news-details
مقالات

ارهاصات مجنون الجغرافيا الإيرانية في مواجهة القوة الأمريكية الجزء الثاني

 


د. طالب الشوكة
تسعى الولايات المتحدة منذ سنوات للتركيز على احتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن الموقع الجغرافي لإيران وقدرتها على إشعال أو تهدئة جبهات متعددة يفرض على واشنطن الانخراط الدائم والاستنزاف المستمر في الشرق الأوسط.
أدت قدرة إيران الجغرافية على التأثير في خطوط التجارة والمحيط الإقليمي لرفع كلفة سياسة "الضغط الأقصى"؛ حيث أصبحت واشنطن مجبرة على إبقاء قنوات دبلوماسية خلفية لتجنب أي احتكاك قد يخرج عن السيطرة ويتطور إلى حرب شاملة تعطل الاقتصاد العالمي.
لكي يتحول الموقع الجغرافي والقدرة على تعطيل الممرات إلى "مكسب استراتيجي مستدام" لإيران - بدلاً من أن يظل مجرد أداة تكتيكية مؤقتة تُستخدم لفض الاشتباك أو تحسين شروط التفاوض اللحظي - لا بد أن تتوفر شروط هيكلية وعميقة تغير طبيعة الصراع.
تعتمد إيران حالياً على الجغرافيا لتعويض خسائرها الناتجة عن الحصار عبر عمليات تهريب أو تفاهمات ثنائية ضيقة (مثل تصريف النفط بخصومات كبرى)، وهو ما يمثل إدارة للأزمة وليس مكسباً تنموياً. الشرط المستدام: أن تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى عصب لا غنى عنه للتجارة الدولية الكبرى (مثل ممر الشمال - جنوب الروسي، ومشاريع الحزام والطريق الصينية)، بحيث تصبح مصالح القوى الكبرى نفسها مرتبطة باستقرار الطرق التجارية داخل الأراضي الإيرانية وعبرها، مما يجعل فرض حصار شامل عليها مكلفاً دولياً وليس أمريكياً فقط.
تعتمد أوراق الضغط الإيرانية غالباً على التهديد بإغلاق المضيق، وهي وسائل تدفع الخصوم نحو التحالف المضاد (مثل اتفاقيات التطبيع والترتيبات الأمنية الإقليمية برعاية غربية). الانتقال من استراتيجية "إدارة الفوضى" إلى بناء نظام أمني إقليمي مشترك مع دول الجوار الخليجي والآسيوي، تُقنن فيه السيطرة الجغرافية عبر اتفاقيات جماعية لتقاسم المصالح وحماية أمن الملاحة، مما يمنح طهران شرعية دولية وإقليمية دائمة لإدارة ممراتها بدل أن تظل في مربع "دولة مارقة تهدد التجارة".
تظل أوراق الضغط الجغرافي (كالصواريخ والمسيرات والزوارق) عرضة للتآكل مع تقدم التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والغربية المضادة (أنظمة الاعتراض والدفاع السيبراني والذكاء الاصطناعي). مأسسة القدرات العسكرية الرادعة ضمن قاعدة صناعية وتقنية محلية متكاملة لا تقف عند حدود التقليد أو التكتيكات غير المتكافئة، بل تمتلك أوراق ردع نوعية (مثل التقدم التقني العميق أو أوراق تفاوض تقنية مستحدثة) تجعل تكلفة أي عمل عسكري ضد جغرافيتها باهظة وثابتة في كل العصور بغض النظر عن الإدارة الأمريكية القائمة. إن استخدام ورقة "هرمز" ورفع كلفة التوتر يرتد أحياناً بآثار كارثية على الاقتصاد الإيراني الداخلي (تضخم حاد، ندرة موارد، ركود المدن، واختبارات لولاء الجبهة الداخلية). ويجب أن يترافق مع إصلاح هيكلي حقيقي ينوع مصادر الدخل القومي، ويحمي الطبقات الشعبية من تبعات العزلة، ويخلق استقراراً مجتمعياً يجعل النظام قادراً على تحمّل كلفة "الصراع طويل الأمد" دون أن ينهار اقتصادياً قبل خصومه. تحويل الموقع الجغرافي إلى شبكة مصالح متشابكة مع قوى دولية كبرى ودول الجوار، بحيث يصبح المساس باقتصاد إيران أو محاصرتها تهديداً مباشراً للنظام التجاري العالمي بأسره، لا مجرد ملف أمني طارئ على طاولة البنتاغون.
وهنا يبرز سؤالان جوهريان في قراءة معادلة القوة بين طهران وواشنطن: مدى قدرة طهران على توظيف الجغرافيا للحد من حركة الخصم ورفع كلفة المواجهة والمكاسب المتحققة منها، في المقابل هل واشنطن قادرة على تحييد أوراق ضغط طهران دون التسبب بمواجهة طويلة لا تتناسب مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية؟
تعتمد الإجابة عن هذين السؤالين على قدرة كل طرف على إدارة موارده، وتوظيف القدرات العسكرية واللوجستية في إدارة الصراع؛ فالإضرار بالخصم لا يعني فرض الإرادة عليه، كما أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية بأقل التكاليف.
إن المعيار الحقيقي لقوة الجغرافيا الإيرانية لا يكمن في قدرتها على تعطيل المصالح الدولية، بل في مدى قدرة طهران على تحويل هذه الورقة إلى مكاسب استراتيجية واقتصادية مستدامة، من دون أن يؤدي استخدامها إلى استنزاف قدراتها أو توحيد خصومها في مواجهتها.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا