news-details
مقالات

السيادة للبيع : الودائع الخليجية مقابل القرار السيادي المصري..!!

 


غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.

▪️ المقدمة:

تمثل العلاقة (المصرية - السعودية) بعد عام 2013 نموذجاً كلاسيكياً لعلاقة المركز المالي بالمحيط السياسي. فلم يعد القرار المصري قراراً سيادياً مستقلاً بقدر ما أصبح ورقة تفاوضية في بازار المساعدات والودائع الخليجية.

وتتجلى ذروة هذا الأرتهان في الموقف المصري من الحرب على اليمن.

أولاً: البنية الإقتصادية للأرتهان.

قام النظام المصري بعد 2013، ببناء شرعيته الإقتصادية بالكامل على التدفقات السعودية والإماراتية. ووفق تقديرات إقتصادية، تجاوزت المساعدات والودائع والقروض الميسرة من السعودية لمصر حاجز 30 مليار دولار بين 2013 و 2023.

هذه البنية خلقت ما يسمى في علم الاقتصاد السياسي بـ ”فخ الديون السياسية“ حيث لا يستطيع المدين إتخاذ موقف إستراتيجي مخالف لدائنه دون التعرض لخطر الإنهيار النقدي. وقرار تعويم الجنيه المصري ورفع الدعم عنه كان مرتبطاً بصورة مباشرة بإشارات الرضا السعودي.

ثانياً: من التحالف الإستراتيجي إلى الوكالة الوظيفية.

في النظرية الإستراتيجية، هناك فرق بين التحالف والوكالة بين دولتين متكافئتين، حيث تقوم إحداها بدور وظيفي لخدمة إستراتيجية دولة أخرى. حيث تحولت مصر في هذا السياق من دولة قيادية في النظام الإقليمي العربي إلى دولة وظيفية بنفس هذا النظام.

مشاركة مصر الشكلية ثم السياسية في ما سمي "عاصفة الحزم" عام 2015 لم تكن نابعة من تهديد مباشر للأمن القومي المصري، بل كانت فاتورة سياسية واجبة الدفع للسعودية، فمضيق باب المندب الذي سوق كذريعة، كان آمناً تحت إدارة صنعاء أكثر من أي وقت مضى، والتهديد الحقيقي للممر الملاحي جاء بعد تدويل الحرب.

ثالثاً: الحرب على اليمن وكشف التناقض المصري.

الحرب السعودية العبثية على اليمن لم تكن حرباً لإستعادة شرعية الرئيس المخلوع عبد ربه منصور هادي، بل كانت حرباً لمنع نموذج سيادي مستقل في شبه الجزيرة العربية. وأثبتوا أبطال اليمن من الجيش واللجان الشعبية أن الإرادة المحلية قادرة على كسر التفوق الجوي والتكنولوجي السعودي المدعوم أمريكياً، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً لنموذج الحكم بالوكالة الذي تريده الرياض.

الأنخراط المصري، حتى وأن كان رمزياً عبر إغلاق المجال السياسي والدبلوماسي لصالح الرواية السعودية وفتح قناة السويس لدعم الإمداد العسكري، وضع القاهرة في تناقض تاريخي كبير. فمصر التي قاتلت في اليمن في الستينيات دفاعاً عن الجمهورية ضد الملكية، عادت لتقاتل مع المشروع الملكي نفسه ضد الجمهورية اليمنية الحرة.

▪️الخاتمة والأستنتاج الإستراتيجي.

إن رهن القرار المصري بيد السعودية أفقد مصر ثلاثة من أهم أركان قوتها الشاملة وهي؛ الإستقلال الإستراتيجي، والقيادة الأخلاقية في العالم العربي، والقدرة على لعب دور الوسيط المتوازن في المنطقة.
 
وإن أي مشروع لإستعادة الدور المصري يبدأ من فك الإرتباط الإقتصادي، وتنويع مصادر التمويل، والعودة إلى عقيدة الأمن القومي المصري التي ترى أن أمن اليمن من أمن مصر، وأن قوة اليمن المستقل هي عمق إستراتيجي لمصر وليست تهديداً لها، وأن المشاركة في حصار وتجويع الشعب اليمني الحر هي خسارة إستراتيجية لمصر قبل أن تكون خسارة أخلاقية.

وبكيف الله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا