news-details
مقالات

ارهاصات مجنون  فرنسا بين غضب الشارع وأزمة الثقة بالدولة الجزءالاول

 

 
د. طالب الشوكة
ما يجري في عاصمة الجمال لم يعد مجرد احتجاجات عابرة يمكن احتواؤها ببعض الإجراءات الحكومية أو الوعود السياسية، بل أخذ أبعاداً مقلقة، تكشف عن أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة تتجدد باستمرار في الشارع الفرنسي، وكأن هذا الشارع لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الضغوط التي تثقل كاهل المواطن العادي.
لقد أضافت أزمة الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في حركة الطاقة والملاحة عبر مضيق هرمز، ضغوطاً جديدة على الأسواق العالمية، انعكست على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة. ولم تكن فرنسا بعيدة عن هذه التداعيات، وهي التي تعاني أصلاً من تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والعاملة، وسط جدل متواصل بشأن الضرائب والسياسات المالية للحكومة الفرنسية.
ولعل ما شهدته فرنسا سابقاً مع حركة السترات الصفراء لم يكن حدثاً منفصلاً عن هذه الأزمات، بل تعبيراً عن غضب اجتماعي أعمق، ما زالت أسبابه حاضرة، وإن اختلفت أشكال الاحتجاج وأطرافه. فالأزمة لا تبدأ عند أسعار الوقود وتنتهي عند الضرائب، وإنما تمتد إلى التعليم والخدمات العامة ومستقبل الأجيال القادمة. لقد شكّلت المطالب التعليمية، وما رافقها من اعتراضات على تقليص الإنفاق وتردي أوضاع بعض المؤسسات التعليمية واكتظاظ الصفوف الدراسية، أحد أوجه الاحتقان الاجتماعي. ومع اتساع دائرة الغضب، تلتقي مطالب الطلبة والأساتذة مع مطالب النقابات العمالية والفئات المتضررة من السياسات الحكومية، لتتشكل كرة ثلج تتدحرج في الشارع الفرنسي، وتستقطب كل من يشعر بأن صوته لم يعد يصل إلى أصحاب القرار.
غير أن ما يثير القلق في هذه الاحتجاجات هو تحول بعض مشاهدها إلى أعمال عنف وتخريب طالت الممتلكات العامة والخاصة، وسط تقارير عن استهداف مبانٍ ومرافق بلدية، ومنها ما أثير بشأن بلدية ليموج. وهنا لا بد من التمييز بين حق المواطن في الاحتجاج والتعبير عن غضبه، وبين أعمال التخريب التي لا يمكن تبريرها مهما بلغت حدة الأزمة. ففي مثل هذه الاحتجاجات قد تجد بعض المجموعات الراديكالية فرصة للاندساس وسط المتظاهرين والدخول في مواجهات مباشرة مع الشرطة، ومنها مجموعات تُعرف إعلامياً باسم الكتلة السوداء، التي ارتبط اسمها في احتجاجات أوروبية سابقة بأساليب المواجهة والتخريب.
لكن اختزال كل ما يجري في هذه المجموعات سيكون قراءة ناقصة، وربما يخدم من يريد تجاهل الأسباب الحقيقية للغضب.
فالصوت الذي لا يجد من يسمعه قد يتحول إلى غضب، والغضب عندما يفقد بوصلته قد ينفجر في الاتجاه الخطأ. وفي المقابل، فإن أي استخدام غير متناسب للقوة من جانب الأجهزة الأمنية لا يؤدي بالضرورة إلى تهدئة الشارع، بل قد يزيد الاحتقان ويدفع نحو مواجهات أشد عنفاً.
ولعل الأخطر من مشاهد التخريب نفسها هو الانقسام السياسي والاجتماعي الذي يرافقها، والبحث المستمر عن الطرف الذي يمكن تحميله مسؤولية ما يحدث.
فبعض التيارات اليمينية الفرنسية تسارع إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المهاجرين وأبناء الضواحي، ولا سيما المنحدرين من أصول أفريقية وآسيوية، وتربط أعمال العنف والنهب بفشل سياسات الاندماج وضعف الإجراءات الأمنية.....
انتظرونا في الجزء الثاني من ارهاصات مجنون


ارهاصات مجنون 
فرنسا بين غضب الشارع وأزمة الثقة بالدولة
الجزء الثاني  
د. طالب الشوكة
غير أن الطبيعة البشرية، ولا سيما في أوقات الأزمات، تميل أحياناً إلى البحث عن شماعة تعلق عليها أسباب الفشل، وغالباً ما يكون الطرف الأضعف اجتماعياً وسياسياً هو الأقرب لتحمل هذه الاتهامات.
وفي المقابل، يرى جانب من اليسار الفرنسي أن حصر مسؤولية التخريب بالمهاجرين لا يعدو كونه تبسيطاً لأزمة متجذرة في المجتمع الفرنسي، متجاهلاً أن أبناء الضواحي هم في كثير من الأحيان مواطنون فرنسيون، وإن اختلفت أصولهم، ويعانون مثل غيرهم من البطالة والفقر والتهميش وتراجع فرص العمل.
وهذا لا يعني تبرئة كل من يرتكب أعمال التخريب، وإنما يعني أن المسؤولية ينبغي أن تحدد بالأفعال والأدلة، لا بالأصول والهويات.
وفي خضم هذه الأحداث، لا تغيب الحسابات السياسية؛ فالحكومة تسعى إلى حماية مؤسسات الدولة وفرض القانون وعزل العناصر المخربة عن المحتجين، بينما تجد بعض أحزاب المعارضة، ولا سيما اليمين المتشدد، فرصة لإعادة طرح ملفات الهجرة والأمن والاندماج، في حين تحاول قوى أخرى توجيه النقاش نحو العدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية.
وهكذا يتحول الشارع من ساحة للمطالبة بالحقوق إلى ساحة للصراع السياسي، ويصبح المواطن الغاضب جزءاً من معركة أكبر من مطالبه الأولى.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا. هل تعيش فرنسا أزمة معيشية عابرة، أم أن ما يجري يكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟
أعتقد أن اختزال هذه الاحتجاجات بوصفها ثورة جياع، بالمعنى التاريخي الحرفي، لا يقدم تفسيراً كافياً لما يحدث. ففرنسا ليست دولة تفتقر إلى المؤسسات أو الإمكانات الاقتصادية، لكنها تواجه تحدياً يتعلق بقدرة هذه المؤسسات على الاستجابة لمطالب المجتمع، والمحافظة على ثقة المواطن بجدوى العملية السياسية.
فحين يشعر العامل أن دخله لم يعد يكفيه، والأستاذ أن مؤسسته التعليمية تتراجع، والطالب أن مستقبله بات أكثر غموضاً، والطبقة الوسطى أنها تفقد تدريجياً استقرارها الاقتصادي، فإن الأزمة لم تعد تخص فئة اجتماعية واحدة، بل تصبح أزمة ثقة واسعة بين المجتمع والنخبة الحاكمة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تستطيع الحكومة الفرنسية احتواء هذا الغضب عبر المعالجات الاقتصادية والاجتماعية، أم أن استمرار الاحتقان سيفتح المجال أمام القوى المتطرفة لاستثماره سياسياً، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
ما يحدث في فرنسا ليس مجرد مواجهة بين الشرطة والمتظاهرين، ولا يمكن فهمه من خلال صور الحرائق والممتلكات المحطمة وحدها. إنه تعبير عن أزمة اجتماعية وسياسية تتداخل فيها ضغوط الاقتصاد مع تراجع الخدمات العامة والانقسام حول الهوية والهجرة ومستقبل الدولة. ولعل ما ينبغي أن يقلق النخبة السياسية الفرنسية ليس حجم الغضب في الشارع وحده، بل احتمال أن يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسات الديمقراطية على معالجة أزماته. فالدول لا تواجه الخطر حين يحتج مواطنوها على سياساتها، وإنما حين يشعر هؤلاء المواطنون أن احتجاجهم لم يعد قادراً على تغيير شيء.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا