news-details
مقالات

إرهاصات مجنون الوطنية والمولدة.. فن إدارة الأزمات بالطريقة العراقية

 


د. طالب الشوكة
لو سألت أي خبير استراتيجيات في العالم عن تعريف إدارة الدول، لقال لك بثقة إنها علم يقوم على التخطيط، والإحصاء، وقراءة المستقبل.
لكن هذا الخبير نفسه، لو أتيحت له فرصة زيارة العراق، لغيّر رأيه تماماً، ولرمى كتبه الاستراتيجية في دجلة، وتحول الى خبير بطنج وتوكي وربما فيتر تكتك  
 ولأدرك أن إدارة الدولة هنا تتوقف على شخص واحد فقط: أبو المولدة الشخصية التي نهابها كثيرا ونطلب رضاها ، وعلى حالة الطقس المزاجية للتيار الكهربائي!
في العراق، الكهرباء الوطنية ,صدك هي ليش تسموها الوطنية ؟ ليست مجرد خدمة عامة تُقدم للمواطن، بل هي كائن حي غامض وله شخصية نرجسية؛ لها أوقات تظهر فيها فجأة لتسخر من طيبة المواطن و بساطته ، ولها أوقات تختفي فيها لساعات، وربما لأيام، لتذكره بحجمه الطبيعي وبحدوده في هذه الحياة التعيسة والمرارة التي خلق لاجلها منذ الولادة .
العلاقة بين العراقي والكهرباء هي أشبه بعلاقة حب من طرف واحد؛ هي تخونه وتتركه في أشد الأيام حراً كل خمس دقائق، وهو يظل ينتظرها بشوق ولهفة، ويدفع فاتورتها صاغراً وبلا اعتراض.
في الواقع، لا توجد في العراق أزمة طاقة بالمعنى التقليدي، بل توجد أزمة فصل مرحلي (فيز).
أبو المولدة هو وزير التخطيط والمالية الحقيقي في المنطقة؛ هو الذي يقرر بضغطة زر متى تشرق الشمس ومتى يحل الظلام الحالك على أحياء الكرادة والأعظمية والمشتل. العبيدي والرستمية في الكوت صلاح الدين 
هو رجل المهام الصعبة الذي يوازن بين حماوة المحولة، وحصة الكاز ، ومقدار السحب بالأمبير.
لكن المفارقة التي تستحق التأمل أن الدولة، بكل مؤسساتها ووزاراتها وخططها وموازناتها، لم تتمكن حتى الآن من إقناع المواطن بأن الكهرباء خدمة مستقرة وليست ضيفاً عزيزاً يأتي دون موعد ويغادر دون استئذان. ففي كل عام نسمع عن مشاريع جديدة، وخطط طموحة، واتذكر احدهم حين قال سنصدر الكهرباء في احد السنين الماضية . 
 ووعود بأن الصيف المقبل سيكون مختلفاً. وحين يأتي الصيف، نكتشف أن الاختلاف الوحيد هو ارتفاع درجات الحرارة، وربما ارتفاع سعر الأمبير أيضاً!
والأغرب من ذلك أن العراقي لم يعد يسأل متى تنتهي أزمة الكهرباء، بل أصبح يسأل عن عدد ساعات تجهيز الوطنية، وكأنه يتفاوض مع الدولة على حصته من ضوء الشمس.
وهنا تتجلى عبقرية إدارة الأزمات بالطريقة العراقية؛ فبدلاً من أن تنتهي الأزمة، نشأت حولها حياة اقتصادية كاملة، وأصبح المواطن يدفع ثمن الكهرباء مرتين؛ مرة للدولة، وأخرى لصاحب المولدة، ثم يشكر الله إذا استطاع أن ينام ليلة كاملة دون أن يستيقظ على صوت انطفاء المكيف اومبردة التي اكل الدهر عليها وشرب صوت طرقعتها كانه سلم موسيقي بدال الدور رمي فا صول لاسي  تطربك طقطقتها التي لا تعرف اولها من اخرها .
أما التناقض الأعظم؟ أن تجد عائلة عراقية بسيطة تشكو طوال النهار من ضيق الحال والغلاء، لكنها مع بداية كل شهر تقتطع من قوت يومها مبلغاً محترماً لتدفعه لصاحب المولدة برضا تام واستسلام عجيب، وأنا واحد منهم...!
مبلغ كان يكفي، لو جمعته لسنوات، للمساهمة في مشروع كهربائي محترم، بدلاً من أن يظل يتبخر شهرياً مع دخان المولدات.
وتظل هذه العائلة تعيش على أمل أن تعود الوطنية ولو لدقائق، لا لشيء، إلا لكي تشغّل التكييف الذي لا يُطفأ أساساً من الفيشة.
إنها دراما التكييف والوطنية؛ حيث يتحول صيف بغداد إلى فرن ناضج ومكشوف، ويتحول المواطن العراقي إلى مادة دسمة لقصائد الرثاء الساخرة.
ومع كل رمشة  للضوء، وفي منتصف الليل، تسمع صرخة ملحمية توحد جميع أفراد البيت في لحظة واحدة:
جت الوطنية... طفت الوطنية!
ليواصل الجميع حياتهم بابتسامة ساخرة، وكأن شيئاً لم يكن.
ولعل أعظم إنجاز حققته إدارة الكهرباء في العراق أنها نجحت، بعد كل هذه السنوات، في تعليم المواطن فن التعايش مع الأزمة، حتى أصبح انقطاع التيار خبراً عادياً، بينما تحولت استمراريته إلى حدث يستحق الاحتفال! 
وهكذا يبقى السيد المحترم رغم استغلاله لجيب المواطن أبو المولدة حاضراً في حياة العراقيين، لا لأنه انتصر على الدولة، بل لأن الدولة تركت له مهمة إنارة البيوت، بينما احتفظت لنفسها بمهمة إنارة التصريحات.
أما المواطن المسكين، فلا يريد من كل هذه الاستراتيجيات والمعادلات المعقدة سوى شيء واحد
أن ينام ليلة صيفية هادئة، دون أن يسمع تلك الصرخة التاريخية طفت الوطنية!

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا