ألوية العمالقة في اليمن: العقيدة السلفية وحسابات النفوذ الإقليمي الجزء الاول
ط
د. طالب الشوكة
لم تعد ألوية العمالقة في اليمن مجرد مليشيا عسكرية نشأت لمواجهة جماعة أنصار الله الحوثيين، بل أصبحت أحد نماذج تداخل العقيدة الدينية مع المصالح الإقليمية وإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة اليمنية. فمنذ ظهورها في سياق الحرب عام 2015، اكتسبت هذه القوات أهمية ميدانية وسياسية، مستفيدة من خبرتها القتالية ودعم دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن تجد نفسها أمام تحولات إقليمية أعادت رسم خريطة النفوذ في الجنوب اليمني.
غير أن قراءة مستقبل العمالقة لا يمكن أن تقوم على سجلها العسكري وحده؛ فالقوة التي تستطيع تغيير موازين المعركة ليست بالضرورة قادرة على ضمان موقعها داخل الدولة بعد تغير التحالفات. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تستطيع ألوية العمالقة تحويل رصيدها العسكري والأيديولوجي إلى نفوذ مؤسسي مستدام، أم أن التحولات الإقليمية ستفرض عليها إعادة تعريف دورها وموقعها في المعادلة اليمنية؟
من الخلفية السلفية إلى التشكيل العسكري
ترتبط الخلفية الفكرية لعدد من قيادات ألوية العمالقة ومقاتليها بالتيار السلفي، ومن بين الشخصيات المرتبطة بهذه البيئة عبد الرحمن المحرمي، المعروف بأبي زرعة، الذي درس في دار الحديث بمنطقة دماج في محافظة صعدة.
شكّلت المواجهات التي شهدتها دماج عام 2013، وانتهت بخروج أعداد من طلابها ومقاتليها من المنطقة عقب الصراع مع انصار الله الحوثي، إحدى المحطات المؤثرة في العلاقة العدائية بين قطاعات من التيار السلفي وجماعة أنصار الله. ومع توسع الحرب عام 2015، انخرط مقاتلون من هذه البيئة في المناهضة للحوثيين، قبل أن تتبلور تشكيلات مليشيا عسكرية أكثر تنظيماً تحت مسمى ألوية العمالقة.
ومع ذلك، فإن ردّ نشأة هذه المجموعة إلى تجربة دماج وحدها لا يفسر جميع جوانب تكوينها؛ إذ تداخلت الخلفيات الدينية مع الانتماءات المحلية، وظروف الحرب، والحاجة إلى بناء تشكيلات قادرة على خوض عمليات عسكرية واسعة.
وقد أسهمت هذه العوامل في تكوين هوية قتالية تجمع بين الدافع الأيديولوجي والخبرة الميدانية. لكن من الضروري التمييز بين الخلفية السلفية لبعض القيادات والمقاتلين وبين افتراض وجود عقيدة موحدة بالدرجة نفسها لدى جميع أفراد التشكيل.
الإمارات وبناء القوة: من الدعم العسكري إلى النفوذ السياسي
مثّل الدعم الإماراتي أحد العوامل الأساسية في صعود مليشيا ألوية العمالقة، ضمن سياسة أوسع اتبعتها أبوظبي في دعم تشكيلات محلية مناهضة للحوثيين، خصوصاً في الجنوب والساحل الغربي. وشمل هذا المسار، وفق تقارير ودراسات عن بنية القوى المسلحة اليمنية، أشكالاً من الدعم والتدريب والتسليح والتمويل، أسهمت في تعزيز القدرات العملياتية لهذه التشكيلات .
ولم تكن أهمية العمالقة بالنسبة إلى الإمارات مقتصرة على قدرتها القتالية، بل ارتبطت أيضاً بموقعها ضمن شبكة أوسع من الشركاء المحليين الذين يمكن الاعتماد عليهم في بيئة يمنية تتسم بتعدد مراكز القوة وضعف المؤسسات المركزية.
فالموقع الجغرافي لليمن، وإطلالته على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، يمنحان الترتيبات الأمنية في مناطقه الساحلية أهمية تتجاوز حدود الصراع الداخلي. كما أن حماية الملاحة الدولية ومنع تحول السواحل إلى منصات للتهديدات البحرية يمثلان جزءاً من الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين امتلاك قوة عسكرية تنتشر في مناطق ساحلية وبين السيطرة المباشرة على الممرات البحرية أو إدارة الموانئ. فهذه مسائل تتعلق بانتشار القوات، والقدرات البحرية، والسلطات المحلية، وموازين القوة على الأرض.
لقد منح الدعم الخارجي لمليشيا العمالقة إمكانات ساعدتها على تعزيز موقعها العسكري، لكنه أوجد في المقابل سؤالاً استراتيجياً بشأن مدى قدرتها على الاحتفاظ بهذه الإمكانات إذا تغيرت أولويات الجهة الداعمة أو تبدلت التحالفات الإقليمية.
العقيدة القتالية وحدود التفوق العسكري
تتمثل إحدى خصائص ألوية العمالقة في اجتماع الدافع الأيديولوجي مع الخبرة القتالية والدعم العسكري. وقد ظهرت أهمية هذه العوامل خلال مشاركتها في جبهات متعددة، ولا سيما العمليات التي شهدها الساحل الغربي، فضلاً عن دورها في معارك شبوة خلال عام 2022.
وتمنح الخلفية العقائدية بعض المقاتلين دافعاً إضافياً للاستمرار في القتال، خصوصاً عندما يُنظر إلى المواجهة باعتبارها صراعاً على الهوية والمعتقد والمصالح المحلية. إلا أن العقيدة وحدها لا تفسر نتائج المعارك؛ فالقيادة، والتدريب، والتسليح، والاستخبارات، والإمداد، وطبيعة الأرض، كلها عوامل تؤثر في الأداء العسكري.
ومن ثم، فإن وصف العمالقة بأنها قوة لا تُهزم أو أنها الخصم الأصعب للحوثيين على الإطلاق يحتاج إلى مقارنة عملياتية موثقة، تشمل نتائج المعارك والخسائر وتغير خطوط السيطرة. والأدق أن يقال إن العمالقة برزت بوصفها أحد التشكيلات ذات الوزن العسكري في المعسكر المناهض للحوثيين، من دون تحويل ذلك إلى حكم مطلق بشأن تفوقها على جميع التشكيلات الأخرى.
كذلك، فإن اعتماد الحوثيين على الألغام والعبوات الناسفة والطائرات المسيّرة والصواريخ في سياق الحرب اليمنية يندرج ضمن تنوع أدوات الصراع، ولا يكفي وحده لإثبات عجزهم عن اختراق دفاعات العمالقة أو إخضاعها عسكرياً. إن التقييم الجاد للقوة العسكرية يبدأ من الوقائع الميدانية، لا من الصورة التي يرسمها الخصوم عن بعضهم بعضاً.
مليشيا ألوية العمالقة في اليمن: العقيدة السلفية وحسابات النفوذ الإقليمي
الجزء الثاني
د. طالب الشوكة
المحرمي ومعادلة الشرعية والنفوذ
أضاف دخول عبد الرحمن المحرمي، المعروف بأبي زرعة، إلى مجلس القيادة الرئاسي عام 2022 بعداً سياسياً إلى موقع العمالقة. فقد باتت قيادة التشكيل مرتبطة بمؤسسة سياسية تتولى تمثيل السلطة اليمنية المعترف بها دولياً، الأمر الذي عزز قدرتها على المشاركة في ترتيبات السلطة والأمن.
لكن هذا التمثيل لا يعني تلقائياً أن مليشيا العمالقة أصبحت جزءاً من منظومة عسكرية موحدة تعمل وفق سلسلة قيادة مؤسسية مكتملة. فالمشكلة اليمنية لا تتعلق بوجود قادة عسكريين داخل المؤسسات السياسية فحسب، بل بمدى خضوع الوحدات المسلحة لقيادة مركزية واضحة، وميزانية شفافة، وقواعد موحدة للتعيين والترقية والمساءلة.
وتتجاوز هذه المعضلة ألوية العمالقة لتشمل عدداً من التشكيلات التي نشأت أو توسعت خلال الحرب. فوجودها داخل معسكر واحد لا يعني تطابق مصالحها، كما أن مشاركتها في مؤسسات الدولة لا تنهي بالضرورة استقلالية شبكاتها العسكرية أو السياسية. ومن هنا، فإن العلاقة بين الشرعية والقوة المسلحة لا ينبغي فهمها بوصفها مسألة اعتراف سياسي فقط، بل باعتبارها اختباراً لقدرة الدولة على تحويل تعدد القوى إلى منظومة مؤسساتية متماسكة.
التحول الإقليمي: ماذا تغيّر في عام 2026؟
تحتاج قراءة العمالقة إلى مراعاة التحولات التي شهدها اليمن منذ مطلع عام 2026. فقد تناولت تقارير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إعادة تنظيم القوات الأمنية والعسكرية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، في أعقاب الانسحاب الإماراتي والتغيرات التي طالت المجلس الانتقالي الجنوبي. وأشارت هذه التقارير إلى اتساع الدور السعودي في إعادة ترتيب القوات، وإلى تكليف ألوية العمالقة بقيادة المحرمي بمهام أمنية في عدن، مع استمرار العمل على إعادة هيكلة التشكيلات المسلحة ودمجها في أطر أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة.
وتكشف هذه التطورات عن تغير مهم في البيئة التي تعمل فيها العمالقة. فالمعادلة لم تعد مقتصرة على علاقة ثنائية بين التشكيل والإمارات، بل باتت تشمل إعادة توزيع النفوذ داخل الجنوب، ودور السعودية في إدارة الملف الأمني، ومستقبل القوى التي ارتبطت سابقاً بالمجلس الانتقالي أو بالدعم الإماراتي.
ولا يعني ذلك أن التحول قد حسم نهائياً موقع العمالقة أو ولاءاتها المستقبلية؛ فإعادة التنظيم لا تزال مرتبطة بتوازنات سياسية وأمنية متحركة، كما أن تغيير جهة التمويل أو الإشراف لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال كامل للولاءات أو ذوبان الهويات العسكرية القائمة.
لكن هذه التطورات تفرض تعديل الفرضية التي تنطلق منها بعض القراءات السابقة: لم يعد من الدقيق التعامل مع استمرار الدعم الإماراتي المباشر بوصفه ضمانة ثابتة لمستقبل العمالقة. فالمتغير الأهم أصبح قدرة هذه القوات على التكيف مع إعادة تشكيل السلطة الأمنية في اليمن، وعلى الحفاظ على موقعها ضمن ترتيبات جديدة لا تتحكم فيها وحدها.
العمالقة بين ثلاثة سيناريوهات
يتوقف مستقبل مليشيا العمالقة على مجموعة من العوامل، في مقدمتها تماسك قيادتها، وقدرة مؤسسات الدولة على استيعاب التشكيلات المسلحة، وطبيعة التفاهمات السعودية والمحلية، ومستقبل الصراع مع الحوثيين.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: الاندماج المؤسسي التدريجي.
يقوم هذا المسار على إدراج القوات ضمن هيكل عسكري وأمني واضح، مع توحيد الرواتب والسجلات والقيادة والاختصاصات، وإخضاع التسليح والانتشار والقرارات العملياتية للقواعد المعتمدة من مؤسسات الدولة. ولا يتطلب هذا بالضرورة إلغاء الخبرات أو تفكيك الوحدات فوراً، لكنه يقتضي انتقالاً فعلياً من الولاءات الشخصية والتنظيمية إلى الانضباط المؤسسي.
وتكمن صعوبة هذا السيناريو في أن الاندماج الإداري وحده لا يكفي؛ فإذا احتفظت القوات بقرارها المستقل ومواردها وسلسلة قيادتها خارج الرقابة المركزية، فإن التغيير سيبقى شكلياً.
السيناريو الثاني: استمرار الخصوصية التنظيمية تحت مظلة الدولة.
قد تستمر العمالقة في أداء دور عسكري وأمني بارز مع احتفاظها بجزء من بنيتها القيادية وهويتها التنظيمية، على أن يجري توسيع التنسيق مع وزارتي الدفاع والداخلية ومؤسسات السلطة المحلية.
ويستند هذا الاحتمال إلى واقع تعدد القوى المسلحة في اليمن، وصعوبة إعادة تنظيمها دفعة واحدة. لكنه يظل مرهوناً بوجود قواعد قانونية تحدد الاختصاصات والصلاحيات والمساءلة، وإلا فقد تتحول الخصوصية التنظيمية إلى شكل دائم من ازدواجية السلطة.
مليشيا ألوية العمالقة في اليمن: العقيدة السلفية وحسابات النفوذ الإقليمي
الجزء الثالث
د. طالب الشوكة
السيناريو الثالث: إعادة الهيكلة وتقليص النفوذ المستقل.
قد تدفع التغيرات في مصادر التمويل والتحالفات السياسية إلى إعادة توزيع الوحدات والمهام، أو تغيير بعض القيادات، أو دمج أجزاء من التشكيل ضمن أجهزة مختلفة. ولا يعني ذلك بالضرورة تفكيك العمالقة بالكامل، لكنه قد يؤدي إلى تقليص استقلالية قرارها العسكري والسياسي وتتوقف احتمالات هذا المسار على مدى قدرة الجهات المشرفة على إعادة التنظيم على بناء تفاهمات مع القيادات والمقاتلين، وعلى توفير الرواتب والموارد والضمانات التي تمنع تحول إعادة الهيكلة إلى مصدر لصراع جديد. ولا يمكن ترجيح أحد هذه المسارات بصورة قاطعة؛ إذ تظل النتائج مرتبطة بتطورات الحرب، وبالتوازنات المحلية والإقليمية، وبمدى قدرة الحكومة اليمنية على بناء مؤسسات قابلة للاستمرار.
السعودية والإمارات: تنافس المصالح وإعادة ترتيب القوة
تكشف تجربة العمالقة عن جانب مهم من التنافس الإقليمي في اليمن. فقد ارتبط الدعم الإماراتي بتشكيلات محلية تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً، بينما تسعى السعودية، في المرحلة الراهنة، إلى تعزيز قدرتها على إعادة تنظيم القوات الواقعة ضمن مناطق الحكومة اليمنية وتوحيد سلاسل القيادة.
لكن اختزال السياسة السعودية في هدف واحد، أو اعتبار السياسة الإماراتية ثابتة لا تتغير، من شأنه أن يحجب تعقيد المشهد. فكلتا الدولتين تتعاملان مع مصالح أمنية وسياسية متداخلة، وقد تتقاطع أولوياتهما في ملفات وتختلف في أخرى.
كما أن امتلاك النفوذ على تشكيل مسلح لا يضمن التحكم الكامل في قراراته؛ فالقيادات المحلية لديها مصالحها الخاصة، والبيئات الاجتماعية التي تستند إليها، وحساباتها المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم الموارد.
لذلك، فإن مستقبل العمالقة لن يتحدد فقط بمقدار الدعم الذي تتلقاه، بل بقدرتها على التكيف مع تغير مصادر هذا الدعم، وبمدى استعداد قيادتها لقبول ترتيبات تحد من استقلالية القرار العسكري مقابل ضمان استمرار حضورها ضمن مؤسسات الدولة.
الجغرافيا السياسية: الطاقة والساحل الغربي وباب المندب
تكتسب ألوية العمالقة أهمية إضافية من ارتباط انتشارها السابق والحالي بمناطق ذات قيمة استراتيجية، بينها أجزاء من شبوة والساحل الغربي. فشبوة ترتبط بموارد الطاقة وبشبكات الطرق والمواقع الاقتصادية، فيما يمنح الساحل الغربي اليمني أهمية تتصل بالموانئ والملاحة في البحر الأحمر.
غير أن الأهمية الجيوسياسية لهذه المناطق لا تعني أن السيطرة العسكرية عليها تمنح أي تشكيل القدرة المنفردة على التحكم في حركة التجارة الدولية. فالأمن البحري يتأثر بقدرات متعددة، تشمل القوات البحرية، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإدارة الموانئ، والتعاون الإقليمي والدولي.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً في ظل التصعيد العسكري الذي عاد إلى الواجهة في اليمن خلال أكتوبر 2026، وفق التحليل المنشور في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في السادس من الشهر نفسه. ويشير هذا التطور إلى أن التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر لا تزال مرتبطة مباشرة بمسار الحرب اليمنية، وبقدرة الأطراف على استخدام الجغرافيا البحرية أداةً للضغط العسكري والسياسي.
وفي هذا السياق، يمكن أن تمثل القوات المنتشرة في المناطق الساحلية عنصراً في معادلة الأمن البري وحماية المنشآت وخطوط الإمداد، لكنها لا تحل بمفردها معضلة أمن باب المندب. فهذه المعضلة تتطلب ترتيبات أوسع تتداخل فيها السياسة اليمنية مع الأمن الإقليمي والمصالح الدولية.
مليشيا ألوية العمالقة في اليمن: العقيدة السلفية وحسابات النفوذ الإقليمي
الجزء الرابع
د. طالب الشوكة
هل يمكن بناء جيش يمني موحد؟
تطرح تجربة العمالقة سؤالاً يتجاوز مستقبل هذا التشكيل إلى طبيعة الدولة اليمنية نفسها: هل يمكن بناء جيش وطني موحد في ظل تعدد مراكز القوة والولاءات السياسية والمناطقية؟
من الناحية المؤسسية، يتطلب بناء الجيش الموحد إخضاع جميع التشكيلات لسلسلة قيادة واحدة، وتوحيد نظم الرواتب والتدريب والتسليح، وإرساء آليات واضحة للمساءلة، ومنع استخدام الموارد العسكرية لتحقيق أهداف سياسية خارج إطار الدولة.
لكن هذه العملية لا يمكن إنجازها بقرارات إدارية وحدها. فهي تحتاج إلى تسوية سياسية تعالج الخلافات حول السلطة وتقاسم الموارد ومستقبل الجنوب، وإلى مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية والأمنية.
وقد أظهرت التجارب اليمنية أن إدراج تشكيلات مسلحة ضمن هياكل رسمية لا يضمن بالضرورة زوال استقلاليتها الفعلية. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في الاسم الذي تحمله القوة أو الوزارة التي تُنسب إليها، بل في الجهة التي تتخذ القرار، وتدفع الرواتب، وتراقب السلاح، وتحاسب القيادات.
كما أن إعادة الهيكلة ينبغي ألا تتحول إلى عملية لإقصاء مكونات سياسية أو اجتماعية بعينها، بل إلى مسار مؤسسي يضمن الحقوق ويحد من الاحتكار المسلح للسلطة.
القوة التي تعيد تعريف موقعها
تقف ألوية العمالقة أمام مرحلة مختلفة عن المرحلة التي شهدت نشأتها وصعودها العسكري. فالعقيدة التي أسهمت في تعبئة المقاتلين، والخبرة التي اكتسبتها في ميادين الحرب، والدعم الإقليمي الذي عزز قدراتها، لا تكفي وحدها لضمان استمرار نفوذها في بيئة تتغير فيها التحالفات ومراكز القرار.
لقد أظهرت تطورات عام 2026 أن إعادة ترتيب القوة في اليمن ليست مسألة مؤجلة إلى ما بعد السلام؛ بل أصبحت جزءاً من الصراع الجاري على شكل السلطة ومؤسسات الأمن والجيش. ولذلك، فإن مستقبل العمالقة يرتبط بقدرتها على التكيف مع هذه التحولات، وبمدى استعداد قيادتها للانتقال من منطق التشكيل ذي الخصوصية العسكرية إلى منطق المؤسسة الخاضعة لقواعد الدولة.
ولن يكون الاندماج الناجح مرادفاً بالضرورة للتفكيك، كما أن الاحتفاظ بالهوية التنظيمية لا يعني بالضرورة رفض الدولة. الفارق الحاسم هو ما إذا كانت هذه الهوية ستعمل داخل نظام مؤسسي واضح، أم ستظل أساساً لاستقلال القرار العسكري والسياسي.
وهنا تتجاوز المسألة ألوية العمالقة ذاتها، لتصبح اختباراً لقدرة اليمن على الانتقال من تعدد القوى المسلحة إلى بناء سلطة شرعية قادرة على إدارة الخلافات وحماية المصالح العامة.
فهل تستطيع العمالقة تحويل رصيدها العسكري إلى موقع مؤسسي داخل الدولة اليمنية، أم أن إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي ستفرض عليها صيغة جديدة من الاندماج وإعادة الهيكلة؟
الإجابة لن تحدد مستقبل هذه القوات وحدها، بل ستكشف أيضاً ما إذا كانت الدولة اليمنية قادرة على إخضاع موازين القوة لمنطق المؤسسات، أم أن المؤسسات ستظل مضطرة إلى التكيف مع القوى التي نشأت خارج إطارها.
الملف الحقوقي. اختبار آخر لشرعية القوة
لا تكتمل قراءة تجربة ألوية العمالقة من دون التوقف عند البعد الحقوقي للحرب اليمنية، إذ لا تُقاس شرعية التشكيلات المسلحة بفاعليتها العسكرية أو بموقعها ضمن التحالفات السياسية فحسب، بل كذلك بمدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين والمحتجزين. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ومنظمة مواطنة لحقوق الإنسان، انتهاكات ارتكبتها في النزاع اليمني، شملت الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وسوء معاملة المحتجزين. وتؤكد هذه التقارير وضعف الرقابة المؤسسية شكّلا بيئة سمحت باستمرار انتهاكات خطيرة في مناطق مختلفة من البلاد. وفيما يتعلق بألوية العمالقة والمناطق التي شاركت فيها عسكرياً، الانتهاكات الموثقة بحقها. وتكتسب مواجهات شبوة في أب 2022 أهمية خاصة في هذا السياق، وسقوط ضحايا، بينهم مدنيون وفق تقديرات منشورة, ومتعلقة بالإعدامات الميدانية وإساءة معاملة الأسرى والمحتجزين، يثير مسؤوليات قانونية خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر قتل الأشخاص الذين ألقوا أسلحتهم أو أصبحوا خارج القتال، كما يحظر التعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الإنسانية. باعتبارها مسائل تستوجب التحقيق المستقل والمساءلة. إن الاختبار الحقوقي لألوية العمالقة، شأنها شأن بقية التشكيلات المسلحة، لا يتمثل في الانتماء السياسي أو الديني، بل في السلوك الفعلي، ومدى خضوع القيادات للمحاسبة، وقدرة المؤسسات القضائية والرقابية على منع الانتهاكات والتحقيق فيها. فالقوة التي تسعى إلى تثبيت موقعها داخل الدولة لا يكفيها أن تكون فاعلة في ميدان القتال؛ بل يتعين عليها أيضاً أن تثبت التزامها بالقانون وحماية المدنيين. ويبقى الحكم على الوقائع رهناً بما تثبته الأدلة والتحقيقات المستقلة، لا بما تتداوله الأطراف المتنازعة من اتهامات متبادلة. المسألة في هذا الجانب حساسة جدا, واترك الحكم للقارئ في الانتهاكات الانسانية والحقوقية في ضوء المعلومات الموثقة ...................؟
التعليقات الأخيرة