news-details
مقالات

وهم الخرائط المائعة وسقوط أسطورة الساحات الموحدة

 


بقلم/الكاتب والباحث السياسي 
الشيخ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

تكشف القراءة المتجردة للواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط حقيقة الفجوة الهائلة بين ما تروّجه الدراسات الغربية وتبنّاه نتنياهو مؤخراً، وبين الواقع الميداني والدبلوماسي الملموس. إن الخريطة الصادرة عن مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية والتي قسّمت المنطقة إلى تكتلات هندسية كـ "التحالف السني الماسي"، ليست سوى صياغة أكاديمية موجهة تفتقر إلى الدقة الواقعية، أُعيد استخدامها لتصوير إسرائيل وكأنها تواجه تهديدات إقليمية وشيكة لتبرير عقيدتها الأمنية المتشددة أمام العالم.
تُظهر الحقائق المعلنة والوقائع الدبلوماسية أن الدول المحورية والوازنة في هذا التكتل الماسي المفترض لا تخوض صراعاً عسكرياً ضد إسرائيل، بل ترتبط بها باتفاقيات ومعاهدات سلام استراتيجية قائمة ومستقرة، أو بشراكات تجارية واقتصادية واسعة وعميقة (مثل اتفاقيات السلام والمعاهدات الرسمية مع مصر والأردن، وشبكة المصالح والتبادل التجاري مع تركيا ودول أخرى). كما أن الموقف السعودي المعلن رسمياً من ملف التطبيع يعكس براغماتية سياسية واضحة؛ إذ تشترط الرياض شروطاً سياسية وإقليمية معينة تفرضها اعتبارات المكانة الدينية والسياسية واستحياءً من الوجدان الشعبي، وهي شروط قابلة للتحوير أو التنازل عنها تدريجياً متى ما تقاطعت مع المصالح الاستراتيجية العليا وفرص الاندماج الإقليمي المستقبلي. إن هذه الدول لا تتبنى أي عداء عسكري حقيقي، بل تكرّس خيارها المؤسسي والرسمي في المحافل الكبرى؛ كالمشاركة الواسعة وتوقيع قادة الدول العربية والإقليمية على مخرجات "قمة شرم الشيخ للسلام" برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إن هذا الانخراط والتوقيع الجماعي لم يأتِ مشروطاً بفرض شروط صارمة لإقامة دولة فلسطينية حقيقية أو إنهاء الاحتلال، بل شكّل اعترافاً واقعياً ورسمياً بالكيان الإسرائيلي ووجوده، متجاوزاً الثوابت التقليدية نحو مسارات التسوية والتطبيع الشامل. وما تباطؤ بعض الأنظمة في إشهار خطوات إضافية إلا حسابات دقيقة للرفض الشعبي الداخلي، بينما تُدار العلاقات عبر قنوات دبلوماسية خلفية تؤمّن المصالح المتبادلة، في مقابل التماهي المعلن والمباشر للتكتل السداسي في شتى المجالات.
وفي المقابل، تفكك الوقائع الميدانية أسطورة "محور المقاومة" والشعارات المرفوعة منذ عقود. لقد أثبتت الحروب المتتالية أن هذا التشكيل ليس تحالفاً عسكرياً متماسكاً يحقق التضامن الجمعي، بل هو شبكة فصائل عابرة للحدود تعمل وفق قاعدة السلامة الذاتية وتُساق لحماية مركز النظام في طهران. فعندما واجهت غزة وحماس حرب إبادة وجودية، تُركتا لتخوضا المعركة بمفردهما ضمن قواعد اشتباك محددة ومجزأة، وحين استُهدف حزب الله في لبنان بضربات قاصمة خاض المواجهة معزولاً. والأكثر دلالة كان الانهيار السريع لسوريا التي تُعد الركيزة الأساسية لهذا المحور، حيث سقطت خلال أيام معدودة دون أن تحظى بإسناد ميداني حقيقي ينقذ موقعها.
يتجلى هذا الخلل الهيكلي بوضوح في المشهد اليمني الراهن؛ إذ يقف أنصار الله الحوثيون بمفردهم أمام تحالف دولي وإقليمي صريح ومُعلن يضم دولاً غربية وإقليمية، بينما يغيب أي تكتل موازٍ أو إسناد عسكري فعال من بقية أطراف المحور. هذا الانكشاف الميداني يبرهن أن كل طرف يخوض معركته منفصلاً، وأن المحور ينهار فُرادى عند أول اختبار للحروب الشاملة، لكونه يفتقر إلى الملاءة المؤسسية التي تمتلكها الدول الحقيقية وقواها الصلبة التي تحظى بشرعية وتوافق دولي لمواجهة هذا النفوذ.
تتضح الصورة جلياً في التناقض الصارخ بين الخطاب الأيديولوجي والمسار السياسي؛ فبينما تستمر الخطب الحماسية في رفع شعارات الموت لإسرائيل وأمريكا منذ سبعينيات القرن الماضي، تسعى إيران وحلفاؤها على أرض الواقع ببحث حثيث نحو إبرام اتفاقيات سلام نهائية وشاملة ومذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة تضمن حصانة النظام واستقراره. إن هذه التفاهمات تعني بوضوح أن المحور لا يملك استراتيجية هجومية لإزالة إسرائيل، بل يكتفي بالردع الشرطي، بحيث تظل إسرائيل في أمان تام طالما لم تستهدف طهران بشكل مباشر.
إن الشرق الأوسط لا يُدار برسم الخرائط المائعة أو الشعارات التعبوية، بل بحسابات البقاء والبراغماتية؛ حيث أثبتت الأحداث أن التكتلات الرسمية للتحالف الماسي ومعاهداتها الثنائية، وشروطها المرنة للتطبيع، فضلاً عن اندماجها تحت مظلة مؤتمرات السلام في شرم الشيخ، تؤكد جنوح المنطقة نحو قبول الأمر الواقع والاعتراف بإسرائيل دون شروط سيادية جذرية لفلسطين، بينما تحولت المربعات المقابلة إلى أوراق تفاوضية تنتهي فور الوصول إلى صفقات التسوية.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا