تصب في مصلحة هيمنة النفوذ الغربي والإسرائيلي؛ حيث تُدار الفوضى بحرفية عالية لضمان بقاء الجميع داخل هامش الاحتواء المرسوم.
عندما تتحول الأوطان من فضاء للكرامة والتحقق إلى مجرد "سجون مفتوحة" همّها الوحيد تأمين لقمة العيش والبقاء البدائي، تسقط كل الشعارات الكبرى وتتعرى المفاهيم.
عبارة "الوطن كذبة" بقدر ما تحمل من قسوة تعبر عن صدمة الوعي الجمعي بعد عقود من الاستبداد والشعارات الخاوية التي لم تقدم للناس سوى الفقر، والقمع، والحروب العبثية. أصبح المواطن يرى في الوطن بمعناه السياسي الحالي أداة قمع واستنزاف لا مظلة حماية، ويترجمه الواقع اليومي المتمثل في طوابير الهجرة على أبواب السفارات، وقوارب الموت في البحار، وهجرة العقول والشباب بحثاً عن الكرامة والإنسانية المفقودة في الديار.
عندما تُنهك الشعوب بالصراع الدائم من أجل الخبز والثوب والسلام الشخصي، فإنها تفقد بالتدريج قدرتها على المقاومة أو التغيير، وتتحول إلى كتل بشرية تبحث عن النجاة الفردية لا الجماعية. وهذا تماماً ما تريده منظومات الاستبداد والتحكم الخارجي: إنسان مكسور الإرادة، مشغول همومه اليومية، وعاجز حتى عن التفكير في صناعة مصيره. فحيث تختفي العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، يصبح الانتماء للمكان عبئاً لا ميزة.
الإحباط التاريخي سيظل حالة مستدامة تفرغ الأوطان من طاقاتها الحية، أما تراكم الضغط فيولد الانفجار. وصل الأمر إلى فكرة سؤال جحا: "أين وطنك؟" قال: "الذي فيه زوجتي". وهم الجغرافيا السياسية التي لا تقدم للإنسان سوى الاسم والشعارات، بينما الوطن الحقيقي انكمش ليصبح مساحة أمان صغيرة جداً تتسع لشخصين يواجهان العراء معاً.
الانكماش في معنى "الوطن" إلى حدود الخيمة الصغيرة أو البيت الآمن هو التعبير الأصدق عن حالة الاستنزاف التي تعيشها الشعوب. عندما يفقد المكان روحه وعدالته وكرامته، ينسحب الإنسان داخلياً، ويصبح الوطن الحقيقي هو كل مكان يجد فيه أمانه.
التعليقات الأخيرة